قصة هذه السيدة العظيمة هي قصة الأمل والرجاء... الأمل بأن بعد العسر يسراً والرجاء في الله عز وجل فهو العاطي الوهاب المجيب المتفضل الذي يأمرنا بالدعاء ويتكفل لنا بالإجابة فهو القائل وقوله الحق: (ادعوني أستجب لكم)، ويقول سبحانه وتعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه).
وقفت السيدة «حنة بنت فاقود» زوجة عمران تحت ظلال شجرة وارفة الظل تتأمل في ملكوت الله ومخلوقاته، فقد عرف عن هذه السيدة ورعها الشديد وتقواها وكانت من العابدات المؤمنات في عصرها، وقفت تراقب أحد العصافير حيث لاحظت أن العصفور لا يقوى على التحرك وقد ثبت في مكانه كأنه ينتظر حدثا جللا فراقبته.
ووجدت أن العصفورة ترقد على بيضة لها وتنتظرها حتى تفقس وما لبثت البيضة أن أخرجت فرخاً صغيراً جميلاً فصاحت العصافير تغرد وتزقزق في سعادة ومرح، لكن السيدة حنة صاحت في دهشة وألم: « يا ويلتي أعجزت أن يكون لي مثل هذا الفرخ الصغير» وربما يمر هذا المشهد على الأعين كثيرا إلا أن الأمر كان مختلفا بالنسبة للسيدة حنة فقد كانت عاقرا لا تلد وكان زوجها الصالح «عمران» تقياً جليلا يتمنى أن يكون له منها الولد،
وقد أيقظ هذه العصفور حلما مدفونا في صدرها لم تستطع أن تنساه، ولم يفقدها مرور السنوات تحقيق هذا الحلم ولو احتاج تحقيقه إلى معجزة من عند الله سبحانه وتعالى ... وهنا كفكفت السيدة حنة دموعها ونظرت إلى السماء داعية راجية مبتهلة مناجية ربها:
« يا رب امنحني القدرة على أن أنجب ولدا» «اللهم إن رزقتني ولداً لأتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدامه » فما كان من شأن ربنا «سبحانه وتعالى» إلا أن استجاب لها وحقق لها معجزته بعد أن كانت قد كبرت، فما لبثت بعد أيام قليلة إلا وتحرك الجنين في أحشائها وكاد زوجها لا يصدق ما تبشره به زوجته ... فتوجها إلى المنعم بالشكر والامتنان على هذه النعمة العظيمة التي منحهما الله إياها.
وبعدما عاش الزوجان فرحة العطاء والمنح بعد المنع خرج عمران إلى قومه يبشرهم بما أتاه الله إياه وأمرهم بالشكر والصلاة لله الواحد الأحد. ولعلنا هنا نتوقف قليلا أمام عقيدة السيدة حنة التي لم تيأس من رحمة ربها وظلت تدعوه وتطلب منه وترجوه دون كلل أو ملل أو يأس حتى بعد أن وصلت لسن متقدمة وهي لم تكتف بالدعاء والبكاء بل قرنتهما بالعبادة والإخلاص
وليس ذلك فحسب بل بالرجاء في الله عز وجل الذي لا يعجزه أمر ولا راد لأمره ثم توجت ذلك كله بالنذر وعلى الرغم من أن البعض لا يحبذ النذر لأنه عبادة مشروطة والواجب علينا أن نعبد الله بلا شرط أو قيد؛ إلا أن البعض يؤكد أن العبد إذا تمنى شيئا من ربه سبحانه وتعالى وقرن طلبه بالدعاء والرجاء والنذر بما فيه من طاعة ربه فبإذن الله يستجيب الله له ويقضي له حاجته شريطة أن يكون النذر في غير معصية الله عز وجل،
والشرط الثاني أن يتم الإيفاء بالنذر لذلك فالعاقل هو الذي ينذر بالشيء الذي باستطاعته حتى يتأكد من قدرته على الوفاء بما وعد الله به ويدخل في الفئة التي مدحها الله تعالى وبشرها بالجنة ففي سورة الإنسان يقول الله سبحانه وتعالى : (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا، يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شرّه مستطيرا).
وقد نرى البعض ينذر ويبالغ ويظل يدعو ربه ليلا ونهارا حتى تتحقق له أمنية بعينها فإذا ما تحققت؛ نسى النذر، وتوقف عن الدعاء وانشغل عن مناجاة ربه لكن الله سبحانه وتعالى يعلمنا بأن من عرف الله في اليسر، عرفه في العسر وأن من عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة.... وها هي السيدة حنة ظلت على صلة وثيقة بربها، فلم تيأس من رحمة ربها، ولم تتوقف عن مناجاته فاستجاب لها ربها ولم يخذلها.
وشاءت إرادة الله أن يتوفى سيدنا عمران دون أن يسمع صوت وليده ويحمله بين ذراعيه؛ وجاءت لحظة الولادة، وها هي السيدة حنة تخوض التجربة بمفردها دون أن يكون معها زوجها يساندها ويشاركها فرحتها. وهنا يأتي الاختبار الأصعب في حياة تلك السيدة المؤمنة ويأتي المولود أنثى بعد أن حلمت وخططت أن يكون ذلك المولود ذكرا وسوف تهبه لبيت المقدس ؛ وكان أمام السيدة حنة في هذه اللحظة عدة خيارات؛ فإما أن تسخط لحكم ربها حاشى لله وهي السيدة المؤمنة؛
وإما أن تتباطأ في الوفاء بما نذرت به لله سبحانه وتعالى لكنها لم تفعل أيا من ذلك بل فرحت بما رزقها الله وأصرت أن تفي بنذرها لله عز وجل على الرغم من أنها لم تخف دهشتها من أنها أنجبت أنثى وليس ذلك لأنها كانت تفضل الذكور على الإناث؛ بل لأنها خشيت من أن لا تفي بنذرها في حالة كان المولود أنثى؛
وقد حكى لنا القرآن الكريم قصة هذه السيدة العظيمة في سورة اختار لها الله سبحانه وتعالى اسما كرم فيه هذه الأم المؤمنة فسماها سورة «آل عمران» أي أهل عمران وزوجته تكريما لها ولإيمانها وثباتها فيتحدث عنها في الآية الخامسة والثلاثين (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني انك أنت السميع العليم *فلما وضعتها قالت رب اني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى واني سميتها مريم واني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم).
وهنا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إلا مريم وابنها) وما هذه البركة إلا بدعاء الأم المؤمنة السيدة حنة التي دعت لابنتها وذريتها.
ونجد أمام إخلاص هذه السيدة المؤمنة قبولا من الله عز وجل فيقول جل من قائل «فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا». ويحدثنا المؤرخون أن السيدة حنة بمجرد أن تعافت من ولادتها أسرعت لتلبية نذرها الذي وعدت به فيقال انها لفّت ابنتها بخرقة أي بقطعة قماش وحملتها إلى المسجد الأقصى ووضعتها بين أيدي الأحبار لتوفي بنذرها وتستمر في طاعة ربها ولاشك أن السيدة حنة هي نموذج ونبراس لكل إنسان مؤمن فهي الداعية الراجية لرحمة ربها وعطائه وهي الراضية بحكم الله وقضائه وهي الوفية بنذرها المخلصة لربها،
وأم مريم الصديقة لم تهدف من خلال نذر ابنتها إلى مجد شخصي أو مباهاة لعمق العلاقة بربها، بل إن نذرها بهدف أن تكون ابنتها في خدمة دين الله وبيته حيث تعبد ربها وتعلم الناس الكتاب والأخلاق ومن أهدافها كذلك أنها كانت تطمح إلى أن يتقبل الله نذرها.
ومما لاشك فيه أن هناك حكمة عظيمة من وراء جعل مولود السيدة حنة بنتا بدلا من ولد وهناك حكمة أيضاً من تسمية السورة الثانية في ترتيب المصحف الشريف باسم آل عمران وهناك حكمة أيضا من تسمية السورة التي تليها باسم النساء. هذه الحكمة هي تكريم الله للمرأة الصالحة وتخليد ذكراها إلى يوم الدين، لذلك جعل الله سبحانه وتعالى تربية البنات حجابا من النار وقال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم« خير أولادكم البنات» وبشر من كان أول أولادها بنتا وقد كانت السيدة فاطمة هي قرة عين والدها وما رآها قط إلا وقبلها من جبينها.
ولكن علينا أن نذكر أن البنت الصالحة هي قرة عين أبويها وهى بشراهم بالجنة شريطة أن تكون لها القدوة الحسنة من أمهات المؤمنات والنساء الصالحات فالابنة التي تقرأ القرآن ليست كتلك التي تضيع وقتها في سماع الأغاني، ومن تتحدث بأحاديث الأخلاق والإيمان، تختلف عمن لا قدرة لها على مغادرة مجالس النميمة والتهريج، والتي ترتدي الحجاب الساتر الجميل ليست كغيرها من الأخريات.
جيهان محمود