استيقظ أهالي منطقة الصجعة بالشارقة أمس على سحابة سوداء حجبت عنهم ضوء الشمس طوال يوم أمس نتيجة اشتعال كميات كبيرة من الاطارات المستعملة تقدر بحوالي مليوني اطار في مكب النفايات بمنطقة الصجعة التابع لبلدية الشارقة.

وقد بدأ الاشتعال الساعة الثانية من بعد منتصف ليلة الأمس واستمر الدخان الأسود طوال اليوم، حيث اشرف على عمليات الاطفاء في موضع الحدث سالم العويس رئيس المجلس البلدي لمدينة الشارقة وعبدالله سلمان العامري مدير عام بلدية الشارقة، وبطي بن خادم مساعد المدير العام للموارد البشرية والشؤون المالية والإدارية وسلطان عبيد بن شنة الكتبي نائب رئيس المجلس البلدي في البطحاء، وعبدالله النابودة رئيس قسم النفايات الصلبة في بلدية الشارقة.

وشارك في عمليات أطفاء الحريق الذي استمر حتى ساعة متأخرة من مساء أمس ثلاث فرق من إدارة الدفاع المدني بالشارقة وعدد من سيارات الدفاع المدني من كل من إمارتي دبي وعجمان، كما سخرت بلدية الشارقة كل معداتها الثقيلة والسيارات الكبيرة للمساعدة في عمليات الإطفاء والسيطرة على النيران.

بلدية الشارقة تعتذر

وقد اعتذرت بلدية مدينة الشارقة للمواطنين والمقيمين الذين تضرروا من جراء الحريق الذي نشب في مكب النفايات أمس لأسباب خارجة عن الإرادة وتوجهت بالاعتذار لكل المتضررين بسبب الروائح والأدخنة والغازات التي أدت إلى تلوث جزئي في الجو تسعى البلدية جاهدة إلى الحد منه.

وأكد سالم العويس رئيس المجلس البلدي لمدينة الشارقة انه تم مؤخرا ابرام العديد من الاتفاقيات مع شركات ألمانية متخصصة لانشاء مصانع متطورة لتدوير نفايات المنازل ونفايات مخلفات المباني والاطارات باتباع الطرق العلمية الصحيحة التي تحافظ على البيئة وتقي المواطنين والمقيمين من أي تسربات غازية.

وأشار إلى ان البلدية اتخذت الاجراءات الوقائية اللازمة لمنع تكرار ما حدث بالامس وذلك بتكليف الشركة المصنعة حماية مكب النفايات واستخدام مواد متطورة لرش النفايات ومنع الانبعاثات السامة.

وتوجهت بلدية الشارقة بالشكر والتقدير إلى قوى الدفاع المدني في كل من الشارقة ودبي وعجمان على ما بذلته من جهود جبارة لاخماد الحريق وتقديم كل الدعم اللازم.

الأمر طبيعي!

ومن جانبه أوضح المهندس عبدالله سلمان العامري مدير عام بلدية الشارقة لـ «البيان» ان هذا الأمر يعتبر من الأمور العادية التي تحدث في مكبات النفايات من خلال تفاعل المواد الكيماوية مع حرارة الطقس، ولكن ليس بهذا الحجم من الحرائق، والتي اجهزت على حوالي مليوني اطار مستعمل يرجع تاريخها إلى أكثر من 25 عاما.

وأشار العامري الذي كان متواجدا طوال فترة الحريق في موقع الحادث إلى ان بلدية الشارقة لديه مصنع صغيرا للتخلص من هذه الاطارات ولكن بعد ان تقطع.

وان هذه الكمية التي احترقت كانت سيتم تقطيعها ومن ثم التخلص منها بطريقة امنة، ولكننا فوجئنا بهذا الحريق الذي نشب في الثانية من بعد منتصف الليل، حيث سخرنا كافة جهود البلدية من عمال ومعدات للمساعدة في اطفاء هذا الحريق الهائل، والحيلولة دون امتداد النيران إلى المناطق المجاورة.

ومن جهته اشاد بطي بن خادم مساعد المدير العام للموارد البشرية والشؤون المالية والإدارية بالجهود المتميزة التي بذلها أفراد الدفاع المدني من كل من الشارقة ودبي وعجمان، وأيضا أفراد بلدية الشارقة، حيث وصل عدد السيارات المستخدمة في اطفاء الحريق أكثر من 100 سيارة وآلية وأوضح ان البلدية سوف تتخذ بعض الاجراءات المشددة للحيلولة دون حدوث مثل هذا الحريق في المستقبل.

واكد بطي بن خادم انه ليس هناك أي خسائر بشرية او مادية مشيرا إلى أن ذلك يعود إلى الجهود الكبيرة من قبل الذين شاركوا في اخماد الحريق الذي تم السيطرة عليه بسرعة بفضل المادة الرغوية التي استعملتها قوات ادارة الدفاع المدني.

كارثة بيئية كبيرة

ووصف المواطن واكد علي من سكان الذيد الحريق بانه كارثة بيئية كبيرة مشيرا إلى اتساع مساحة السحابة السوداء التي شهدها في السابعة وخمسة واربعون دقيقة وهو في طريقه إلى مقر عمله قادما من مدينة الذيد، وقال ان الحريق من الوهلة الاولى بالغ الضخامة وبالتحديد بالقرب من مدخل مكب النفايات التابع لبلدية مدينة الشارقة حيث رأيت جموع من سيارات الاسعاف والمطافي وسيارات البلدية تتجه إلى مكان الحريق لتحاول السيطرة عليها.

ومن جانبه أوضح عبدالله ابراهيم محمد ان السنة النيران كانت مرتفعة والدخان الأسود الممزوج مع الدخان الأبيض الخفيف غطى المنطقة وكان يشاهد من على بعد كبير من مكان الحريق حيث وصل هذا الدخان الى اطراف مدينة دبي، حتى ظن البعض ان الحريق في دبي وليس في الشارقة.

أما راشد محمد من سكان منطقة الصجعة فقد أكد ان الحريق من منطقة مكب النفايات التابع لبلدية مدينة الشارقة، مما نجم عنه كميات كبيرة من الدخان الذي اثر سلبيا على السكان والمقيمين بجوار هذه المنطقة.

مخاطر بيئية

وفي وزارة البيئة والمياه.. قال مصدر مسؤول إن الوزارة قامت بالاستفسار عن ما حدث من بلدية الشارقة فأفادت بأن الحريق الذي حدث ليس بفعل فاعل وإنما ما حدث كان نتيجة رمي مواد كيماوية تحملها حاويات القمامة على الإطارات وبتفاعلها بسبب الحرارة حدث الحريق الساعة الثانية عشرة والنصف ليلا وحضرت سيارة واحدة للدفاع المدني فلم تستطع السيطرة على النيران، وانتشر الحريق في جميع الإطارات.

ويرى المهندس أحمد الجناحي مدير إدارة الثروة السمكية في وزارة البيئة والمياه واحد المهتمين بحماية البيئة أن حرق الإطارات لابد أن يتم بطريقة علمية ومن خلال مصانع مهيأة لهذا الغرض. وقال ان الإطارات يعاد تصنيعها واستخدامها مرة أخرى في الإنشاءات. وقال ان المصانع المخصصة لذلك بها فلاتر ومرشحات تمنع التلوث البيئي أو تصاعد الأبخرة السامة منها وتأثيرها السلبي على الإنسان والبيئة.

وأضاف أن البلديات تفرض شروط السلامة على المصانع وإلزامها بتركيب الفلاتر والرقابة عليها.

وقال الجناحي أن حرق الإطارات يترتب عليه مخاطر بيئية كبيرة ومن الالتزامات البيئية أن تتواجد هذه المصانع في مناطق بعيدة عن التجمعات السكنية، ودعا إلى عدم رميها في البحار أو في التربة، بما يؤثر على الزراعة وعلى الثروة السمكية والبحرية الأخرى.

أمراض خطيرة

أما الدكتور بسام محبوب نائب المدير الفني في مستشفى البراحة واختصاصي الأمراض الصدرية والحساسية فقد أشار إلى أن الغازات الناتجة عن الحرائق والتلوث البيئي تسبب نوعا من التهيج للقنوات التنفسية لدى الأشخاص العاديين في حال استنشاقهم للغازات المنبعثة عنها ، وتسبب تهيجا للشعب والقصبات الهوائية للأشخاص الذين يعانون من الحساسية أو الربو .

وقال ان الغازات التي تتنتج عن الحرائق تحتوي على غازي أول وثاني اوكسيد الكربون وهما من الغازات المضرة المعروفة لأنها ذات درجة سُمّية عالية . وقال ان الأشخاص الذين يتعرضون لشكل دائم لاستنشاق مثل هذه الغازات غالبا ما تتطور لديهم مشاكل الجهاز التنفسي وهو ما قد يؤدي إلى الإصابة بمرض الربو مستقبلا.

وأشار إلى أن هذه الغازات لا تتبخر في الهواء بسهولة بل انها تتجمع في مستويات محددة من الغلاف الجوي ويستنشقها الناس وبالتالي ، فهي تؤثر على الجميع من الرضيع إلى الشيخ الطاعن في السن، وآثارها وخيمة على البيئة والصحة العامة .

وأوضح أن الأطفال هم أكثر الفئات العمرية إصابة بمرض الربو وخاصة الذين لا تتجاوز أعمارهم ست سنوات وينتشر بصورة واسعة بين الفئة العمرية التي تتراوح بين 13 ـ 16 عاما، وأشار إلى خطورة هذا المرض خصوصا إذا كان من النوع المزمن حيث من الممكن أن يؤدي إلى الموت ما لم يتم علاجه مباشرة بصورة سليمة.

وأوضح أن التلوث البيئي لا يعتبر المسبب الرئيس لمرض الربو وإنما يعتبر من المهيجات التي قد تؤدي إلى التهاب مزمن يصيب الجهاز التنفسي ويؤدي إلى إثارة الحساسية فيتقلص ويضيق مجرى التنفس والذي ينتج عنه الكحة والبلغم وخروج الدم وضيق التنفس وأزيز وثقل على الصدر.

ونصح الصايغ الدكتور بسام محبوب الابتعاد عن الأماكن التي يكثر فيها الغبار المتطاير والغازات الضارة التي تحتوي على أول وثاني اوكسيد الكربون وعدم الخروج من المنزل في حال هبوب الرياح وإحكام إغلاق النوافذ والأبواب لتجنب استنشاق الهواء الملوث ومع دخول الغبار وخاصة بالنسبة للأطفال الصغار.

وفي نفس السياق يقول الدكتور فيصل محمود عبد الله اختصاصي الأمراض الصدرية ان مرض الربو يعتبر من الأمراض المنتشرة بكثرة في الإمارات وغالبا لدى الأطفال وطلاب المدارس .

مشيرا إلى أن هناك عوامل تساعد على انتشاره منها ازدياد نسبة البروتين المناعي (إي) عند بعض الأفراد أما الأسباب البيئية فإنها مهمة لتقرير ما إذا كان هذا الشخص سوف يتحول إلى مريض (ربو) أم لا ، ومن هذه العوامل تدخين الأم، والتعرض لكم كبير من المحسسات، الإصابات الفيروسية في القصبات والتشعيبات الهوائية والتلوث البيئي وتغير أسلوب الحياة العصرية.

وأوضح أن مرض «الربو» غالباً ما يتوافق مع حدوث الأكزيما في الوجه أو في أي مكان آخر في الجسم، والأطفال ما قبل دخول المدرسة وفي المرحلة الابتدائية في الدراسة والمراهقين عند حدوث التغيرات الهرمونية والبالغين ومتوسطي العمر (الحمل عند سيدات يساعد أحياناً في ظهور أعراض (الربو) عند من لديهن الاستعداد لذلك) وكبار السن، وهنا يجب التفريق بين (الربو) والتهاب القصبات الهوائية المزمن وانتفاخ الرئة، حيث أن أياً من هذه الأمراض قد يترافق مع (الربو).

وقال ان أعراض المرض تظهر إما تلقائياً أو بالتعرض لأحد المحسسات أو داخل المنزل (دخان، روائح بخور، زغب، شعر الحيوانات المنزلية وغيرها) أو خارج المنزل (الرطوبة الزائدة أو التلوث البيئي والدخان الناجم عن الحرائق ) كما تظهر الأعراض بعد ممارسة بعض أنواع الرياضة، في أحد فصول السنة، ذات العلاقة ببعض الوظائف المهنية، بحدوث التهابات فيروسية أو بكتيرية في الممرات التنفسية العليا أو بعض أنواع الأدوية، إضافة إلى الضغوط العصبية والانفعالات العاطفية، والأطعمة المضافة للون أو للطعم، تغييرات الطقس، وغيرها .

وقال ان المظاهر السريرية لاستنشاق الغازات المنبعثة عن الحرائق أو البخور والأدخنة تتمثل في صعوبة في التنفس قد يصل إلى حالة الإحساس بالاختناق في الحالات الحادة مع صفير مسموع في الصدر ناتج عن ضيق الممرات التنفسية، وسعال متقطع أو مستمر، وكثيراً ما يستيقظ الشخص في ساعات الصباح الأولى على سعال شديد أو ضيق في التنفس وبلغم يكون غالباً أبيض إلا إذا حدث التهاب جرثومي يصيب القصبات الهوائية عندها يتغير اللون.

طرق علمية

من جهته أكد الدكتور سيف سالم القايدي أستاذ الجغرافيا الاقتصادية المشارك بجامعة الإمارات والذي أجرى دراسات مختلفة حول الموضوع أن مشكلة مخلفات الإطارات تعتبر مشكلة عالمية ولا تقتصر على دولة الإمارات العربية المتحدة فقط أو دولة معينة، وأشار إلى أن بعض الدول المتقدمة استطاعت أن تسخر التكنولوجيا الحديثة في عملية الاستفادة من مخلفات الإطارات.

وعن التخلص عن الإطارات بالحرق أكد القايدي أنها تسبب أضرارا بيئية لا تقتصر على الإنسان فحسب بل تمتد إلى جميع الكائنات التي تشارك الإنسان على الكرة الأرضية.

وأبدى تعجبه من وجود البرامج العمرانية الهائلة التي تشهدها الدولة في الوقت الذي لم يوفق فيه الخبراء في إيجاد آليات حديثة للتعامل مع مخلفات هذه التكنولوجيات فلدينا العديد من شبكات النقل المتطورة التي تتطلب نوعية معينة من المركبات وبسرعات متباينة مما يؤدي إلى استهلاك المزيد من الإطارات مما يعني تكدس المخلفات منها.

وأضاف ان هذا التكدس غير المستفاد منها سيشكل مشكلة مثل كرة الثلج التي تزيد ولا تنقص. بينما الوسائل المتاحة لدينا للتخلص منه مازالت بدائية وتحتاج إلى مزيد من الجهود في هذا الجانب للاستفادة منها، ومن هذه الطرق التي تمكننا من الاستفادة من مخلفات الإطارات عملية الفرم أي تحويلها إلى قطع صغيرة وبالتالي إمكانية استخدامها في عمليات رصف الطرق أو عمل أرضيات الملاعب الرياضية بجميع أنواعها.

وهنا نكون وجدنا بدائل يستفاد منها غير الحرق الذي يعمل على تطاير أجزاء منها في الجو لينتهي بها المطاف على أوراق الشجر وتأتي الحيوانات وتتغذى عليها لتصاب بالتسمم، أضف إلى ذلك أنها تعمل على تكون السحب بما تؤثر على الرؤية في المناطق القريبة من شبكات النقل البري.

وأضاف الدكتور القايدي نحن لدينا تجارب سابقة في دبي وباقي الإمارات حول عملية الاستفادة من المخلفات الصلبة وهي ناجحة فلماذا لا يتم تطبيق مثل هذه التجارب على مخلفات الإطارات.

متابعة: «قسم المحليات»