الثانوية العامة.. حصاد موسمي يثير في نفوس الكثيرين من أبنائنا المشاعر وان تنوعت واختلف إيقاعها ورنين أصواتها باختلاف طبيعة الفرد المستقبل وطبيعة الموجات التي يستقبلها، فمنهم من كان هوائي الإرسال لديه متوافقا مع تردد هذه الموجات، فكان صوت المحطة واضحا نقيا، ومنهم من لم يحالفه الحظ في تحديد التردد المناسب فتشوشت عملية الاستقبال.
. هذا بإيجاز حال طلبتنا في تعاملهم مع موقعة «نكون أولا نكون» أقصد الثانوية العامة التي تدق على عصب مستقبل الطالب وتطلعات أهله وأقاربه.
غداً امتحانات الثانوية العامة للسنة الدراسية الجارية بقلقها وتوترها.. ترى كيف استعد المتفوقون لاعتلاء سلمها بعد اثنتي عشرة سنة دراسية بالمراحل التعليمية على اختلافها؟ والى أي مدى أشاعت أسرهم روح المودة المتجدد نشاطها بينهم تواقة للعطاء وإطلاق القدرات لتمر عليهم الامتحانات كذكرى تشتاق النفس إليها؟
يقول سهيل مروان أبورحمة الطالب بالثالث الثانوي في ثانوية محمد بن راشد: نتيجة لعظم المسؤولية المنوطة بالطالب جراء الثانوية العامة فإنه يجد نفسه بين كماشة ليست من ذوات الفكين كما يقول المثل، إنما هي كماشة تعددت أطرافها وشحذت أسنانها وزادت قدرة بطشها.
مشيرا إلى ان البعض يعتقد أن السبيل للخلاص من هذا العذاب كما يقولون هو باختصار (الدروس الخصوصية) التي تستنزف طاقات الأسر المادية والمعنوية والنفسية والنتائج المرجوة في النهاية وفي معظمها لا ترضي الجميع،.
والبعض الآخر يقول ان المجتمع المدرسي وانخراط الطالب فيه هو السبيل الأمثل والوحيد لتحصيل العلوم وتوضيح الأمور وشرح المبهم من المسائل ، مرتئيا انه رأي صائب من وجهة نظره إلا أنه لا يكفي وحده، فعلاقة الطالب بربه كفيلة بشحذ الهمم وتنشيط الطاقات والدفع إلى العمل والإنتاج.
وان احتسب الطالب مذاكرته وجهده وعناءه كله لله غنم، أما اذا تواكل من غير أخذ بالأسباب فإنه يكون قد أضاع وقته وضيع جهده وحرم نفسه من لذة التفوق والنجاح.
توتر وقلق
وأشار سهيل إلى أن التوتر والقلق كلمتان مصاحبتان ومترابطتان ترابطا قويا مع كلمة الثانوية العامة لدى الكثير من الناس فيجهزون العدة وينصبون الخيام ويقرعون جرس الإنذار ليعلنوا أن هناك حالة طارئة - في بيتنا طالب ثانوية عامة - فيدق الجيران ناقوس الخطر ولا يرحمون الطالب إذا خرج من بيته دون سبب.
وإذا رأوه خرج ليروح عن نفسه ساعة اتهموه بالتقصير وانهالوا عليه بسيل من العبارات التي لا ترحم، ولا تراعي حقه في ان يشم نفسه، وتزداد الضغوط عليه اذا كان ممن يقال عنهم « سوبر ستار»، فالمدير من ناحية والمعلمون من الناحية الأخرى والطلاب في القاعدة الكل يضغط عليه.
أما اذا كان من الطلبة غير المهتمين أو الذين يسعون إلى انهاء هذه المرحلة متخذين شعار «مرحلة وتعدي» فتكون الضغوط من قبل الوالدين أو حتى المدرسة أشد وطئا وأعظم سبيلا، فهذا يقول له: أنت مقصر والآخر يقول له:
لا فائدة ترجى منك والثالث يقول له: لم تضيع وقتك بالذهاب إلى المدرسة؟ ، فيجد الطالب نفسه محاطا بسياج من الإحباط لا سبيل لاختراقه إلا بمعجزة ربانية فيفضل البقاء في هذا الحاجز حتى لا يخترق نواميس الكون، لافتا إلى أن الطريقة المثلى للمذاكرة.
والتي يستغيث بعض الطلبة وينادون بكيفية تطبيقها في أن لكل نفس بشرية طبيعتها الخاصة التي تفرض عليها نظاما خاصا ، منتقصا من شأن من يقول: دلني على طريقة للمذاكرة لأن هذا يعكس عدم ثقة بالنفس وعدم دراية بجوانبها وعدم قدرة على السيطرة عليها وهذه كلها مهارات لايكتسبها الانسان في شهر أو شهرين.
وانماهي وليدة تعب وعناء اثنى عشر عاما قضاها الطالب في المراحل الدراسية على اختلافها فيكون جاهزا في آخر سنة له على تطبيقها، فهو في النهاية من سيدفع فاتورة اجتهاده وتعبه أو اهماله أو تقصيره ولاأحد سواه.
ليلة الامتحان
دانة شقيقة سهيل ترى أن تنظيمها للوقت هو سر نجاحها، فكانت تتابع دروسها بانتظام وتعتمد الدقة في المذاكرة والفهم الجيد بالانتباه لشرح المعلمة ثم مراجعة الدرس والاجابة عن جميع الأسئلة الواردة عليه، والاستفسار عن كل مبهم وغامض، إلى جانب حرصها طوال العام على المشاركة في الانشطة المدرسية لدفع الملل وتحفيزها على الجد والمثابرة.
وحرصها على توفير المناخ الملائم بتجنب السهر المفرط والقلق والارتباك ليلة الامتحان، فجنت ثمارا يانعة تمثلت في حصولها على أعلى الدرجات واحراز المراتب العليا ليس في المجال الأكاديمي فحسب وانما نالت شرف التميز بحصولها على جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز كطالبة متميزة.
وأشارت إلى ان الثانوية العامة موسم الحصاد الذي انتظرته طويلا لتجني خلاصة اجتهادها طوال سنوات لم تعرف فيها كللا أو مللا، داعية زميلاتها وزملاءها ليضعوا نصب أعينهم يسر تحقيق أهدافهم بالتصميم والإرادة والجد والاجتهاد بعيدا عن الانغلاق والتعقيد والخوف، فلا ضاع أجر من ثابر واجتهد.
الطريق إلى التفوق يراه محمود محمد يحيى الطالب بالثالث الثانوي في ثانوية محمد بن راشد ليس صعبا ولكن يحتاج إلى صبر وجد، فمن جد وجد والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فمن يجتهد في شيء يجده في عمله.
والطالب عليه متابعة دروسه أولا بأول من بدء السنة الدراسية وأن يكون آذانا صاغية لمعلمه ويتوكل على الله سبحانه وتعالى، ولفت إلى ان قلق الثانوية العامة موجود لأنها سنة مصيرية تحدد مستقبل الإنسان، ولكننا نطمئن قلوبنا بأنها سنة عادية ولا تختلف عما قبلها ونحاول ان نبعد الخوف عنا لثقتنا بالله سبحانه وتعالى.
أسرة محمود ترى ان تربية الأبناء أمانة في أعناق الآباء، فالمهمة ليست سهلة بل تحتاج إلى متابعة وملاحظة وجهد كبير منذ الصغر، كما ينبغي أن تكون أنظار الوالدين على أبنائهم باستمرار ليكتشفوا طاقاتهم وقدراتهم الكامنة او بالأحرى يحاولون تنمية قدرات الأبناء ليجنوا ثمرة إبداعاتهم المتميزة.
موضحة انها كأسرة لم تأل جهدا بتوفير الجو المناسب لأبنائها بمشاركتهم في الدورات الصيفية المختلفة لاسيما دورة تحفيظ القرآن، فالقرآن هو النور الذي ينير طريق الأبناء وهو الخط المستقيم الذي يبدأ به الطفل أولى خطواته، كما ان وجود مسجد بالقرب من البيت عود الأبناء على الصلاة في أوقاتها، لافتة إلى أن حفظ القرآن والصلاة غير كافيين لتهذيب النفس وإنما تلعب الأخلاق دورا كبيرا في بناء الفطرة الإنسانية السليمة.
ولي أمر سهيل قال: مع الانفتاح الكبير والتطور الذي نشهده يوما بعد يوم تزداد الحاجة للالتفاف حول الأبناء لتوجيههم وحمايتهم مما يعترض حياتهم من مشاغل الدنيا والإسراف في الوقت فنرشدهم .
ونبصرهم إلى الطريق الصحيح دون تعقيد أو تضييق، فيقسمون وقتهم بين الدراسة الجادة والنشاط الهادف وتزويد القلب بالطاقة الروحية من أداء العبادات وتلاوة القرآن.
ولا ننسى أبدا ترويح النفس بالخروج للحدائق العامة وتجديد نشاطهم حتى يقبلوا على المذاكرة بروح متجدد نشاطها تواقة للعطاء وإطلاق القدرات، رافضا بذلك مبدأ كثير من الأسر التي تهيئ لأبنائها جوا من التوتر والخوف والقلق بإلزامهم بالمذاكرة لفترات طويلة ومنعهم من ابسط حقوقهم في تجديد نشاطهم .
وتحفيزهم على العطاء فيتسرب الملل والضيق إلى نفوسهم فيقبلون على الكتاب بسخط وتذمر ما يجعلهم يحصلون في النهاية على درجات متدنية تساء على أثرها معاملتهم فيحرمون من تمتعهم بالإجازة الصيفية، مركزا على إشاعة روح المودة والمرح لتمر عليهم أيام الامتحانات كذكرى تشتاق النفس إليها لما تركت في نفوسهم من راحة بال وطمأنينة.
دبي - يحيى عطية: