ينبغي أن نُدرك أن الدين هَمٌّ بالليلِ ومذلَّةٌ بالنهارِ، وأنه يُشكِّلُ خطراً على حرية الإنسان وأمنه في الدنيا، ويُشكّلُ كذلك خطراً على منزلتهِ ومكانتهِ في الآخرة. وتعالوا بنا نتدبَّر هذه الأحاديث والآثار لنعرف حجم الأخطار التي يُشكلها الدين.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في أثَرِ الدَّينِ وخطرِهِ على حرية الإنسان: «أقل من الذنوب يهُن عليك الموتُ، وأقلَّ مِنَ الدَّينِ تَعِش حُرّاً». روراه البيهقي في شُعب الايمان.
والواقع يصدق هذا الحديث الشريف فكم من أفراد لا بل كم من أمم فقدت حريتها واستقلالها وتدحرجت من سيئ لأسوأ بسبب الدين. وفي أثَر الدَّين وخَطَرِهِ على الأمنِ النفسي للإنسان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُخيفُوا أنفُسكُم بَعدَ أمنِها» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قالَ: «الدَّيْنُ» رواه أحمد واللفظ له وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الشُعَب.
وفي أثَرِ الدَّينِ علَى الأخلاقِ والعلاقاتِ الاجتماعية يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الرَّجُل إذا غَرِمَ (أي استدان) حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فأخلَفَ» رواه البخاري.
ويقول سيدُنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إيَّاكم والدَّين فإنَّ أوَّلهُ هَمٌّ، وآخرهُ حربٌ» رواه مالك.
وفي آثَرِ الدَّينِ وخَطرهِ على العمل الصالح وفي ذروتهِ الجهازُ والاستشهادُ في سبيل الله يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يُغفَرُ للشهيدِ كُلُّ ذَنبٍ إلاَّ الدَّينَ» رواه مسلم.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نَفسُ المُؤمِنِ مُعَلَّقةْ بدينهِ حتى يُقضَى عَنهُ» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم.
ومعنى قولهِ صلى الله عليه وسلم: «معلقة» أي محبوسةْ عن دخول الجنة حتى يُقضى دينهُ.
وفي هذا الحديث دعوةٌ إلى الإسراع بقضاء دين الميتِ وذلك لإزالة ما يحبسهُ عن دخول الجنة، ويُمكنُ لولي الميتِ أن يسأل الدائنين أن يحللوا الميت من الدَّينِ، أو أن يجعلوهُ حوالة عليه يَتكفّل لهم بالدفع عنه إسراعاً بتبرئةِ ذمتهِ.
من أجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في أولِ الإسلام يمتنعُ من الصلاة على من مات وعليه دينٌ لم يترك لهُ قضاءً، ويقول: «صلُّوا على صاحبكُم»، وذلك لئلا يتساهل الناسُ في الاستدانةِ ويُهملوا الوفاءَ، ثم لما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفى وعليه دينٌ فعليّ قَضَاؤُهُ وَمَن تَرَكَ مَالاً فَهُو لِوَرثَتهِ» رواه مسلم.
د.قطب عبدالحميد قطب