قال الشيخ: تتعاقب الأجيال فينا وكل جيل منا يأتي أكثر سوءاً من الجيل الذي سبقه، ربما لأن ثقافتنا وثقافة مجتمعنا تهرول مسرعة إلى الخلف، وربما لأننا فهمنا العطاء بأن نغرق أولادنا بما ينفع ولا ينفع من متاع الدنيا راغبين وطالبين سعادتهم، دون أن نعلم وننتبه إلى أننا بعطائنا المفرط نسرق سعادة أطفالنا، لأن من يحصل على كل شيء وبسهولة ويسر في طفولته وشبابه لا يبقى له ما يسعى إليه مما يسعده ويفرح قلبه.
وأنني أزعم أن آباءنا كانوا أقدر منا على ترشيد السعادة التي قدموها لنا حتي أن كل يوم كان يحمل جديداً وكل سنة كان فيها ما يسعد قلوبنا أكثر من سابقتها. وإذا كان الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم قد قال: اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم، فإن آباء اليوم يضعون بين أيدي أولادهم من متاع الدنيا ما قد لا يستطيع الحصول عليه والوصول إليه الواحد منهم بجهده وبظروف مستقبله.
وبهذا يكون الآباء بكرمهم الزائد ومنحهم الذي لا حدود له قد سرقوا سعادة أولادهم مرتين: في طفولتهم عندما يفقد كل متاح طعمه وسروره، وفي مستقبلهم عندما لا يستطيع الأبناء أن يعيشوا كما عاشوا في ظل كرم آبائهم وعطاءاتهم غير المنتهية.
وقد كان آباؤنا حريصين على زرع العزائم والقيم الفاضلة فينا أكثر مما نقوم به اليوم، فنحن اليوم نعتني بصحة أجسام أولادنا أكثر مما نعتني بأرواحهم وقلوبهم، فمنذ أن يولد الولد يتعهده أبواه مع طبيب العائلة بالتغذية والأدوية وأشكال الطعوم التي تدرأ عنه الأمراض، أما تغذية الروح وتزكية القلب والوقاية من شرور الأخلاق والسلوك فهي أقل بكثير من عنايتنا بأجسادهم. وهكذا عندما يعود الأب إلى منزله ليلاً كثيراً ما يسأل عن عشاء الولد أكثر من عِشائه.
قال الشيخ: وإنني ذاكر لكم شيئاً من صفات والدي رحمه الله، وأنا أعلم أن كلاً منكم يحمل في ذاكرته ذكريات وصفات وشمائل تميز بها والده مما يدعو إلى فخر، وإن كان النسب لا يغني عن المرء شيئاً، فإذا كان قرة العيون محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبر ابنته فاطمة بأنه لا ولن يغني عنها عند الله شيئا فما هي حالنا،
ونحن إذ نذكر شيئا من شمائل آبائنا فذلك رغبة منا في أن نطلب لهم الرحمة وفي أن نتعلم منهم ما يقينا من شرور الهاوية التي وصلنا إلى شفاها، ومما يؤلمني ان أقول انني عرفت والدي بعد موته أكثر من معرفتي به قبله، مع أن ما عرفته عنه في حياته كفيل بأن أتخذ منه قدوة وأسوة حسنة، ففي حياته رحمه الله كان طبيبا حاذقا بعد أن عاش حياة من الكفاح والمكابدة قد لا يستطيع كثير منا أن يتصورها،
وقد أحصى من المهن والحرف التي مارسها في حياته حتى وصل إلى رتبة أستاذ استشاري في الجامعة، ست عشرة مهنة من أجير خياط إلى مدير عام لمؤسسة طبية وعلمية مرموقة، وقد لمسنا منذ صغرنا آثار ذلك عندما كان يتعهد ويمارس أعمالا في البيت من خياطة وإصلاح، فقد كان لديه من الخبرة بهذه الأمور ما يقيه اللجوء إلى الحرفيين في هذه المصالح.
وكان رحمه الله عالما ومتعلما حتى آخر يوم في حياته، وقد أمضى سنوات عمره الأخيرة بين جلسات يجتمع فيها مع طلبة الدراسات العليا وساعات طويلة من القراءة في الطب وغيره من العلوم حتى الشرعية منها، وكان يحب عمله إلى درجة جعلته ينصرف أكثر وقته إليه، فلم نعهد عليه جلوسا في البيت حتى في سيئ الظروف المناخية أو حتى الصحية،
وكان يصل إلى عمله ـ وهو مدير عام ـ قبل ان يصل أي موظف، حتى ان المستخدمين ممن يتولون أمور نظافة المركز كانوا يتعجبون من إقباله على عمله، وقد كان قريبا منهم يستمع إليهم ويحسن عشرتهم، فأحبوه في حياته حبا استمر إلى ما بعد وفاته، فكم التقينا عند قبره برجال منهم قصدوا زيارته وقراءة الفاتحة على روحه.
وكان قواما في الليل يستيقظ كل يوم قبل الفجر بساعة فيصلي ما شاء أن يصلي حتى إذا أذن الفجر صلى ثم أخذ بتلاوة القرآن حتى شروق الشمس، فإذا كان التوقيت يسمح له بتمدد على السرير بعدها تمدد، وإلا فإنه كان يتناول فطوره ويسارع إلى مؤسسته ليصل قبل أن يصل كل من يعمل تحت إدارته، وكانت دموعه رحمه الله قريبة تذرف بسهولة لسماع قرآن أو حديث نبوي أو لمشاهدة موقف مؤثر من حياة الصحابة أو التابعين أو العصاميين فيما كان يراه في التلفاز،
وكم رأينا وجهه المنير وقد امتلأ بالدموع رهبة أو حبا أو شوقاً لله ورسوله وصحابته، وقد أكرمه الله ومن عليه في أواخر أيامه بعمرة في كل سنة كان يخرج فيها مع أمنا أطال الله في عمرها، وكانت أيامه في العمرة مليئة بالعبادة والخشوع والدموع حتى اننا كنا نلمس ذلك في بقية أيام السنة، حيث لم يكن يذكر أمامه شيء يتصل بمكة أو بالمدينة أو يشاهد مشهدا لهما في التلفاز إلا وبكى بكاء المحبين، رحمه الله.
ماهر سقا أميني