أكد العالم د. «زغلول النجار» أن الكوارث التي تحدث من وقت لآخر، هي جند من جنود الله، يسخرها عقاباً للمذنبين، وابتلاءً للصالحين، وعبرة للناجين، وأن المسلم كلما احتمى بجناب الله سبحانه وعاش في ضوء الهدايات الربانية حماه الله تعالى من مخاطر كثيرة تحدث في هذه الحياة، وشدد على استحالة أن يخالف العلم القرآن أو صحيح السنة، وأن أي تعارض يكون بسبب قصور فهم البشر لسنن الله الكونية.
وأوضح أيضاً أن النشاط الزلزالي بصفة عامة في العالم هو من علامات الساعة إلى غير ذلك من الحقائق الكونية المهمة التي نتعرفها في هذا الحوار:
* كيف يستقبل الإنسان المؤمن الكوارث؟
كافة الظواهر الكونية، مثل: الزلازل والبراكين والعواصف، هي من جند الله، التي يسخرها عقاباً للمذنبين وابتلاءً للصالحين، وعبرة للناجين، وإن فهمنا لميكانيكية حدوث أي من هذه الظواهر لا يخرجها من كونها جنداً لله، وإذا لم تؤخذ بهذا المعيار فلن يستفيد الناس من حدوثها حتى لو استطاعوا التنبؤ بها، أو اختراع الوسائل المختلفة لمقاومتها، وفي ذلك يقول الإمام علي (كرم الله وجهه): ما وقع عذاب إلا بذنب، وما ارتفع إلا بتوبة.
مخاطر عديدة
* هل القرب من الله يمكن أن يقي المسلم من الكوارث؟ وهل العكس صحيح؟
ما من شك أن المسلم كلما احتمى بجناب الله وعاش في ضوء الهدايات الربانية حماه الله تعالى من مخاطر كثيرة تحدث في هذه الحياة، والإنسان على الأرض لا تهدده الزلازل وحدها؛ فالحياة الأرضية محاطة بكم هائل من المخاطر، فالقشرة الأرضية وتحت القشرة الأرضية وفي الأغلفة الغازية المحيطة بالأرض، ويكفي الإشارة إلى كم المواد المشعة الموجودة في صخور القشرة الأرضية، وتحت القشرة، وكم الأشعة الكونية التي ترتطم بنطاق الغلاف الغازي للأرض في كل لحظة، وكل من هذين العاملين لو قدر له أن يصل إلى الإنسان، لأفنى الحياة على سطح هذا الكوكب في لحظات قليلة.
والقرآن الكريم وأحاديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم مليئة بالتأكيد على أن العذاب لا ينزل إلا رداً على ذنوب الناس، وليس معنى ذلك أنه لا يصاب بهذه الكوارث الكونية إلا المذنب؛ فقد يصاب بعض الصالحين لأن رسول صلى الله عليه وسلم حينما سُئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، ويبعث الناس على نواياهم.
ـ البعض يرفض الربط بين وقوع الكوارث الطبيعية وبين ارتكاب الذنوب وتفشي المعاصي.. فما ردكم عليهم؟
أمثال هؤلاء هم واحد من ثلاث، إما كفار وملحدون ينكرون وجود الله وقدرته، وإما جاهلون لا يعلمون شيئاً عن هذا العلم الذي يبحث في الزلازل والبراكين والأعاصير، وإما أنهم واهمون لم يدرسوا سنن الله التي مضت في الذين من قبلهم، وانظر معي إلى قول الله سبحانه في سورة العنكبوت: «فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيَّحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» [العنكبوت ]، وقوله تعالى في سورة النحل: «أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأتِيهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ، أويَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤوفٌ رَّحِيمْ».
فهم قاصر
ـ هناك فريق من الناس يقول إن الزلازل والبراكين والكوارث هي من غضب الطبيعة، ويقدمون التفسير العلمي على الإيماني أو يرفضونه؟
هذا الكلام غير صحيح، والكوارث التي تحدث في كون الله لا تقع إلا بعلم الله وقدرته، فهو سبحانه الفاعل المطلق في الكون كله، قال تعالى: «أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الخَلاَّقُ العليم» «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ» «فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»، وقال: «وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ».
* هل يمكن أن يحدث تناقض بين العلم والدين في هذه المسألة؟
ـ لا يمكن أبداً أن يخالف العلم القرآن أو صحيح السنة، وأي تعارض يكون بسبب قصور فهم البشر لسنن الله الكونية، وعندما يأتي العلم بعد كل هذا الزمان ليقول ان الزلزال عندما يقع فإنه يهدم القواعد أو لا ثم يأتي على بقية البنيان، نقول إن هذا هو ما أكده ربنا عز وجل في سورة النحل إذ يقول: «قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُون».
الكوارث والغضب الإلهي
* لكن لماذا حلّ غضب الله بالزلزال على بلدان هذه المنطقة دون غيرها من البلدان؟، ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟
ـ غضب الله يحل على قوم عندما يبارزون ربهم وخالقهم بالمعاصي، فقد روي عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول: لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعين: الإبهام والتي تليها ، فقلت: يا رَسُول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث. متفق عليه.
والمشكلة أن الغرب الذي يدعي التحضر والتقدم ويزعم أنه يدافع عن حقوق الإنسان، قد استغل الحالة الاقتصادية للكثير من بلدان آسيا وجعلوها أسواقاً لتجارة الرقيق الأبيض، والدعارة، وقد بلغ من جبروتهم أن جعلوا لهم أعواناً في تلك البلدان، ففي تايلاند تنتشر أسواق تجارة الجنس، وخاصة في الأطفال الذين هم دون الثامنة!،
وفي جزر المالديف هناك قرى بأكملها مخصصة للمرأة، وهي مفتوحة للسياح الأجانب الذين يقبلون عليها، ومن ثم فإن هذه البلدان ـ دون غيرها ـ قد أصابها ما أصابها، أما عن توقيت وقوع الزلزال، فإنه في مثل هذا الوقت من كل عام يبدأ الموسم السياحي في هذه البلاد، وما أدراك ما يحدث فيها من إعلان الحرب على الله، بشرب الخمور وانتشار القمار وانتعاش «التجارة الجنسية»، والمتاجرة في الأطفال لاستخدامهم في الرقيق الأبيض.
من علامات الساعة
* هل هناك سبب أو أسباب لزيادة النشاط الزلزالي بصفة عامة في العالم؟
ـ إن النشاط الزلزالي بصفة عامة في العالم هو من علامات الساعة التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رد طبيعي لمبارزة الناس الله بالمعاصي، وهناك محاولات كثيرة من أجل تحقيق إمكانية التنبؤ بحدوث الزلزال، منها ملاحظة مستويات المياه في الآبار وفي البحيرات الداخلية، وملاحظة أسطح الطبقات الظاهرة على سطح الأرض لإدراك أي تحرك في درجات ميولها، ورصد أي غازات غير عادية، مثل: غاز الراديوم الذي يمكن أن يشير تصاعده من المناجم والمحاجر إلى بدء حدوث زلزال.
* لمكة المكرمة خصوصية في قلب كل مسلم، فما هي الخصوصيات الحسية التي أعطاها الله ـ سبحانه وتعالى ـ لمكة المكرمة؟
ـ لابد لنا من توظيف الحقائق العلمية المتاحة حتى نستوعب دلالة الآيات، فيقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في سورة آل عمران: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدَى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ» [آل عمران: 97-96.
ويكاد يكون إجماع الناس على أنه أول بيت عُبد الله ـ تعالى ـ فيه في الأرض، ولكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ حديثا يؤكد على أن الكعبة المشرفة هي أول بيت بُني في هذه الأرض على الإطلاق: (كانت الكعبة خُشعة على الماء فدحيت الأرض من حولها) والخشعة هي الأكمة الصغيرة، ويأتي العلم في قمة من القمم، ليؤكد لنا على أن أرضنا بدأت بمحيط غامر، لم تكن هناك يابسةً، فجَّر الله ـ تعالى ـ قاع هذا المحيط بثورة بركانية ألقت بحممها فوق قاع هذا المحيط، حتى برزت قمة من هذه القمم فوق مستوى الماء،
وكانت هذه القمة أول يابسة تتكون على سطح الأرض، التي تشبه كثيراً من الجزر البركانية التي تملأ محيطات الأرض، مثل: جزر هاواي، جزر اليابان، الفلبين، إندونيسيا، كل هذه جزر بركانية ناتئة من قيعان المحيطات، يقول العلم: من هذه الجزيرة بدأت البراكين تثور، فتضيف إليها، حتى تكونت اليابسة بأكملها ، وإن هذه اليابسة كانت قارة واحدة يسميها العلماء باسم القارة الأم، ثم فتت الله ـ تعالى ـ هذه القارة الأم إلى سبع قارات.
* ما وجه الإعجاز العلمي في سورة الزلزلة؟
ـ سورة الزلزلة تتحدث عن علامة من علامات الآخرة، ومعروف لنا جيداً أن الآخرة لها من القوانين والسنن ما يغاير قوانين وسنن الدنيا، ولكن اللفتة القرآنية المعجزة في تلك السورة نراها في قول الحق تبارك وتعالى: «وأخرجت الأرض أثقالها{، لأنه من الثابت لنا الآن أن كثافة مادة الأرض تتزايد باستمرار من سطحها إلى مركزها، وعندما تثور البراكين وتُلْقِى بحممها إلى سطح الأرض،
فإن المادة المندفعة من فوهة البراكين تزيد كثيراً في كثافتها عن المادة المكونة لسطح الأرض؛ فاللفتة القرآنية المبهرة في أن الأرض ستخرج أثقالها تسبق كل المعارف العلمية الإنسانية في الإشارة إلى تلك الحقيقة التي لم يدركها الإنسان إلا في القرن العشرين، وقد كان بعض المفسرين في القديم يفسرون أثقال الأرض بأجساد الناس وذنوبهم، وهذا المعنى أيضاً قد يكون صحيحاً.
إيقاظ النائمين
* هل يعتبر البحث في التنبؤ بميعاد الزلازل من البحث في الغيبيات؟
ـ الغيب في الإسلام غيبان: غيب مطلق لا يمكن للإنسان ـ مهما أوتي من أسباب الذكاء والفطنة ـ أن يصل إلى معرفة شيء منه، وغيب مؤقت قد يصل الإنسان إلى إدراك شيء منه مع مرور الزمن، والتنبؤ بالزلازل أمر من أمور الغيوب المؤقتة، التي فشل الإنسان حتى الآن في التنبؤ بها تنبؤاً صحيحاً، ولكن لا يُستبعد أن يوفق الإنسان في المستقبل إلى شيء من التقنيات العلمية، التي يمكن أن تعينه على التنبؤ بحدوث الزلازل، وإن كنت أنا شخصياً أستبعد ذلك،
وقد أشرت في الإجابة على سؤال سابق إلى حادثة نجاح الصينيين في التنبؤ بحدوث زلزال في منتصف السبعينات من القرن العشرين، ودعوا علماء الزلازل في العالم إلى مؤتمر عقد في بكين؛ من أجل مناقشة التقنيات التي استخدموها، فشاء الله أن يحدث زلزال في نفس اللحظة التي كان المؤتمرون مجتمعين فيها، وفشل المؤتمر فشلاً ذريعاً.
* ما الواجب على العلماء والدعاة.. في مثل هذه المناسبة؟ وما هي الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها؟
ـ الواجب على كل خطيب أو إمام أو داعية أن يستثمر هذا الحدث الجلل، وأن يحسن توظيفه، في إيقاظ النائمين، وتنبيه الغافلين، وتذكير الناسين، وتحذير العصاة والمجرمين، أما عن الدروس والعبر والعظات التي يمكن أن نخرج بها من هذا الحدث فهي كثيرة ومنها:
1- ان الله سبحانه وتعالى لا يرضى بالفساد ولا الإفساد في الأرض، قال تعالى في سورة البقرة: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصامِص وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْل وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ».
2ـ ان المسلم العاصي لله رغم ما أتاه من نعم ـ أبغض إلى الله تعالى من الكافر العاصي.
3ـ ان الذي لا يعتبر بمثل هذه الأحداث فلن يتعظ بغيرها، قال تعالى في سورة يوسف: «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الْذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدَى ورَحَمَةً لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ»، وقال أيضاً في سورة النور: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِه وينزل مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ، يُقلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَار»..
القاهرة ـ محمد عبد العزيز
من: وكالة الصحافة العربية