كان في السنة الاخيرة من دراسته الجامعية في احد الاقطار العربية، وفي هذا العام بدأ يفكر في الاقتران بابنة إحدى الاسر العربية هناك، حيث كانت تربطه مع والدها علاقة صداقة حميمة، فقد كان من وجهاء البلد، ومن أصحاب الرأي والنفوذ والسمعة الطيبة، ولديه أسرة انشأها على الاخلاق الطيبة، والعادات والتقاليد العربية الراسخة، تردد قليلا في البداية فهي فتاة عربية وليست مواطنة، كان يخشى من معارضة الأهل لزواجه، ظلت الافكار تنازعه، والقلق يراوده من أن تقترن بشاب آخر.

مضت الأيام بسرعة عجيبة وهو ما زال يفكر ويفكر دون الوصول الى حل مجد، خرجت نتائج الجامعة بحصوله على درجة ممتازة، ولم تبق الا أيام قليلة على حفل تخرجه من الجامعة، اصبح حلم تخرجه كابوسا يراوده لانه سيبتعد عنها ولن يراها ثانية، بدأ يستشير اصدقاءه عن حل مجد يخلصه من حيرته وقلقه، الى ان اسدى له أحد الاصدقاء نصيحة غالية، ازالت بعضا من همومه، فقد اقترح عليه ان يصارح والديه بالحقيقة ويشاورهما في الامر، ويضع حدا لقلقه وهاجس رفضهما لزواجه من فتاة ليست مواطنة.

ما ان انهى صديقه الحديث حتى هم مسرعا بمهاتفة والديه ليخبرهما بنجاحه ويستشيرهما في موضوع زواجه من احدى الفتيات العربيات، لكنه فوجئ برد سريع من والديه يفيد بموافقتهما على امنيته، لثقتهما بابنهما وبحسن اختياره. جاء اليوم الذي انتظره بفارغ الصبر ليفرح بتخرجه وزواجه بآن واحد، وبدأت التحضيرات لعودته هو وزوجته الى الدولة، كانت سعادته لا توصف بأن حقق الله له حلمين غاليين.

كانت زوجته في التاسعة عشرة من عمرها وكانت تحمل صفات جليلة واخلاقا فاضلة، يتمناها أي شاب يبحث عن حياة زوجية سعيدة وهانئة، كما انها كانت من اسرة عرف عنها تمسكها بالاخلاق الاسلامية السمحاء، وكان على ثقة بأنها ستكون محل ترحيب من والديه، وانها لن تجد أي مشقة في العيش بأمان وسلام وسعادة.

مر اثنا عشر عاما على زواجهما، كانا فيه نعم الزوجين، تتوج حبهما بانجاب 8 أولاد وبنات، وفي صباح أحد الأيام اعدت كعادتها لزوجها الفطور الصباحي ليتناوله مع الاولاد، وودعته بابتسامتها الصباحية الرقيقة، ولم تكن تعلم بأن هذا اليوم هو آخر يوم سترى به زوجها، وسيكون بداية على النقيض تماما من الايام التي مرت من حياتها،

فبعد مرور عدة ساعات حتى وصلها خبر وفاة زوجها في حادث سير، لم تكد تصدق ماجرى، انهارت قواها، سقطت مغشياً عليها، فقد كان لها نعم الزوج لزوجته، إلا أن ايمانها بقضاء الله وقدره ايقظها من غيبوبتها، ذهبت الى ابنائها وكان اكبرهم لم يتم الحادية عشرة من عمره، احتضنتهم ووعدتهم بأن لا تتخلى عنهم وان تحفظ الامانة التي تركها لها زوجها.

مر فصل جديد من حياتها، أصبحت مسؤولياتها جسيمة فالامانة التي تركت لها ثقيلة، ففي عنقها 8 من الأبناء يحتاجون الى رعاية ، ومصاريف كثيرة لا تقدر على أعبائها. كان هاجسها ان ينعم ابناؤها بحياة كريمة كغيرهم وأن لا يشعروا بأي نقص او يحرموا من شيء مهما كان. بدأت الى جانب المساعدات الاجتماعية التي تقدم للاسرة تعمل في صنع الطعام والحلوى وتقوم ببيعها،

وتواصل الليل مع النهار في سبيل تحقيق حياة كريمة لاسرتها، كانت انسانة مخلصة ومثابرة رفضت الكثير من المغريات والارتباط بازواج آخرين، افنت زهرة عمرها تكد وتعمل من اجل ابنائها الذين ربتهم وعلمتهم افضل تعليم، لم تكن تنتظر منهم أي شيء فقد كانت سعادتها في رؤيتهم أمام عينيها يكبرون ويترعرعون، وينجحون في حياتهم الدراسية والعملية .

مرت الأيام والسنوات وهي تفني عمرها من أجل أبنائها، حتى كبروا، فمنهم من أنهى دراسته الجامعية والتحق بالعمل ومنهم من ما زال على مقاعد الدراسة، لكنهم بدلا من تقبيل يد أمهم التي ضحت لأجلهم وسهرت الليالي الطوال على رعايتهم، بدأوا يسخرون منها ويعايرونها لانها وافدة، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بدأت تتصاعد الأمور وتزداد اهانتهم لها يوما بعد يوم، ويقذفونها بشتى اصناف الاهانة والمذلة يسخرون منها ومن عائلتها، وينعتونها بالوافدة الى ان وصلت الأمور الى حد لا يصدق، فقد بدأ اكبرهم بالنيل منها بلسانه البذيء وبدأ يبطش بها ويغتال أمومتها بضربها، كلما سنحت له الفرصة.

وما كان من الأم إلا أن بدأت تقلب صفحات حزنها ومشقتها، وتضرب بوجه الحائط كل سنوات الشقاء التي أمضتها في رعاية هؤلاء العاقين تتألم نفسيا وجسديا فلم تعد قادرة على تفسير ما يدور حولها، تتجرع الحزن والالم، ويقف عقوق ابنائها غصة في حلقها. بلغت الآن الخمسين من عمرها و تحتاج الى الراحة والى ولد تعتمد عليه في آخر أيام حياتها، فماذا عساها ان تفعل ؟!.

إعداد: فراس العويسي