رغم أن موضوع من يدير المنشأة الطبية قد حسم منذ زمن طويل في الدول المتقدمة إلا انه ما زال مثار جدل وخلاف في الدولة. وتشير مصادر مطلعة في وزارة الصحة إلى أن 15% من الأطباء المواطنين الذين صرفت عليهم الدولة مبالغ طائلة يشغلون الآن مناصب إدارية وتخلوا عن العمل في مهنة الطب ولكنهم ما زالوا يتقاضون العلاوات الفنية.
ويرى فريق من الأطباء أن تشبث الطبيب بقيادة المنشأة الطبية لاعتقاده بأنه الأكفأ في إدارتها خطأ وخسارة للقطاع الصحي في الدولة خاصة وان الدولة أنفقت على تعليمهم وتدريبهم مبالغ طائلة.
كما أن المجتمع سيفقد واحدا من أبنائه الأطباء الذين عولت عليهم الدولة لخدمة المجتمع من خلال عملهم الطبي، فيما يرى فريق آخر أن وجود الإداري المؤهل بإدارة المستشفيات أو الإدارة العامة هو الأمثل لقيادة المنشأة. التحقيق التالي يسلط الضوء على هذه القضية التي ما زالت وستبقى موضع خلاف وجدل والى التفاصيل:
الدكتور إبراهيم كلداري أستاذ الأمراض الجلدية بكلية الطب في جامعة الإمارات أعرب عن أسفه من إقحام الطبيب ليكون مديرا للمنشأة الصحية ويقول هذه ظاهرة للأسف منتشرة واعتدنا عليها في مستشفياتنا وفي معظم الدول العربية والعالم الثالث بشكل عام، وهنا لا بد أن نعي أمرا في غاية الأهمية.
وهو أن نجاح الطبيب كطبيب لا يعني بالضرورة نجاحه مديرا للمستشفى أو مديرا لإدارة معينة أو مركزا صحيا، نظرا لافتقاره للقدرات الإدارية وأدنى مقومات العملية الإدارية المختلفة مثل التخطيط والتوجيه والتنسيق واتخاذ القرارات الفعالة والتفاوض والقدرة على التغيير والتطوير ولا حتى أساليب وطرق التواصل مع الآخرين، لسبب بسيط وهو عدم تخصصه في الإدارة.
النجاح حالات استثنائية
ويقول بالطبع لا يمكن تعميم ذلك على الجميع فهناك بعض الأطباء في مواقع قيادية إدارية حققوا نجاحات جيدة من خلال إثبات جدارتهم وكفاءتهم في عملهم كأطباء وفي الإدارة ولكن مثل هذه الحالات استثنائية ولا تعني بالضرورة نجاح الآخرين.
ويقول الدكتور إبراهيم كلداري ان إسناد مهمة إدارة المستشفى أو المركز للطبيب خسارة متعددة الجوانب فالدولة تخسر على اعتبارها أنها أنفقت الكثير لتأهيل مثل هذا الطبيب ليصبح كفؤاً في تخصصه.
والمجتمع سيفقد واحدا من أفراده الأطباء الذين عولت عليهم الدولة خدمة المجتمع من خلال عملهم الطبي، خاصة وان الدولة في حاجة ماسة إلى الكوادر الطبية المواطنة وفي مختلف التخصصات الطبية فعدد الأطباء المواطنين في الدولة لا يزيد على 400 طبيب.
ويضيف أن الطبيب نفسه عندما يعمل في الوظيفة الإدارية سيضيق نطاق ممارسته لمهنته المهمة كطبيب، وسيجد نفسه بعد فترة من ابتعاده عن ممارسة المهنة قد نسي كل ما تعلمه طوال سنوات دراسة الطب لان هذه المهنة تحتاج إلى متابعة دقيقة ومستمرة لكل ما يستجد فيها من علم ومعرفة من خلال حضور المؤتمرات والندوات والدورات التدريبية ومتابعة المجلات الطبية المتخصصة وغيرها.
وهذا قد يصبح متعذرا في حال توليه منصباً ادارياً لانه سيكرس جل وقته لهموم الإدارة والسعي الدؤؤب لسير العملية الإدارية بكفاءة وفاعلية .
والتي ربما لن تكون بهذه البساطة في ظل إدارة الطبيب لان الإدارة في اعتقادي - والكلام لا يزال للدكتور كلداري ـ تحتاج إلى مدير متخصص ذو خلفية إدارية كعلم وممارسة وقدرة على تطبيق مختلف الأفكار والأساليب الإدارية الحديثة لرفع قدرة الجهاز الصحي لضمان تقديم خدمة طبية ذات جودة عالية تلبي احتياجات المستفيدين منها.
وضع يعكس الإحباط
ويرى أستاذ الأمراض الجلدية في كلية الطب بجامعة الإمارات أن مدير المستشفى الإداري قد يحتاج إلى مدير فني، وهذا بالطبع يجب أن يكون طبيبا باعتباره اقرب إلى الواقع المهني وبيئة العمل التي تتميز بها المنظمات الصحية وذا معرفة بالاحتياجات المتعددة والمتطورة من الكوادر الطبية والفنية والأجهزة والمعدات الطبية لكونها اقرب إلى تخصصه، وسيكون قادرا على مساعدة المدير لاتخاذ القرار السليم ومعرفة مدى الاحتياج من عدمه.
ويرى الدكتور إبراهيم كلداري أن لجوء نسبة من الأطباء المواطنين للعمل في الوظائف الإدارية يمكن إرجاعه إلى حالة الإحباط القائمة بسبب تدني الرواتب مقابل ساعات العمل الطويلة وما يتخللها من متاعب ووجع رأس.
والسبب الثاني قد يكون في عدم تمكن الطبيب في مجال تخصصه أو عمله حتى كممارس عام، مشيرا إلى أن هناك الكثير من المواطنين الذين يفترض بهم أن يكونوا في مواقع قيادية يمارسون الآن وظائف إدارية وهذه دون أدنى شك خسارة كبيرة للدولة.
ويقول طبيب آخر طلب عدم نشر اسمه خوفا من إغضاب زملائه الإداريين: تصنيفنا العالمي في الرعاية الصحية يعبر عن الواقع الصحي الذي نعيش فيه رغم المليارات التي تصرف على الصحة، واعتقد أن الأطباء الذين يدافعون عن ظاهرة تولي الطبيب مديرا للمستشفى أو أي عمل إداري آخر هم ظاهرة صوتية يحاولون بشتى الوسائل التشبث بالسلطة الإدارية دون أن تكون مبرراتهم علمية أو منطقية أو حتى تعبر عن الواقع العالمي.
وضع عربي وليس عالميا
ويضيف ان كلمة مدير مستشفى غير موجودة في أدبيات صناعة الخدمات الصحية إلا عندنا في الدول العربية ولم يسمع من قبل في أدبيات هذه الصناعة أن المؤهل الأمثل لقيادة منشاة صحية يجب أن يكون حاصلا على بكالوريوس الطب والجراحة أو البورد الأميركي أو الزمالة أو أي درجة مهنية أخرى بينما وجد أن مؤهل ماجستير إدارة صحية هو المؤهل الأمثل لقيادة المنشأة الصحية.
ويقول أتمنى من المدافعين عن تولي الطبيب قيادة المنشأة الصحية تقديم الدليل والبينة بعيدا عن المصالح الشخصية. ويضيف في منتصف السبعينات من القرن الماضي ظهر علم الإدارة الصحية عندما ثبت لدافعي الخدمات الصحية وأصحاب القرار السياسي عجز الأنظمة الصحية التي كان يديرها أطباء على تقديم خدمات صحية تقابل رضا المستفيدين منها وبأقل تكلفة ممكنة.
ويضيف أن فكرة تولي الطبيب أم المهني قيادة المنشأة الصحية يجب أن لا تحدث في الدولة ما لم يحصل هذا الشخص على ماجستير في إدارة المستشفيات، لافتا إلى أن إعطاء الطبيب دورات ومحاضرات في الإدارة الصحية لن يكون كافيا حتى لو حصل الطبيب على العشرات من المحاضرات والدورات، فأما الحصول على بكالوريوس أو ماجستير في إدارة المستشفيات أو البقاء بجانب المريض والتفرغ لذلك حسب القسم الذي أداه عند التخرج.
طبيب في وزارة الصحة يعمل بوظيفة إدارية منذ فترة طويلة يقول ان تولي الطبيب وظيفة إدارية لا تعني بالضرورة انقطاعه عن ممارسة مهنة الطب، فهناك العديد من الأطباء يتسلمون مناصب إدارية في الوزارة.
ولكنهم ما زالوا يمارسون مهنة الطب ويقومون بإجراء العمليات الجراحية. صحيح أنه قد لا يمتلك الوقت الكافي لذلك ولكن بالنهاية الإدارة هي كيف تنظم الوقت وكيف تدير الأمور.
قضية محسومة
عبد السلام المدني ممثل الاتحاد الدولي للمستشفيات والاتحاد الدولي لطب الأسنان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في دبي يقول قضية من يدير المنشأة الصحية في الدول المتقدمة طبيا حسمت منذ زمن طويل لصالح حملة المؤهلات العلمية الإدارية مثل الإدارة العامة أو إدارة المستشفيات في حين أن الوضع في الدول العربية ما زال مختلفا تماما والسبب في ذلك هو النقص الحاد في حملة الشهادات الجامعية في التخصصات الإدارية، وهو ما أكدته إحصائية صدرت عن الاتحاد الدولي للمستشفيات قبل عامين.
ويقول ان عدد المواطنين ممن يحملون شهادات علمية في الدارة المستشفيات لا يتعدى عدد أصابع اليد، وبالتالي يجب التركيز على هذا التخصص لسد العجز الحاصل في هذا التخصص المطلوب في كل دول العالم.
ويضيف حسب نظام الاتحاد الدولي للمستشفيات يجب أن يكون مدير المستشفى يحمل شهادة جامعية لا تقل عن البكالوريوس في إدارة المستشفيات أو إدارة الأعمال على أدنى تقدير.
ولا مانع من أن يكون هناك طبيب كمدير فني تتوفر فيه قدرات إدارية وعلى درجة عالية لمساعدة مدير المستشفى في تسيير كل الأمور ذات الطابع الفني مثل التشغيل الطبي والسريري لكونها اقرب إلى تخصصه وهذا سيساعد المدير الإداري على اتخاذ القرارات السليمة.
ويقول من الأفضل للطبيب والدولة أن يعمل الطبيب في مجال تخصصه لان الدولة تنفق مبالغ مالية كبيرة على تعليم وابتعاث الأطباء لمواصلة دراساتهم العليا وفي نفس الوقت أفضل للطبيب نفسه لان فرصته في الإبداع تأتي من خلال مجال عمله وتخصصه، و كما يقول المثل «أعط الخبز لخبازه»، وباعتقادي الطبيب الناجح وذو الكفاءة في تخصصه لا يمكن أن يقبل العمل في الإدارة.
الحرمان غير مطلوب
ويقول في المؤتمر الأخير الذي نظمته دائرة الصحة والخدمات الطبية بالتعاون مع الاتحاد الدولي للمستشفيات كان هناك توصية من توصيات المؤتمر موجهة لوزراء الصحة في كل الدول الأعضاء في الاتحاد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تطالبهم بضرورة التركيز على التخصصات الإدارية لتولي إدارة المنشآت الصحية خاصة بعد أن ثبت أن هذه الكوادر هي الأكفأ والأقدر على إدارة المستشفيات من الأطباء.
وقال ان ذلك لا يعني حرمان الطبيب من تولي إدارة المستشفى إلا بعد حصوله على مؤهل جامعي في أحد التخصصات الإدارية ليكون ملما بكل النظم المالية والاقتصادية والسجلات والإحصائيات.
وأشار عبدالسلام المدني إلى أن الاتحاد الدولي للمستشفيات يقوم بتنظيم دورات متخصصة في إدارة المنشآت الصحية للأطباء والفنيين والإداريين منذ أكثر من عشرين عاما.
وقد تم التوصل إلى اتفاق مع دائرة الصحة والخدمات الطبية لتنظيم دورات تعليمية وتدريبية في دبي اعتبارا من العام المقبل لكل الراغبين من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالتعاون مع بعض الجامعات البريطانية والأسترالية. وقال المدني ان مجلس محافظي الاتحاد الدولي للمستشفيات رحب بالفكرة ووافق بكل أعضائه على أن تكون دبي مقرا لمثل هذه الدورات.
تحقيق ـ عماد عبد الحميد:

