التراث الإسلامي يمكنه إحياء الفلسفة حينما تهتم بدور العقل البشري، وقدرته على فهم الدين، الذي أوحاه الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، واقتحام الطبيعة والحياة على هدى منه، وهذه هي الشرارة الأولى لإطلاقها من رقادها في العصر الحديث، وفي هذا السياق افتتح د. على عبد الرحمن رئيس جامعة القاهرة، المؤتمر الدولي الحادي عشر للفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بالجامعة، تحت رعاية د. أحمد عبد العزيز كشك عميد الكلية،

د. عبد الحميد مدكور رئيس قسم الفلسفة الإسلامية بالكلية، د. هاني هلال وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وبمشاركة عدد من أساتذة الفقه والفلسفة بالجامعات العربية. وقد بدأ الحديث د. محمد محمد عيسى، أستاذ الأديان بجامعة الإمارات، عن الأديان الكتابية والحوار الديني، فقال من الحقائق المؤكدة لدى كل مسلم أن الإسلام آخر وحي السماء إلى الأرض، وأن محمد صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء والرسل، من أجل ذلك جاءت رسالة الإسلام عالمية، ليست محدودة بقطر ولا موقوتة بعصر، ومبدأ عالمية الإسلام هو مبدأ من مبادئ الإسلام الراسخة،

وهو الأساس الثابت الذي تقوم عليه علاقة المسلم مع غيره، ومن هذا المبدأ تنبع رؤية الإسلام في التعامل مع غير المسلمين، فلا تكتمل عقيدة المسلم إلا إذا آمن بالرسل جميعاً، وانطلاقاً من مبدأ عالمية الرسالة الإسلامية، وكونها قائمة بمخاطبة كل الأمم والأجناس وكل الشعوب عبر تاريخ الدعوة الطويل، فإنها تتخذ فى سبيل تحقيق هدفها والوصول لغايتها كافة وسائل الاتصال النافعة والمشروعة،

ويُعد الحوار من أبرز وسائل الاتصال وأهمها، منذ بزوغ الإسلام إلى أن يقوم الناس لرب العالمين، فقد أصبح الحوار فى وقتنا هذا قضية الساعة، إذ أن القوة المعلوماتية وثورة الاتصالات أحدثت تغيراً عميقاً فى علاقات الناس فيما بينهم، وجعلت العالم قرية كونية واحدة،

وقد انطلقت على إثر ذلك موجة الدعوة إلى الحوار، حوار الأديان والحوار بين الحضارات، ورغم هذا فقد انقسم المسلمون فيما بينهم حول مشروعية هذه الظاهرة ما بين مؤيد لها ومعارض، فالبعض يرى فيها ظاهرة تآمرية ضد الإسلام، والمسلمون يعيشون حالة من الضعف والتخلف، الذي كثيراً ما تفرض عليهم أجندة الحوار ومنطلقاته.

وتحدث د.أبو اليزيد العجمي أستاذ الفلسفة الإسلامية، عن العقل في البحث الخلقي عند المسلمين، لأنه ليس هناك تيار عقلي واحد، فإذا كان المقصود به تيار الفلاسفة الذين تأثروا بالفكر اليوناني فهو لا يمثل الفلسفة الأخلاقية عند المسلمين وحدهم، وليس هناك اتفاق بين مؤرخي العلم على ذلك كما أن هناك تياراً عاصر التيار السابق لا يقل عقلانية عنه، مع اختلاف في التوجهات والمنطلقات، وربما المصطلحات كذلك،

ومن جهة أخرى فإن الفكر الأخلاقي عند المسلمين عرف بحوثاً لها أثرها قبل هذين وبعدهما، بل إن البحث الأخلاقي عند المسلمين عرف علماء أخذوا بجزء من التيار العقلي وتركوا غيره. علم الأخلاق وفى ضوء هذا الفهم أصاب علم الأخلاق عند المسلمين ما أصاب علم الأخلاق عند غيرهم، مع اختلاف حول طبيعة ومصدر الإلزام فيه،

فضلاً عمن يمثل هذا العلم، فهناك من يرى أن المسلمين لم يكونوا بحاجة إلى علم الأخلاق، ليبحث المصطلحات والمسائل والغايات ونحوها، لأن القرآن والسنة كفيا المسلمين أمر هذه الموضوعات. وهناك من قال إن المسلمين لم يعرفوا البحث الأخلاقي إلا بعد أخذهم من اليونان شفاهة أو ترجمة، وقليلون من اعترفوا أن الإسلام - باعتباره دين صلب رسالته الأخلاق - ما كان لعلمائه أن يسكتوا عن استنباط المبادئ والموضوعات التي تشكل لهذا العلم قواماً، وإن جاءت المصطلحات وتصنيفاتها على غير النسق اليوناني.

من المقرر أن الفكر الأخلاقي في المدارس الإسلامية المختلفة لم يغب عنه الجهد العقلي بمعناه العام، فهناك من علماء المسلمين من تأثر ببعض المقولات اليونانية أمثال، الراغب الأصفهاني والغزالي، ولكن مع فروق جوهرية بينهم وبين فلاسفة المسلمين، وإن كان هذا لا يعفيهم من التأثر بهذا التيار.

وعن الفلسفة الإسلامية ومكانتها فى التاريخ العام للفلسفة تحدث د. السيد رزق الحجر بكلية دار العلوم جامعة القاهرة قائلاً: على الرغم من اتفاق الباحثين ومؤرخي الحضارات على أن كل حضارة قامت قد تفاعلت مع غيرها من الحضارات، وتأثرت بها أخذاً وعطاءً، من غير أن تكون الحضارة اللاحقة نسخة مكررة من السابقة أو تقليداً لها، فبرغم هذه الحقيقة فإن الحضارة الإسلامية واجهت محاولات كثيرة، لاستلاب هويتها وطمس دورها وإنكار تأثيرها في الحضارة الإنسانية،

فالعرب - في زعم البعض - لا يستطيعون إقامة نسق بسبب ما زعم هؤلاء من ضعف إمكاناتهم العقلية من جهة، وبسبب طبيعة الدين الإسلامي، الذي يتناقض فى زعمهم مع العقل في التفكير الحر، ففي هذا السياق كشفت المكانة الحقيقية للفلسفة الإسلامية في التاريخ العام للفلسفة، ببيان الدور الحضاري الذي نهضت به فلسفة المسلمين وفكرهم على وجه العموم، باعتباره حلقة مهمة في تاريخ الفكر الإنساني، الذي كان باعتراف أشهر مؤرخي العلوم والحضارات، قد تجمدت وجفت منابعه تماماً حتى جاءت فلسفة المسلمين لتحي مواته، وتأخذه به إلى مدراج الرقى والتقدم.

التاريخ الديني كما تحدث د. عبدالغني غريب راجح بجامعة الإمارات، عن مصطلح التراث وأثره في إحياء الدرس الفلسفي، فمصطلح التراث يعد من أكثر المصطلحات التباسا في استخدام العربي اليوم، حيث يستخدمه الكثير من المفكرين بمفاهيم مختلفة، مثل أنه عمل إنساني بحت، وأنه لا مدخل للمقدسات في مجال التراث فالتراث، عندهم هو ما ورثناه عن الآْباء والأجداد، مما أبدعوه من خلال فكرهم من العلوم والصناعات والعادات والتقاليد، وبذلك لا يدخل الوحي والمقدسات ضمن دائرة التراث،

فهناك فرق بين القرآن وبين علومه، وفرق بين السنة وعلوم السنة، فالكتاب والسنة وحى إلهى، أما العلوم المتصلة بها فهي إبداعات العقل المسلم. ورغم وجاهة هذا الاستخدام، إلا أن قطاعاً كبيراً من الباحثين يرون أن التراث هو حصيلة التاريخ الديني والاجتماعي والثقافي المتوارث عبر الأجيال، فهو ما ورثناه عن آبائنا من عقيدة وثقافة وقيم وآداب وفنون وصناعات، وبهذا يدخل الوحي الإلهي ضمن دائرة التراث،

وعلى الرغم من أن هذا النص الأخير يشهد له استخدام القرآن الكريم لكلمة التراث ومشتقاتها «وتأكلون التراث أكلاً لما»، إشارة إلى الميراث المادي وقوله ،«ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا»، إشارة إلى وراثة الاعتقاد، وعلى الرغم من ذلك فإننا نرجح استخدام التراث بالمعنى الأول، لأن العلمانيين رفاقهم الذين لا يجرؤ بعضهم على الطعن مباشرة في الكتاب والسنة يطعنون فيها بواسطة الطعن في المفهوم الثاني،

وحين تواجههم يقولون إننا نقصد اجتهادات الفقهاء والمفسرين من معتقدات وأحكام، كما أنهم لا يفرقون في وسائل نقد التراث بين ما يمكن تطبيقه على التراث باعتباره مجرد اجتهادات عقلية قد تصيب وقد تخطئ، وبين ما يمكن تطبيقه على التراث باعتباره وحياً سماوياً معصوماً من الخطأ، إذاً فبداية النهضة عندهم سوف تكون من لا شيء إلى حضارة القرن العشرين، بكل ما فيها من حداثة وعلمانية ثقافية وعلمية بلا فصل بينهما، ونسى هؤلاء أموراً كثيرة، أهمها أننا نعيش عصر العولمة الذي يحاول محو الهوية بكل ما تحمله من ثقافة وقيم وأخلاق ونظم اقتصادية واجتماعية،

وذلك لحساب ثقافة الغرب وقيمه، خاصة الثقافة الأمريكية، التي تفرض نفسها اليوم بصورة ملحوظة عن طريق الهيمنة الإعلامية، التي تتحكم في 60% من مجمل الوسائل الإعلامية. وتعتبر الدول العربية بالذات من أكبر مستهلكي تلك الرسائل وتشكل عقول المسلمين وأخلاقهم وأذواقهم، وتناسى هؤلاء العرب أنهم بدأوا نهضتهم على أساس من التراث الإسلامي، بعد خروجه من مرحلة القرون الوسطى المظلمة.

القاهرة ـ غادة إبراهيم