لم يعد السجن إصلاحاً وتهذيباً ومكاناً يؤوي مرتكبي الجرائم،بل تحول إلى مدرسة للعلم وطريق إلى الجامعة وتحقيق الأحلام الإنسانية مهما كانت صعبة المنال.
زيارة قامت بها «البيان» إلى لجنة الثانوية العامة الخاصة التي يؤدى فيها أربعة طلاب امتحاناتهم خلف القضبان في السجن المركزي كشفت أن المحن والأزمات تجعل الإنسان يصنع المعجزات والمنجزات التي ربما يعجز عنها كثيرون من الأحرار والطلقاء.
ففي نهاية ممر طويل داخل السجن المركزي في دبي و خلف الأبواب الموصدة جلس أربعة طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة من بينهم واحد في القسم العلمي وثلاثة آخرون في الأدبي ، منهمكون في الإجابة عن أسئلة امتحان ورقة اللغة العربية الأولى.
حيث يقول خليل محمد إن الامتحان كان سهلاً وواضحاً وانتهي من الإجابة عن الأسئلة قبل الوقت المحدد، مشيراً إلى أن السجن اعطاه الدافعية والعزيمة والإصرار لمواصلة الدراسة وتحقيق حلمه في الالتحاق بكلية الهندسة ليكون مهندساً معمارياً.
ويواصل خليل حديثة قائلا: لقد حكم علي بالسجن ثلاث سنوات في قضية تزوير ولكنني لم استسلم للحالة النفسية التي تصيب الكثير من الناس الذين يدخلونه وإنما كان السجن بمثابة الدافع نحو مواصلة الدراسة لذا استطعت أن انتهى من دراسة الصف الثاني الثانوي وخاصة اننى درست خارج السجن حتى الأول الثانوي وبعد نجاحي حرصت على دخول الثانوية العامة، لافتاً إلى أنه استعد للامتحانات بشكل جيد موجها الشكر إلى إدارة السجن المركزي في دبي التي وفرت كافة الاحتياجات اللازمة والأجواء المناسبة للمذاكرة.
كما أحضرت إدارة السجن معلمين لاعطائه دروساً خصوصية حرصا منها على التحصيل المعرفي الجيد والاستعداد التام للامتحان وصولا إلى النجاح وتحقيق الحلم الذي يسعى إليه الطلبة.
وفى اللجنة نفسها يؤدى زملاؤه في القسم الأدبي امتحاناتهم، حيث أشار سعيد المزروعى والذي أدى ستة أشهر من الحكم البالغ ثلاث سنوات انه لو كان خارج السجن لما استطاع إكمال دراسته معتبرا أن وجوده داخل السجن من اجل الدراسة قبل أن يكون تطبيقا لعقوبة مقررة .
وأشار إلى أن تواجده في هذا المكان جدد أحلامه وفتح له الطريق لدخول الجامعة في الوقت الذي كان يفتقد فيه هذا الشيء وتلك الرغبة أثناء وجوده خارج السجن الذي يحرص على إحضار معلمين لإعطائه دروساً خصوصية داخل السجن وشرح المواد التي يصعب فهمها بشكل ذاتي من الكتاب المدرسي.
مؤكدا انه سيستمر في مواصلة دراسته مهما كانت الأسباب وان النجاح والتفوق وحصوله على شهادات علمية خلف الأسوار يخفف عنا الالم ويزيل كل معاناة السجن بل يعتبر ان نجاحه ومواصلة دراسته تعويضا له عما أصابه وخاصة أنه عازم على عدم الوقوع في الأخطاء التي كانت سبباً في الزج به إلى هذا المكان.
أما زميله هيثم إبراهيم فقال: انه وجد ان فترة وجوده في السجن فرصة مهمة لإكمال دراسته فاقتنصها واستفاد منها ومعاناة الأيام التي يقضيها وراء القضبان مشيرا إلى انه حرص على تطوير نفسه والخروج من الحالة النفسية التي كان يعانى منها في البداية واستطاع ان يستذكر دروسه ويستعد للامتحانات بشكل جيد للحصول على أعلى الدرجات .
وأضاف بأنه يحلم بدراسة إدارة الإعمال والعمل في الأعمال الحرة بعد التخرج معتبرا ان تواجده في السجن فتح أمامه الباب لتحقيق ذاته وصولاً إلى ما كان يطمح إليه داعياً إدارة السجن للقضاء على بعض الصعوبات التي تواجه الطلبة الدارسين وخاصة توفير المكان المناسب وإزالة الضغوط النفسية والعصبية التي قد تؤثر عليهم بشكل سلبي لو استسلموا لها مشيرا إلى انه نادم على اخطائه ولن يعود إليها مرة ثانية خاصة انه محكوم بأربع سنوات نتيجة قضية مخدرات.
ويشاركه الرأي زميله عبد الله علي والذي استطاع بعزيمته ان يحصل على الشهادة الإعدادية داخل السجن ويواصل دراسته دون كلل حتى وصل إلى هذه المحطة لاسيما انه محكوم عليه بعشر سنوات.
وأوضح عبدالله انه كان يرغب في الالتحاق بالقسم العلمي ودخول كلية الهندسة إلا ان الجهات المعنية رفضت الموافقة على طلبه مما دفعه إلى الالتحاق بالقسم الأدبي، مؤكدا انه استعد للامتحان بشكل جيد، كما عملت إدارة السجن على توفير معلمين لمساعدتهم في الاستذكار والمساعدة في فهم المواد الصعبة.
وبالرغم من الاستعداد الجيد للامتحان إلا ان هناك شبه إجماع بينهم على طول الورقة الامتحانية واحتوائها على سؤال غير مقرر عليهم بشكل رسمي.
ومن جانبه قال مراقب اللجنة زهير جميل ابوسلطان، ان هؤلاء الطلاب يملكون العزيمة والإرادة ويسعون إلى تحقيق أحلامهم بشكل يفوق نظراءهم الطلقاء بل يعتبرون النجاح ومواصلة الدراسة تخفيفاً للأحكام الصادرة بحقهم، مطالبا الجهات المعنية بتوفير الاحتياجات اللازمة لهم وخاصة المعلمين قبل الامتحانات بفترة كافية لمساعدتهم على الفهم والتحصيل العلمي بشكل جيد خاصة ان هناك العديد من الموضوعات التي تحتاج إلى استيضاح من المعلمين المتخصصين، مشيدا بالتزام الطلاب وتعاونهم الكبير مع المسؤولين عن اللجنة.
أما الملاحظ عبد المجيد علي فقال إننا نأمل ان يتم تهيئة هذه الفئة بشكل جيد نتيجة الظروف المختلفة التي يعيشون فيها مقارنة بزملائهم الآخرين، مشيرا إلى حسن تصرفهم في اللجنة والألتزام بالهدوء والبعد عن التوتر.
وقال الملازم محمد عبدالله العبيدلى رئيس قسم البرامج التعليمية في السجن المركزي بدبي إنه يوجد لدينا 57 طالبا داخل السجن المركزي موزعين على كافة المراحل الدراسية من بينهم أربعة طلاب في الثانوية العامة وحرصت إدارة السجن على تهيئة الأجواء المناسبة لهم لمساعدتهم على المذاكرة، كما تمت مخاطبة وزارة التربية والتعليم ومنطقة دبي التعليمية لتوفير معلمين لهم خلال الفترة المسائية لمساعدتهم على فهم الدروس والتحصيل المعرفي بشكل جيد.
وأفاد بأن القيادة العامة لشرطة دبي رصدت العديد من المكافآت والحوافز للطلبة لتشجيعهم على مواصلة الدراسة إضافة إلى إخضاعهم لبرامج تأهيلية لتطوير أنفسهم وانتشالهم من الحالة النفسية السيئة التي تصيب الكثيرين منهم،.
مؤكدا انه تم رصد مبلغ مالي من قبل القيادة العامة لإحضار معلمين لإعطاء دروس خصوصية للطلاب في إطار حرص شرطة دبي على مساعدتهم لمواصلة مسيرة العلم وألا يكون السجن طريقا لإنهائها وإنما محطة لمواصلة الرحلة بيسر وسهولة في ظل الخدمات العلمية المتعددة التي تقدمها إدارة السجن المركزي للطلاب الراغبين في استكمال دراستهم، لافتا إلى ان الكثير منهم يتمتع بالطموح والإصرار وينجح في التغلب على كل الصعاب ويعتبر فترة السجن فرصة لمواصلة تعليمه.
رمضان العباسي: