الجولة الميدانية على عدد من مواقع العمل يمكن أن تقدم لك صورة حقيقية عن واقع الصحة المهنية في العديد من القطاعات العاملة على مستوى الدولة .. ففي محاولة للوقوف على حال الصحة المهنية قمنا بجولة شملت مناطق القصيص والقوز والشارقة الصناعية.

ومن خلال الجولة تبين لنا وجود الكثير من المخالفات للشروط والإجراءات التي يحددها قانون العمل في مثل هذه المواقع.. ففي معمل لأجهزة التبريد والتكييف أكد لنا أحد العاملين بأنهم لا يتعرضون لأي فحص طبي دوري ولا يذهبون إلى الطبيب إلا في حالة المرض الذي يعوقهم عن أداء العمل ويستدعي حصولهم على علاج مباشر.

في معمل آخر للأصباغ أشار أحد العمال إلى أن إدارة المصنع لا توفر لهم مطلقاً مستلزمات الأمان والسلامة المتمثلة بالقفازات والكمامات، كما أنها لا تقوم بعرضهم على طبيب، علماً بأن عددا من زملائه، كما أشار، عانى أو يعاني من أمراض تطال الجهاز التنفسي.

وأشار أحد المهندسين العاملين في أحد المصانع إلى أن كثيرا من الأمراض الجلدية والتنفسية، تظهر في أوساط العمال، وخاصة في المعامل التي تنتج مواد كيماوية، أو يصدر عن منتجاتها الغبار والأتربة كمعامل الرخام والبلاط، أو محلات صياغة الذهب التي تفتقر بجدارة لإجراءات الوقاية والحماية لصحة العاملين فيها.

وعلق أحد العاملين في مصنع للصهر على سؤالنا له حول زيارات المفتشين لموقع العمل.. قائلا ان المفتشين الذين يحضرون إلى هذا المصنع وغيره من المصانع غالباً ما يحضرون بهدف واحد محدد وهو التأكد من إجراءات الإقامة والترخيص فقط دون الاكتراث بصحتهم أو سلامة البيئة التي يعملون فيها.

وإذا كان هذا هو ما تكشف عنه الجولة الميدانية على مواقع العمل فكيف يرى المسؤولون الأمر؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه من خلال سطور هذا التحقيق.

في وزارة العمل أكد مصدر مسؤول أن إجراءات الوزارة تعد في أسوأ حالاتها في مجال متابعتها لإجراءات الصحة والسلامة المهنية المتبعة في المنشآت والمعامل والمصانع المنتشرة في الدولة، كما أكد الدكتور جمعة بلال مدير إدارة مكافحة الأمراض في وزارة الصحة على أن القوانين واللوائح الخاصة بالصحة والسلامة المهنية في نطاق عمل وزارتي الصحة والعمل تفتقر إلى التطبيق وتبقى في أغلبها مجرد حبر على ورق.

كما أكد مسؤول بوزارة العمل ـ رفض ذكر اسمه ـ عدم وجود عدد كاف من المفتشين على المنشآت والمصانع والمعامل في دبي، مشيراً إلى أنه لا يوجد سوى مفتشين اثنين فقط للتفتيش على المواقع الصناعية المختلفة، في حين تحتاج الوزارة لأداء عملها بشكل مقبول إلى 40 مفتشاً.

في ظل تراجع إجراءات الأمن والسلامة في المعامل والمنشآت، وعدم وجود متابعة صحية للعاملين في مجال المواد الخطرة والذين يحتاجون إلى متابعة دورية للوقوف على حالتهم الصحية، والبدء في علاجهم منذ البدايات إذا ما ظهرت نتائج للمعاينة تتطلب ذلك حتى يصبح العلاج مجدياً، وقال المصدر «أتحدى أن يكون في الوزارة ملف واحد يتضمن فحصاً دورياً لأي عامل في هذا المجال».

وأضاف ان الإجراءات المحددة التي تعتمدها الوزارة للترخيص لأي منشأة تتطلب توافر وجود من يتابع صحة العمال بشكل دائم تتمثل بضرورة وجود ممرض أو ممرضة في المعمل إذا كان عدد العمال يتراوح بين 50 إلى 200 عامل، مع ضرورة وجود طبيب إذا كان العدد يتراوح من200 عامل الى الألف عامل، على أن يتواجد مهندس للصحة والسلامة إذا كان عدد العمال يتجاوزالألف في موقع العمل..

وأكد المصدر غياب هذه الشروط الصحية في المنشآت في الوقت الحاضر، موضحاً أن أسباب ذلك تعود إلى حالة التخبط الإداري وقرارات في الوزارة، إضافة الى عدم تطبيق القانون بسبب نقص أعداد المفتشين الذي ييعود لنقص الموازنة المخصصة للوزارة.

وحول التنسيق بين الجهات المختلفة المعنية بقضية الصحة والسلامة المهنية في الدولة، أكد المصدر عدم وجود مثل هذا التنسيق مطلقاً، مشيراً إلى أن الوزارة تفتقد لعناوين الكثير من المنشآت غير العاملة والتي حصلت عليها من الدائرة الاقتصادية في دبي.. والتي عرضت على الوزارة التنسيق والتعاون المشترك دون أن يلاقي هذا العرض أي صدى من قبل مسؤولي الوزارة.

اعتراف بالتقصير

الدكتور جمعة بلال مدير إدارة مكافحة الأمراض في وزارة الصحة أكد قصور وزارتي الصحة والعمل عن القيام بواجباتهما في مجال الصحة والسلامة المهنية، أو اقتصار دورهما في بعض الأحيان على تنفيذ بند هامشي في إطار الأدوار الرئيسية المنوطة بهما كما حددها القانون.

وأوضح أن مهمة قسم الصحة المهنية في وزارة الصحة تتمثل في الإشراف الطبي على العاملين بالمنشآت لاكتشاف الأمراض المهنية في أطوارها الأولى ومعالجتها وإزالة العوامل المسببة لها، ومتابعة حالات العجز الناتج عن إصابات العمل وأمراض المهنة، والمشاركة في تأهيل المصابين.

بالإضافة إلى تدريب العاملين داخل المنشآت الصناعية على مبادئ الوقاية من مخاطر العمل وإجراء الإسعافات الأولية، وتقديم خدمات استشارية في مجال الصحة المهنية للجهات المختصة، وكذلك إجراء دراسات معملية وميدانية للصناعات المتسمة بمخاطر صحية لتطوير السلامة المهنية، بالإضافة إلى اقتراح دراسة أية تشريعات تتعلق بالصحة المهنية والأمن الصناعي.

وأكد الدكتور بلال «أن ما تقوم به الوزارة من دور في إطار المهمة المسندة إليها يتمحور فقط في جانب واحد وهو تدريب العاملين داخل المنشآت الصناعية على مبادئ الوقاية من مخاطر العمل.

ونفى وجود أي نوع من التنسيق بين الأطراف المعنية بالقضية، مؤكداً ضرورة وجود جهة واحدة في الدولة تخطط للصحة المهنية، على ان تتحمل وزارة الصحة هذا الدور بالتنسيق مع الأطراف الأخرى.

وأضاف مدير إدارة مكافحة الأمراض في وزارة الصحة بأن أحد المظاهر المهمة لتدني مستوى الاهتمام بالصحة المهنية في الدولة يتمثل في عدم قيام أي جهة من الجهات المعنية بإعداد دراسات خاصة بالحوادث الصناعية وأسبابها، وعدم فرض رقابة على الصناعات الجديدة التي دخلت الدولة.

وفي الطريق إلى مكتب الدكتور محمود فكري الوكيل المساعد للطب الوقائي في وزارة الصحة والذي يمثل الجهة المعنية بالصحة المهنية في الوزارة.. أكد لنا أحد المصادر بأن القصور في الأداء من قبل الوزارة لجهة برامج الصحة المهنية يحدث بسبب الموازنة القليلة المخصصة للوزارة، والموازنة الأقل الخاصة ببرامج الصحة المهنية، الأمر الذي يجعل إدارة الطب الوقائي في الوزارة غير قادرة على تقديم أداء جيد في هذا المجال.

الدكتور فكري، رفض منذ البداية التحدث بشأن واقع الصحة المهنية الحالي وعن مستوى أداء الوزارة.

وأشار إلى أن الوزارة تتطلع إلى إنجاز الكثير من القضايا وتنفيذ العديد من البرامج ومنها برامج الصحة المهنية التي ستشهد روحاً جديدة في التخطيط والتنفيذ.

وحول مستوى الأداء لكل طرف من الأطراف المعنية ببرامج الصحة المهنية قال الدكتور فكري لسنا بصدد التهجم على أحد.. والمطلوب تضافر جميع الجهود من قبل كل الجهات لتنفيذ البرنامج.

وأشار الوكيل المساعد للطب الوقائي إلى أن الوزارة قدمت خدماتها الصحية لأكثر من 4651 عاملاً ترددوا على عيادات الصحة المهنية التابعة للوزارة خلال الفترة بين العامين 1998 وحتى 2004 وذكر أن جدول العمال المترددين على هذه العيادات يشير إلى تطور كبير في الأداء والوعي، حيث يوضح الجدول أن عدد العمال المترددين كان 359 عاملاً، وتطور ليصل إلى 1128 عاملاً في العام 2004.

وفيما يتعلق بالدورات التي نظمتها الوزارة في مجال الإسعافات الأولية والسلامة المهنية قال الدكتور فكري انها بدأت في العام 1988 بثلاث دورات ومشاركة 64 عاملا من 34 شركة، حيث بلغ إجمالي عدد الدورات حتى العام 2004 حوالي 233 دورة بعدد مشاركين بلغ 6417 يمثلون 2332 شركة ومنشأة عاملة في الدولة.

مضاعفة الاهتمام

من جهته أكد الدكتور سالم الظاهري المدير العام للهيئة الاتحادية للبيئة ضرورة مضاعفة الاهتمام بالصحة والسلامة المهنية في الدولة، انطلاقاً من الانتشار الواسع للحركة الصناعية في الدولة وما صاحبها من زيادة مضطردة في العمالة.

وحول دور الهيئة الاتحادية للبيئة في مجال الصحة المهنية قال الدكتور الظاهري انه محدود ويقترن فقط بقضية التلوث، مشيراً إلى أن القانون الاتحادي 24/99 في شأن حماية البيئة وتنميتها حدد دور الهيئة، بإجراء أو الإشراف على إجراء أبحاث ودراسات شاملة عن التلوث، ومراقبة آثاره السلبية على الصحة والبيئة، واتخاذ جميع الإجراءات الوقائية والوسائل اللازمة الممكنة للحد من التلوث البيئي بجميع أشكاله، والذي يعتبر التلوث في بيئة العمل جزءاً منه.

وأكد الدكتور الظاهري أن الهيئة تعمل على تحفيز القطاع الخاص والصناعي على استخدام تقنيات الإنتاج الأنظف التي توفر بيئة أكثر أماناً من الناحيتين البيئية والصحية، والتأكيد على أهمية المحافظة على نوعية الهواء الداخلي، مشيراً إلى قيام الهيئة بإجراء مجموعة من الدراسات وتنظيم سلسلة من الدورات التدريبية.

العقيد راشد ثاني المطروشي مدير إدارة الدفاع المدني في دبي قال: ان مسؤولية حماية العاملين في مواقع العمل تعد واحدة من مسؤوليات الدفاع المدني كما جاء في قانون الدفاع المدني، وتتمثل هذه المهمة في مراقبة تنفيذ وسائل الأمن الصناعي في المنشآت، ورصد ظروف العمل في المواقع، واندلاع الحرائق في سكن العمال.

ونبه إلى خطورة عدم الوعي بأهمية معدات السلامة الفردية من قبل العديد من العمال أو الجهات المسؤولة عنهم، أو ضعف الرقابة على مدى التزام أصحاب بعض الشركات الإنشائية بشروط الصحة والسلامة المهنية سواء في مواقع العمل أو سكن العمال.

وأشار إلى سعي إدارة الدفاع المدني إلى إيجاد صيغة متقدمة للتنسيق بين الجهات المعنية بالصحة والسلامة المهنية لتحديد دور كل طرف في تأمين مستلزمات السلامة ميدانياً وبوضوح، وتبسيط إجراءات التفتيش والرقابة على شروط السلامة، بالإضافة إلى توحيد النتائج التي تتوصل إليها فرق التفتيش من كل الأطراف التي تقوم بالتفتيش على نفس المنشأة لتخدم كل الجهات الحكومية المكلفة بتطبيق قوانين السلامة.

لقاءات هامشية

المهندس رضا سلمان رئيس قسم حماية البيئة والسلامة في بلدية دبي.. أكد تدني مستوى التنسيق بين الأطراف المختلفة المعنية بقضية الصحة والسلامة المهنية، موضحاً بأنه يقتصر على لقاءات وزيارات مشتركة لدى زيارة أحد الوفود الأجنبية للدولة في المجال نفسه.

وحول مستوى الأداء للقسم قال انه يؤدي دوره على أكمل وجه بدءاً من الإلزام والالتزام بكل الشروط في الترخيص للمنشآت، مروراً بتنفيذ برنامج التفتيش على المنشآت والذي يأخذ شكل زيارات مبرمجة للمناطق الصناعية ومناطق العمل، وكذلك قيام القسم بتطوير وتأسيس معايير للعمل، أو وضع معايير تفصيلية للقطاعات الصناعية والخدمية المختلفة.

وأضاف أن القسم قام بتحديد كل المهن التي تتطلب وضع ممارسيها تحت الرقابة الصحية الخاصة والتي تلائم نوعية العمل الذي يؤدونه، وأشار إلى إجراء الفحص الطبي للعمال في قسم العيادة والخدمات الطبية التابع للبلدية.

وأوضح أن فرق التفتيش التابعة للبلدية قامت بإنجاز أكثر من 8 آلاف زيارة تفتيشية لمواقع العمل خلال العام الماضي بالمقارنة مع 4 آلاف زيارة تفتيشية خلال العام الذي سبقه، موضحاً بأن عيادة البلدية استقبلت خلال العام الماضي 87 ألف عامل قدمت لهم خدمات طبية مختلفة وجرى إجراء الفحوصات الطبية الدورية لهم.

الدكتور نجيب عبدالله الفضلاني رئيس المؤسسة العالمية للفضاء للاستشارات البيئية أشار إلى أن نتائج الدراسة المحلية التي أجراها على عمال 27 محطة تزويد للوقود في دبي.. أكدت إصابة اثنين من كل 7 عمال بأمراض تنفسية بعد مضي عام وسبعة أشهر على عملهم جراء استنشاقهم الغازات البترولية المتطايرة.

وأكد الدكتور الفضلاني عدم وجود فحوص طبية دورية ومنتظمة لهؤلاء العمال. وفي إطار الدراسة الميدانية نفسها أكد الدكتور الفضلاني بأن المواقع الصناعية التي زارها تفتقر إلى أبسط مقتضيات الوقاية للعمال، كالخوذة والأحذية الواقية والقفازات التي قد يؤدي عدم وجودها لإصابات بسيطة أو متوسطة تؤثر على صحة العامل وإنتاجيته.

تحقيق: خالد اللوباني