«من لديه أولاد يقدر خوف الآباء على أولادهم وحرصهم على ألا يقعوا فيما لا تحمد عقباه»
قال الشيخ: أكثر الأسوياء منا يحملون وداً كبيراً لآبائهم إن كانوا لا يزالون على قيد الحياة، وشوقاً وحنيناً أكبر إن كانوا قد فارقوا الحياة، ومشاعر الأبوة وعظمة الأبوة وعزيمة الأبوة أمور لا يقدرها حق قدرها إلا من صار أباً. ولما كنا لا نشعر بقيمة الأشخاص أو الأشياء إلا بعد فقدانهم أو فقدانها، فمعظم من رحل آباؤهم عن هذه الحياة يحملون من الندم على التقصير في حق آبائهم وفي خدمتهم، وعلى عدم إمضاء ما يكفي من الوقت معهم، بعد أن فضل أكثرنا متع الدنيا على نعيم الجنة تحت أقدام الأمهات والآباء، الشيء الكثير.
ورب العزة أورد البر بالوالدين في القرآن العظيم مقترناً بعبادته «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً» الإسراء 23 لأن من يجحد فضل أبويه هو أقرب إلى جحود فضل الله ونعمه، وقد أورد المفسرون في تفسير «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» أكثر من تفسير منها أن الذل لا يكون إلا فيما تضمن ظلماً أو حوى على جور، فلما كان الأبوان قد أعطيا من دون حساب ولما كانا قد آثراك على نفسيهما في طفولتك وشبابك حتى صرت كهلاً، فإن من حقهما عليك أن تؤثرهما على نفسك عندما يبلغان الكبر وتنزل عند أوامرها وما يريدانه منك، مهما بدا لك هذا يحمل جوراً وظلماً أو لا منطقية.
وقد ورد عن الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام أكثر من أثر في حق الآباء ـ ونحن هنا نتحدث عن الآباء لأن غيرنا أكثر من الحديث عن الأمهات بحق ـ فقال عليه الصلاة والسلام «إن الله يوصيكم بآبائكم» وقال «أنت ومالك لأبيك» وقال «الوالد أوسط أبواب الجنة» وقال «من رغب عن أبيه فقد كفر» وقال «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده».
وقد سمعت تعليقاً لطيفاً من شيخنا الاستاذ هشام الحمصي على الحديث الأخير، حيث قال: «أنه مع كثير ما ورد في فضل الأمهات فإن الله آثر دعوة الوالد على ولده، لأن الأم كثيراً ما يسبقها لسانها فتدعو على ابنها بسبب وبدون سبب، ولو كانت دعوة الأم على ولدها مستجابة لانصبت العذابات والنقم على رأسه ليلاً نهاراً، أما الوالد فإنه لا يدعو على ابنه إلا عندما يكون هناك سبب حقيقي وجوهري، وإلا عندما يكون الوالد قد جرب كل أنواع الأدوية فلم تفلح، وإلا عندما يكون الولد قد أساء وبالغ في الإساءة.
قال الشيخ: وكثيرون ممن ألتقي بهم من شباب هذا الجيل يشكون ويتذمرون من سلطة الأب وتدخله وموانعه ومحرماته، وهم لا يعلمون اليوم أن هذه الموانع والحرمات هي خير ما يذود به الأب عن ابنه مصائب الدنيا، ونحن في زمن انتشر فيه الفساد وظهر الباطل وساد. ومن لديه أولاد منكم يقدر خوف الآباء على أولادهم وحرصهم على ألا يقعوا في ما لا تحمد عقباه، وقد تلونت خطوات الشيطان وتعددت وتموهت في هذا الزمن حتى يكاد الوالد منا يجن خوفاً وحرصاً على أولاده. مما قد لا يقدرون أنه من خطوات الشيطان الذي يعد بالفقر والفحشاء وخسارة الدنيا والآخرة وقد انتبه الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى هذه الحقيقة في زمن لم يكن الشيطان فيه قد انتفش وظهر فقال:
أطع الإله كما أمر
واملأ فؤادك بالحذر
وأطع أباك فيه
رباك من عهد الصغر
فقد ربط رضي الله عنه بين الحذر وطاعة الأب، لأن غاية ما يطمح إليه الأب أن يكون ابنه حذراً من السقوط في كارثة تغضب الله وتذهب بسمعة الولد ومستقبله، وقد رأينا في حياتنا آباء هدهم ولد عاق فساروا بين الناس منكسرين، يكادون لا يستطيعون رفع رؤوسهم من ذل ألحقه بهم أبناؤهم، وانني اليوم أرجع بالذاكرة إلى عهد الطفولة والشباب فلا ألمس إلا الحق والخير والحرص فيما كان والدي رحمه الله يمليه علي، ولو قدر لوالدي أن يحيا لحظة أو لو قدر لي أن ألتقي به في الآخرة لأقبلت عليه مقبلاً يديه وقدميه، معتذراً منه عن تقصير أو جفاء بدا مني في حقه وقد صدق أحمد بن عبد ربه عندما قال:
ما مات حي لميت أسفاً
أعذر من والد على ولد
ماهر سقا أمين