تهيأ قاضي المحكمة في جلسته وتفقد كل ما هو حوله تماماً كما يفعل حكام مباريات كرة القدم، ثم التفت ناحية أمين سر الجلسة الذي كان يتخذ له مقعداً على الجانب الأيسر من الطاولة وهو موظف أنهكته سنوات العمر المديدة واقتلعت الكثير من شعر رأسه وأحالت ما بقي إلى قطن أبيض، لكن من محاسن الزمن عليه هي تلك الخبرة الواسعة التي اكتسبها حتى بات مرجعاً لكثير من القضايا.

وانتهز القاضي سانحة انشغال أمين سر الجلسة بإعداد المحضر فعاد إلى ملفات القضايا يتصفحها واحدة بعد الأخرى لكن واحدة من بينها استرعت انتباهه فوضعها أمامه وأبعد الملفات الأخرى جانباً ثم نادى بدخول صاحبه فكانت امرأة شابة جاءته يتبعها رجل طاعن في السن استعان على وهن رجليه بعصا يتوكأ عليها ويتحسس بها موطئ قدميه وعلى ضعف بصره بنظارة لها عدستان سميكتان لكنه لم يستطع فصل شيء لظهره الذي تقوس.

خطر للقاضي وهو ينظر إليهما أن من وقفا أمامه هما أب وابنته فقال: تفضل أنت أيها الوالد هنا ودع ابنتك تجلس إلى جوارك. انزعج العجوز أيما انزعاج فرد على القاضي: طال عمرك هذه ليست ابنتي وإنما هي زوجتي. شعر القاضي بالحرج وهو يتجول لعينيه فينظر إلى العجوز تارة وإلى المرأة الشابة تارة أخرى فأدرك أنه أمام قضية واضحة كالشمس في كبد السماء، لكنه مع ذلك آثر أن تأخذ القضية مجراها القضائي فطلب من الزوجة الشابة أن تحكي للمحكمة وقائع مشكلتها.

لم يتفق العجوز مع ذلك الرأي فطلب أن تعطى له أولوية التحدث باعتبار أنه رجل وبحكم الدين فالرجال قوامون على النساء، لكن القاضي رفض لأن الزوجة هي صاحبة الدعوى والعدالة تقتضي أن تكون هي المتحدثة. وقفت الزوجة ومن تحت خمارها كانت تتحدث تارة وتبكي تارة أخرى: حضرة القاضي كان من عادة والدي أنه كلما قاد سيارته يتحدث في هاتفه النقال بل كان يرجئ كل اتصالاته إلى حين ركوبه السيارة لفكرة يؤمن بها وهي أن وقت قيادة السيارة وقت ضائع،

ولذلك فإن أفضل وسيلة للاستفادة منه هي إجراء المكالمات الهاتفية سواء الخاصة بأعمال رسمية أو للاتصال بالأهل والأصدقاء. وكان ينصح الجميع بأن يعملوا بفكرته تلك، لكن والدتي كثيراً ما كانت تناهضها خاصة بعدما تأكد لها أن الحديث بالهاتف أثناء قيادة السيارة كان سبباً في تعرض والدي لكثير من الحوادث المرورية.

صمتت الزوجة الشابة برهة لتمسح دموعاً انهمرت على خديها ثم واصلت الحديث: لكن في أحد الأيام وبينما كان والدي يصطحبنا في رحلة برية رن هاتفه النقال وكالعادة أخذ السماعة إلى أذنه ثم بدأ يتكلم مع أحد الأشخاص وسرعان ما انفعل والدي واستشاط غضباً وكانت أمي تحاول تهدئته بينما السيارة تجول يمنة ويسرة،

وفي غضون لحظات داهمت والدي طعنة حادة بالصدر لم يستطع معها السيطرة على السيارة التي اتجهت نحو عمود كهربائي واصطدمت به لتتحول إلى حطام فتوفيت أمي في مكان الحادث بينما لحق بها والدي بعد ذلك، فبقيت أنا وحيدة في هذه الحياة.

سكتت الزوجة الشابة عن سرد مأساة أسرتها لإفساح المجال لدموعها عساها تخفف ما بداخلها من أحزان لكن القاضي طلب منها مواصلة الحديث. كتبت الصحف عن مأساتي فتبناني فاعل خير وعاملني معاملة إنسانية كريمة خففت كثيراً من حرماني

وأعادت البسمة إلى شفاهي بعدما حرمت منها بسبب حزني المرير على وفاة أمي وأبي. وقبل أن تواصل حديثها سحبت نفساً عميقاً إلى داخل جوفها ثم نفرته.

لكن شاءت إرادة الله حرماني من فاعل الخير الذي وقف إلى جانبي في أحلك الظروف ووصى زوجته وأفراد أسرته بألا يسيئوا معاملتي فقد توفي بسبب مرض عضال لازمه طويلاً لأجد نفسي من بعده في مربع الأحزان. فبعد يوم واحد من وفاته بدأت زوجته تتعامل معي بصورة مغايرة تماماً تنم عن الحقد والكراهية. ومع مرور الأيام أخذت تشدد من ضغطها علي لكي أهرب من المنزل، خاصة بعدما ساورتها الشكوك بأن زوجها أوصى لي بشيء من تركته.

ومن أجل ذلك الهدف طردت خادمتها وعهدت بأعمال المنزل كاملة لي فكانت أعمالاً شاقة استنزفت كل وقتي وأنهكت جسمي وحرمتني مذاكرة دروسي فتدهور مستواي التعليمي بصورة أثارت انزعاج المعلمات. وذات مرة قررت إدارة المدرسة استدعاء ولي أمري لبحث المشكلة معه ففوجئت بأنه ليس عندي في هذه الحياة من يتحمل مسؤوليتي فتركتني. أما أنا فقد وجدت في ترك المدرسة القرار المناسب لكي أقوم بأعمال المنزل خير قيام.

* هل كان ذلك كافياً لإرضاء زوجة فاعل الخير؟ سألها القاضي.

ـ لا.. لا بل رأت أن ذلك لا يحقق الأهداف التي تنشدها فلجأت لأمور أخرى.

* وما هي تلك الأمور؟

ـ هذا الرجل العجوز الجالس أمامك كان من الوسائل التي لجأت إليها للتخلص مني حيث أجبرتني على الزواج منه بعدما قالت لي أنه رجل ثري ويملك العديد من العقارات والأسهم في الشركات الكبرى.

* لكن ماذا حدث بعد زواجك منه؟

ـ سحبت نفساً وصمتت برهة جففت خلالها دموعها ثم انبرت تتحدث: بعد زواجي منه أدركت أننا شخصان من كوكبين متباعدين تماماً. فهو يجبرني على أن أصغي إليه وهو يحكي عن الغوص والشعشع والجمان والنواخذة والنهام. وأنا أريد أن يكون حديثنا عن الفن والعولمة والفيديو كليب والمسجات والإنترنت والديجتال.

توقفت الزوجة الشابة عن مواصلة كلامها طالبة السماح لها بشرب جرعة ماء فأذن لها القاضي بذلك ثم واصلت:

ليت الأمر انتهى عند هذا الحد بل الأخطر من ذلك ان زوجي الذي أمامك حضرة القاضي فرض علي حصاراً قاتلاً فجاء إلى الباب بمفتاح ضخم يغلقه وراءه كلما غادره أو عاد إليه وحرمني من الخدمات الهاتفية الثابتة والمتجولة وامتنع عن شراء تلفاز مع دش لنا زاعماً بأن ذلك من أفعال الشيطان. وإذا ما ركبنا معاً سيارة الأجرة فانه يركز كل نظره على السائق خشية أن ينظر إلى الوراء حيث انا جالسة بالمقعد الخلفي، وإذا ما استدعى الأمر عودة سيارة الأجرة إلى الخلف فان زوجي يأمرني بالترجل منها ريثما ينتهي السائق من المهمة ومن ثم يسمح لي بالعودة إلى داخلها.

حضرة القاضي جئت إليكم هنا في ساحة العدالة بعدما عيل صبري على العيش مع رجل يريد أن يعيدني بقوه إلى الوراء سنين عددا فلم أعد احتمل الحبس الانفرادي الذي وضعني فيه لقد قتل كل شيء جميل في نفسي وحرمني متعة الدنيا التي أوجدها لنا الخالق. أتوسل إليك حضرة القاضي أن تنقذني من جحيم الحياة التي أعيش فيها فقد أنهكني السهر وأعياني الحزن وتتصارعني الهموم لذا فإن كل ما ارجوه منك هو أن تنقذني من هذا الوضع الذي أنا فيه قبل فوات الأوان.

سألها القاضي:

* ما هي مطالبك بالتحديد؟

ـ شيء واحد لا غيره هو الطلاق من هذا الرجل الذي حرمني متعة الدنيا وحلاوة الابتسامة.

* لماذا لا تعطي زوجك فرصة أخرى ربما يغير من أسلوب حياته بالنمط الذي يرضيك ويحقق كل رغباتك في هذه الدنيا؟

ـ أرجوك حضرة القاضي ساعدني بأن تمنحني الفرصة كي أعيش أسوة بغيري من الناس لقد نكبت في هذه الحياة بفقداني لأمي وأبي فلماذا يحكم علي المجتمع بالمزيد من العذاب.

لم يستطع القاضي الإجابة كما أنه لم يسمع بعض ما تقوله فقد كان شارداً بفكره بعيداً متخطياً الخطوط الحمراء التي تحكم أفعال وأقوال بل وأفكار أصحاب السلطة القضائية. قال لنفسه: إذا أصرت هذه المرأة الشابة الحزينة على الطلاق وتحقق لها ذلك فأين ستذهب ومن سيقبل بها؟ أم أنها ستعود إلى زوجة فاعل الخير تمارس معها أشد أنواع التنكيل؟... أسئلة عديدة حائرة دارت في خاطره حاول أن يجد لها إجابة فلم ينجح في ذلك .. نظر إليها وهي جالسة تنتظر الرد .. لكن عادت الأسئلة الحائرة تشغله، نظر إلى أمين سر الجلسة فوجده مشغولاً بتنظيم وترتيب ما سجله خلال الجلسة.

تحدث القاضي لنفسه: إذا طلقها زوجها وهي على حق لطالما أن زوجها مقصر معها بحقوقها الشرعية نتيجة إصابته بمرض في القلب فإن الزواج منها يبقى فرضاً وعملاً إنسانيا يثاب فاعله فلماذا أضيع هذا الأجر العظيم. لا اعتقد أن زوجتي ستعارض خاصة إذا علمت الظروف الإنسانية التي واجهتها هذه الشابة في حياتها. نهض القاضي من كرسيه أعلن عن رفع الجلسة فتحركت الزوجة الشابة من مقعدها توجهت إلى زوجها العجوز تطلب منه الوقوف ففوجئت بأنه فارق الحياة بسبب نوبة قلبية فاجأته أثناء الجلسة.

اعداد : سليمان الماحي