لم يعد أمام سكان «مدينة بدر» الذين عاشوا فيها لمدة تزيد عن الثلاثين عاماً في جو من المحبة والألفة إلا حزم أمتعتهم والرحيل، فالبلدوزرات المخصصة للهدم والردم ستنطلق في الأول من شهر يوليو المقبل، لتسويها بالأرض وتحولها إلى ركام، ولكنها بالتأكيد لن تمحو ذكريات السنوات الطويلة لمن عاشوا وترعرعوا فيها وأصبحوا اليوم آباء وأجداداً.
محاولات التوسط لهم مع الجهات المعنية للتمديد لهم ولو لمدة ستة أشهر باءت بالفشل، فالكل متمسك برأيه خاصة وأن هناك إقراراً وتعهداً موقعاً عليه من قبل السكان لإخلاء وتسليم الشقق في الثلاثين من شهر يونيو الجاري. شركة ديار المسؤولة عن تطوير مدينة بدر خاطبت الجهات المعنية للبدء بقطع الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء عن المباني المتبقية في نهاية الشهر. ودائرة العقارات في حكومة دبي التي توفر سكنا لذوي الدخل المحدود تقول إنه لا يوجد لديها حاليا ولا شقة خالية ولكنها تتوقع استلام بعض المباني في القصيص مع نهاية العام الجاري.
بين نارين
وأمام هذا الوضع تجد حوالي 300 أسرة من مختلف الجنسيات نفسها بين نارين، الأولى ارتفاع الإيجارات، والثانية عامل الوقت. بعض سكان المدينة استنجدوا في «البيان» لنقل معاناتهم لأصحاب القلوب الرحيمة للتدخل في الأمر وناشدوا المسؤولين في حكومة دبي التمديد لهم ولو لستة أشهر أخرى.
بعضهم إن لم يكن معظمهم من ذوي الدخل المحدود ومداخيلهم السنوية لا تكفي لاستئجار شقة صغيرة تتكون من غرفة وصالة ولا حتى أستوديو وسط المدينة، والرحيل إلى الإمارات المجاورة ليس واردا لدى الكثيرين منهم بسبب ارتباط الآباء بالعمل في دبي وارتباط أبنائهم الذين أبصرت أعينهم النور في مدينة بدر التي أصبحت بالنسبة لهم بمثابة الوطن بأكمله.
الشيخ بهاء الدين خان «مدرس» سكن بدر عندما كان في ريعان الشباب قبل خمسة وعشرين عاما، واليوم له من الأولاد ثمانية يعيشون في شقة يقف حائرا لفراق الأحبة الذين عاش معهم سنوات طويلة، والغد المجهول. يقول: نحن كالسمك في البحر إذا خرجنا من دبي «نموت» فالدخل السنوي لا يكفي لاستئجار غرفة وصالة في دبي والسكن في الإمارات المجاورة لشخص في مثل عمري يعمل بوظيفتين، أمر بالغ الصعوبة خاصة مع الازدحام المروري على مختلف الشوارع التي تربط دبي بالإمارات الشمالية.
ويضيف: الجماعة في شركة ديار المسؤولة عن إدارة وتطوير مدينة بدر تعاونوا معنا ومنحونا فرصة للإخلاء، ولكن المشكلة بان جميع البنايات التابعة لدائرة العقارات في حكومة دبي والمخصصة لذوي الدخل المحدود مسكونة ولا يوجد حاليا أي شقة خالية، وقد وعدونا بان هناك بعض المباني ستكون جاهزة في القصيص في بداية العام المقبل، لذلك كل ما نتمناه أن يتم التمديد لنا ولو لستة أشهر.
ويقول: تقدمنا بعريضة إلى سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة وناشدناه مراعاة ظروفنا ووعدنا خيرا من مكتب سموه، ونأمل أن يتم إيجاد حل للمأزق الذي تمر فيه حوالي300 عائلة، لغاية إيجاد البديل. ويضيف: «كل الأحكام التي تصدر يفترض أن تنفذ، ولكن في حال تعرضت لمواقف طارئة يعاد النظر فيها وهذا ما نتمناه من جميع المسؤولين».
وافقنا على الإخلاء ولكن..
ويقول عبد الغني محمد، يعمل في دبي ويسكن في شقة تتألف من ثلاث غرف: اللجنة القضائية الخاصة بالفصل في المنازعات بين المؤجرين والمستأجرين في بلدية دبي أصدرت قرارا في إبريل من العام الماضي قضت فيه بمنح الطرف الثاني «المستأجرين» مهلة تنتهي في الثلاثين من يونيو الجاري، ووافقنا حينها وقدمنا تعهدا بإخلاء الشقق، ومنذ ذلك التاريخ بدأنا رحلة البحث عن مسكن يتناسب مع إمكانياتنا ودخولنا والتزاماتنا الأخرى للمدارس والمعيشة،
ولكن وجدنا أن الحصول على شقة بالميزانية التي بإمكاننا أن ندفعها كمن يبحث عن سراب، فالإيجارات في الدولة أصبحت تقصم الظهر والبيوت الشعبية أو مساكن لذوي الدخل المحدود باتت من سابع المستحيلات، خاصة وان ارتفاع الإيجارات حول نسبة كبيرة ممن كانوا مستوري الحال إلى فئة الدخل المحدود. ويضيف: نحن فعلا في حيرة من أمرنا الآن، هناك من قاموا بإرسال زوجاتهم وأولادهم إلى بلدانهم وسكنوا مع العزاب، وهناك من هم في أعمارنا يرون بان مثل هذه الخطوة أشبه بالانتحار.
الله أعلم بحالنا
ويقول احمد عراني «موجه لغة عربية وأب لثمانية أولاد ويقيم في مدينة بدر منذ 25 عاماً»: الله وحده اعلم بحالنا وأحوالنا، فقد انقلبت حياتنا رأسا على عقب، وأصبح همنا الوحيد الآن الحصول على سكن نستتر فيه مع عائلاتنا وأطفالنا يتماشى مع إمكانياتنا المادية ودخولنا المحدودة التي لم يطرأ عليها أي تغيير منذ سنوات، ناهيك عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمدارس والبنزين وغيرها.
حكومة دبي تعمل جاهدة على توفير مساكن لذوي الدخول المحدودة ولكن هذه المساكن لم تعد تكفي وقائمة الانتظار على المباني الجديدة بالطوابير، وقد وعدنا عندما وقعنا على إقرار إخلاء الشقق بان هناك عددا من البنايات ستكون جاهزة في منتصف العام الجاري، ولكن حصل هناك تأخير في بعض المشاريع ووعدونا بأنه سيتم استلام بعض المباني في نهاية العام الجاري، أي بعد ستة أشهر، وبالتالي نناشد المسؤولين إمهالنا بعض الوقت لحين الحصول على سكن بديل.
لا رجعة عن الإخلاء
شركة ديار للتطوير العقاري التابعة لبنك دبي الإسلامي والمسؤولة عن إدارة وتطوير مدينة بدر أكدت انه لا رجعة عن قرار الإخلاء الصادر من لجنة الإيجارات القضائية في بلدية دبي في إبريل الماضي، والذي أعطى كافة المستأجرين الباقين في مدينة بدر مهلة تنتهي في الثلاثين من يونيو الجاري. وقال مصدر في الشركة بانها ستقوم بمخاطبة الجهات الرسمية ومنها البلدية وهيئة المياه والكهرباء للبدء في قطع الخدمات عن كافة الشقق في المدينة مع نهاية الشهر، مؤكدا بان أعمال الهدم ستبدأ في بداية يوليو المقبل.
وقال إن الشركة وانطلاقا من تفهمها لأوضاع وظروف القاطنين قامت بإمهالهم فترة كافية تنتهي مع نهاية العام الدراسي بناء على طلبهم آنذاك وتعهدوا بالإخلاء، وعقود الإيجار التي في حوزتهم مكتوب عليها «غير قابلة للتجديد ولا للتمديد» لان هناك قرارا بالهدم من قبل البلدية بسبب انتهاء العمر الافتراضي للمباني.
ومن جانبها أكدت خديجة من دائرة العقارات في حكومة دبي أن جميع المباني المخصصة لذوي الدخل المحدود مشغولة بالكامل، ولا يوجد هناك ولا شقة خالية في الوقت الراهن. وأشارت إلى أن هناك مباني جديدة جار تنفيذها الآن في منطقة القصيص، ولكن لن تكون جاهزة قبل نهاية العام الجاري. وأشارت إلى أن باب التسجيل للحصول على مسكن في هذه المباني سيبدأ خلال الشهرين المقبلين.
دبي ـ عماد عبد الحميد
