قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة.«أيها الملك إن الله بعث فينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته». وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم وكذلك أبو سفيان ـ صخر بن حرب ـ لملك الروم هرقل حين سأله وأصحابه عن صفات النبي (صلى الله عليه وسلم) ونسبه وصدقه وأمانته وكانوا بعد كفاراً لم يسلموا ومع هذا لم يمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك.

ويقول تعالى. (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون)[المؤمنون:69.

وجاء في الحديث: «إن أول ما ابتديء به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من النبوة حين أراد الله به كرامته ورحمة العباد به (الرؤيا الصادقة) فجاءه الملك فقال اقرأ، قال ما أنا بقارئ.. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال زملوني.. زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ثم قالت له خديجة: كلا أبشر لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق...».

قال النووي: قال العلماء. معنى كلام خديجة ـ رضي الله عنها أنك لا يصلك مكروه لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وكرم الشمائل، وذكرت ضروباً من ذلك وهذا دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة تطرأ.

أول ما نطقت به السيدة خديجة (رضي الله عنها) وهي ترد على تساؤله صلى الله عليه وسلم الذي بدا فيه من الإشفاق على مستقبل دعوته تستبعد ما عسى أن يكون قد خطر في خواطره كلها، لن يقع لك ما تتخوفه على نفسك الزكية العلية من ضعف عن تحمل أعباء ما شرفك الله به من رسالة الخلود فلن يخزيك الله أبداً ولن يحزن قلبك العظيم

لأن فيك من خصال الجبلة الكمالية ومحاسن الأخلاق الرضية وفضائل الشيم المرضية وأشرف الشمائل العلية ما يضمن لك الفوز ويحقق لك الفلاح فأنت وصول للرحم، وصلة الرحم فضيلة إنسانية من أفضل وأشرف الفضائل الاجتماعية التي تربط الأفراد والأسر بوشائج الود والإخاء تقرب البعيد وتدني القصي وترد الشارد وتغسل الأحقاد وتزرع المودات

وتتجلى هذه الفضيلة الإنسانية في حسن المعاملة وإحسان العشرة ومشاركة البر ومواساة الإحسان كذلك كانت هذه الفضيلة الاجتماعية مغروسة في أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم تجلت آثارها واضحة في حياته قبل نبوته فأحبه قومه وأخلصوا الود له ولقد جاء التنويه بشأن هذه المكرمة من أصول مكارم الأخلاق لموضعها من سجايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم في قوله تعالى:

(قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) [الشوري:23.

فقد جعلت الآية الكريمة المودة في القربى وصلة الرحم أقصى ما يطلبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أجراً ومكافأة من قومه على ما جاءهم به من هدى وخير فهو لا يسألهم مالاً يرزؤهم به ولكنه يطلب إليهم أن يوادوه ويصلوا رحمه بأرحامهم.

يقول الإمام ابن كثير: «أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالا تعطونيه وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة».

وقد نهى الإسلام عن قطيعة الرحم وشدد النكير عليها وجعل لها عقوبة تناسب قطع الروابط والإفساد بين الأرحام ومن هذه العقوبة أنه لا يشم رائحة الجنة قاطع رحم، لأنه ينتج عن قطيعة الرحم الفساد في الأرض التي تتقطع به حبال المودات والتآخي الإنساني مما تتولد عنه الضغائن والأحقاد وسفك الدماء.

قال الله تعالى. (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام..) الآية [النساء:1

قال ابن عباس: يقول الله تعالى: (صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا وخير لكم في آخرتكم).

وعن عكرمة في قوله: (والأرحام) قال: اتقوا الأرحام وأن تقطعوها.

وقال تعالى. (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل..) [الرعد: 21.

أي صلة الأرحام والإحسان إليهم وإلى الفقراء والمحتاجين وبذل المعروف

وقال تعالى. (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) [محمد: 22-32.

في الآية نهي عن الإفساد في الأرض عموماً وعن قطع الأرحام خصوصاً، بل قد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الرحم.

وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«إن الله خلق الرحم حتى إذا فرغ من خلقه قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذين من القطيعة قال: نعم ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت بلى قال: فهو لك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اقرأوا إن شئتم. (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم).

ويقول القاضي عياض: الرحم التي توصل وتقطع وتبتر إنما هي معنى من المعاني ليست بجسم وإنما هي قرابة ونسب تجمعه رحم والده ويتصل بعضه ببعض فسمي ذلك الاتصال رحماً) والمعنى لا يتأتى منه القيام ولا الكلام فيكون ذكر قيامها وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب في الاستعمال والمراد تعظيم شأنها، وفضيلة واصليها وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم لهذا سمي العقوق قطعاً والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل والعائذ هو المستعيذ وهو المعتصم بالشيء الملتجئ إليه المستجير به.

قال العلماء: وحقيقة الصلة العطف والرحمة فصلة الله سبحانه وتعالى عبارة عن لطفه بهم ورحمته وطاعته. قال القاضي عياض: ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة».

وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه «أرحامكم.. أرحامكم».

وعن أبي بكرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا وما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون».

وعن أنس رضي الله عنه إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه».

قال النووي: وينسأ في أثره (أجله) إن هذه الزيادة لها عدة معان البركة في عمره والتوفيق للطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانتها عن الضياع وغير ذلك. إنه بالنسبة لما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون وقد علم الله ما سيقع له من ذلك وهو (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) فيه النسبة إلى علم الله وما سبق قدره أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت حكاه القاضي عياض قال النووي وهو ضعيف أو باطل.

وقال ابن حجر: قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) والجمع بينهما من وجهين:

الوجه الأول: أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه وغير ذلك وحاصله أن صلة الرحم تكون سبباً للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العمل الذي ينتفع به من بعده والصدقة الجارية والخلف الصالح.

الوجه الثاني: أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم المَلَك الموكل بالعمر وأما الوجه الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى كان يقال لمَلَك مثلاً: إن عمر فلان مئة مثلاً إن وصل رحمه وستون إن قطعها وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر والذي في علم المَلَك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص وإليه الإشارة بقوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله فلا محو فيه البتة ويقال له القضاء المبرم ويقال للأول القضاء المعلق، والوجه الأول أليق بلفظ الحديث.

وعن قيس بن أبي حازم أن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) ـ جهاراً غير سر ـ يقول «إن آل أبي - قال عمرو في كتاب محمد بن جعفر بياض - ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين ـ زاد عنبسة بن عبد الواحد عن بيان عن قيس عن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول. «ولكن لهم رحما أبلها ببلالها» يعني أصلها بصلتها.

قال ابن حجر. ويستفاد من هذا أن الرحم المأمور بصلتها والمتوعد على قطعها هي التي شرع لها ذلك فأما من أمر بقطعه من أجل الدين فيستثنى من ذلك ولا يلحق بالوعيد من قطعه لأنه قطع من أمر الله بقطعه لكن لو وصلوا بما يباح من أمر الدنيا لكان فضلاً كما دعا صلى الله عليه وسلم لقريش بعد أن كانوا كذبوه فدعا عليهم بالقحط ثم استشفعوا به فرق لهم لما سألوه برحمهم ودعا لهم.

وهذا الحديث دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي اهتماماً بالغاً لكل من له صلة به من طرف النسب وهذا من كمال وفائه وشفقته عليه الصلاة والسلام. وعن موسى بن طلحة أن أبا أيوب الأنصاري أخبره أن أعرابياً عرض للنبي (صلى الله عليه وسلم) فأخذ بزمام ناقته فقال يا رسول الله أخبرني بأمر يدخلني الجنة وينجيني من النار قال: فنظر إلى وجوه أصحابه وكف عن ناقته وقال: لقد وفق أو هدي، لا تشرك بالله شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم دع الناقة.

وقطيعة الرحم تسبب غضب الله عز وجل وتوغر الصدور وتقطع وشائج المودة والمحبة بين الناس لهذا كان قاطع الرحم أشقى الناس وأقلهم بركة وتوفيقاً. عن عائشة رضي الله عنها قالت. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم). «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله». وعن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

قال الله تعالى: «أنا الرحيم خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته». وإن عقوبة قاطع الرحم لا تقف عند الحرمان من الجنة إنما يلمس صاحبها العقوبة في الدنيا حيث يعجلها الله عز وجل فيرى التعاسة والشقاء والمقت كما يكون ممقوتاً من قبل الناس وبالتالي يكون أهون الناس وأشقاهم.

عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم».

وصلة الأرحام تتحقق عندما يكون الواصل مستمراً في صلته سواء كوفيء عليها أم لا ؟ وسواء وجد مثل معاملته أم لا لذلك أوضح عليه الصلاة والسلام هذا المعنى فقال في الحديث: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».

بقلم: رجاء علي