«آباء هذا الزمن جنت عليهم التربية الحديثة فتجاوزوا مسافات الهيبة والاحترام بينهم وبين أبنائهم»
قال الشيخ: إذا كان بر الوالد وطاعته عزيمة من العزائم التي أمر بها الله ورسوله وسلفه الصالح، فإن في زماننا من الأفخاخ والكوارث والمغريات التي تنهال على أولادنا من كل صوب ما يصبح معه بر الوالد وطاعته أكثر إلحاحاً لحماية الولد من المطبات أكثر من الاعتراف بالجميل والعرفان.
والأب بطبعه وفطرته معطاء لا يحسب في عطائه ولا ينتظر من ابنه رداً أو مقابلاً، فسبحان من فطر الرجال على العطاء والبذل وفطر الأبناء على الأخذ والتناول، وقد قال غوته: ليس ثمة إلا الأب من لا يحسد ابنه على موهبته.
وقال أحد العرب: إن الأب هو الوحيد الذي يفرح لنجاح ابنه نجاحاً يفوق نجاحه، وآباؤنا كانوا خيراً منا نحن آباء هذا الزمن ذلك أنهم كانوا كما يقال ـ من آخر الرجال المحترمين ـ فقد كانوا أهلاً لأن يكونوا مربين بالفعل من حيث أنهم قدوات تحتذى، فهم كانوا أصحاب تعلم وفهم، أو أصحاب إدراك وخبرات، وقد بنوا ما نهدمه اليوم، وجمعوا ما نبدده اليوم، وقد نشعر بعظمتهم وهيبتهم حتى تكاد لا نستطيع رفع رؤوسنا أمامهم أو النظر في عيونهم عندما نحدثهم.
أما آباء هذا الزمن فقد جنت عليهم التربية الحديثة وخزعبلاتها فتجاوزوا مسافات الهيبة والاحترام بينهم وبين أبنائهم، حتى لم يعد للأبناء كبير يحترمونه ويطيعونه ويهتدون برأيه ومشورته، وإننا اليوم نرى آباء يعاملهم أبناؤهم بنوع من ـ رفع الكلفة ـ وعدم الاحترام مما تشيب له الرؤوس، ولا أعرف لمصلحة من خلت حياة أولادنا من القدوات الحسنة من آباء وأمهات،
ومدرسين وأساتذة علم وشيوخ في المساجد، في حين يقدم المجتمع كل يوم نماذج للاحتذاء والاقتداء يجمعون ألواناً من العيوب والنواقص والفواجع عن طريق ما يسمى بوسائل الإعلام والاتصال، حتى أصبح أولادنا يفرون من مجالسنا، فهم في هرج ومرج ولعب ولهو لن يتركهم إلا بعد أن يقضي على براعم النخوة والرجولة والمسؤولية فيهم.
أولاد معظمنا اليوم يكلمون آباءهم كما يكلمون أصدقاءهم ورفاقهم، وأكثرهم يندلق على أبيه، وقد يعاركه ويصارعه فيهزم أو يهزم مما لا يترك للأب هيبة أو وقاراً وقد قال من قال في هذا:
إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
وما من كلمة أثقل على نفسي وقلبي من كلمة من يقول: أن الزمان قد تغير والأجيال تغيرت وأطفال وأولاد اليوم غير أطفال وأولاد الأمس، صحيح أن الدنيا قد تغيرت ولكنها تغيرت نحو الأسوأ والأضر والأخطر.
فإذا كان الأب قد فطر على العطاء والولد قد فطر على الأخذ، فإن غاية ما يطمح أن يقدمه الأب هو التربية الصالحة والتعليم القويم مع ما يكفي من متاع الدنيا ولا يغر ولا يطمع، أما الولد فآخر ما ينتظر من أبيه أن يأخذ عنه التربية والعلم والقدوة في حين أن أول ما يفكر فيه هو متاع الدنيا بألوانه وأشكاله.
وفيما يخص متاع الدنيا فإني أذكر مقولة لقائل لا يحضرني اسمه الآن: حين يعطي الأب ابنه يفرح الأب والابن معاً وحين يعطي الابن أباه يبكي الاثنان. الأب ـ كما يقال في مثل انجليزي ـ صاحب مصرف أو بنك تمنحه الطبيعة، ونحن نقول أنه مفطور من قبل رب العزة على العطاء دون انتظار مقابل. وقد قال جان جاك روسو عن الأب: أب واحد خير من عشرة معلمين،
فما بال الآباء اليوم قد ألقوا عن عاتقهم واجب التربية والتعليم واكتفوا بأن يكونوا جباة أموال أو ممن يقتلون أوقاتهم في المقاهي والملاهي، تاركين التربية والتعليم للمعلمين بعد ان أصبح معظمهم مسوخاً لا يزنون ريشة في ميزان يزن بينهم وبين أوائل المعلمين. إن الأسد يزأر ولكنه لا يلتهم صغيره، والأب قد يغضب ويعاقب حباً لا كرهاً، وأملاً في إصلاح وفلاح ابنه لا زهداً به، وقد قال ميناندر: إن الأب الأكثر قسوة في توبيخاته قاس في أقواله لكنه أب في أفعاله.
قال الشيخ بعد أن أغرورقت عيناه بالدموع: رحمك الله يا والدي، ورحم الله أياماً كنت توبخني فيها لا تريد من ذلك إلا دفعي نحو الأمام وحمايتي من المخاطر. وقد سئلت يوماً لو أنك عدت في حياتك ثلاثين أو أربعين عاماً فماذا كنت ستغير في حياتكم فقلت: كنت قد نزلت عن رغبة والدي وأطعته في أوامره ونواهيه، فقد ثبت لي أنه كان يرى رحمه الله ما لم أره تلك الأيام، ولو فزت بثواب بره وطاعته لكفى، ولكننا كما يبدو وكما يقول مثل هندي: نعرف قيمة الملح عندما نفتقده وقيمة الأب بعد وفاته.
بقلم : ماهر سقا أميني