تعجز الألسن والأقلام في أحيان كثيرة عن وصف فرحة أب أو أم أو فتاة حينما يتقدم عريس وفي مخلص كفؤ لخطبتها كيف وان كان الحال مع أب أو أم وثلاث شقيقات يتقدم لطلب أيديهن في يوم واحد وجاهة واحدة ثلاثة أشقاء مدعين أنهم من حملة الشهادات العليا والمراكز المرموقة وذوي الجاه والمال.
كيف حال الأسرة التي تعود جذورها للعراق وتعيش في الدولة منذ سنوات ولا تحمل الأوراق الثبوتية التي تسهل مهام تنقلها وسفرها حينما يتقدم لها ثلاثة أشقاء مستغلين حصولهم على الجنسية البريطانية للتغرير بالشقيقات الثلاث وذويهن بمنحهن جنسيتهم.
وحاولوا إخفاء عيوب خلقية واجتماعية واقتصادية تنفر من متعة الزواج والدخول فيه متظاهرين بالمؤهلات العلمية والحصول على الشهادات العليا مستغلين طيبة أب مقعد لا يطمح في هذه الدنيا سوى بتزويج كريماته لمن يحفظهن ويصونهن.
كيف ستكون الحال حينما يتعهد كل من الأشقاء لعروسه بمنحها الجنسية البريطانية والانتقال معه للعيش في بلاد لم تكن تخطر على البال حتى وان كان ذلك في الأحلام؟
وكيف ستكون حينما يتعهد كل عريس لعروسه بالإنفاق عليها والسماح لها بإكمال دراستها الجامعية في أعرق جامعات المملكة المتحدة حيث يعملون أساتذة جامعيين ولدى أحدهم وكالة طيران؟
لا شك أن العروض مغرية ومصاهرة الأشقاء الثلاثة مكسب وحلم لكل فتاة في سن الزواج «فيما لو صدقوا» بما أعلنوا لوالد تلك الشقيقات عندما استغلوا طيبته وظروفه الصحية للتغرير به حتى وافق على تزويجهن على سنة الله ورسوله.
الأب مقيم في الدولة منذ عام 1972 وكريماته من مواليد الدولة وسبق أن عمل موظفاً في وزارة التربية والتعليم وخرج منها بعدما أقعده المرض في العام 1998، حيث يعاني من شلل في أطرافه وزوجته ما زالت تعمل في الوزارة ذاتها أمينة مختبر.
الشقيقات الثلاث جامعيات، الكبرى حاصلة على بكالوريوس في اللغة الانجليزية والترجمة وتعمل موظفة في الجامعة التي تخرجت منها بوظيفة إدارية والأخرى تدرس علوم الإعلام والثالثة هندسة الديكور.
خطوبة الشقيقات الثلاث تمت بصورة تقليدية، حيث تقدمت والدة العرسان لخطوبة البنت الكبرى لابنها الأكبر وعندما شاهدت بقية الشقيقات وتواضع ذويهن أفصحت عن رغبتها بخطبة الشقيقات الأربع لأبنائها ولكن حظ الصغرى أنقذها كونها ما زالت طالبة في المرحلة الثانوية.
الأب الذي أعجزه المرض لم ينجب الأبناء الذكور ورأى في كل من أصهاره ابنا يعوض حاجته في هذه الظروف عن الأبناء فقبل تزويج بناته بمهر لا يكاد يذكر حرصا على سعادتهن ورغبته في أن يراهن سعيدات في فساتين زفافهن ممن أحبوهن «لو صدقوا».
عرسان الأحلام
عقود زواج الشقيقات الثلاث حررت في يوم واحد وحلمت كل منهن بزوج الأحلام الذي رسمت في شخصه ملامح الفارس الذي جاء على حصانه الأبيض بوعوده وأحلامه التي ترى فيها كل فتاة جسرا آمنا للحياة الزوجية.
والوالدان لطالما حلما برؤية كريماتهما عرائس ترتدي كل منهن فستان زفافها الأبيض لتزف لعريسها يفاخرون بهم القاصي والداني خاصة وأن أصهارهم ممن يملكون المال والجاه والمناصب العليا والمؤسسات التجارية.
ولكن سرعان ما انهار الحلم واكتشفت الشقيقات الثلاث الخدعة الكبرى التي كن ضحيتها من أزواج لم يعرفوا من الحب وقدسية الزواج إلا الخداع والمكر والتدليس والبخل.
وأنهن أمام رجال لا يرغبون من المرأة سوى جسدها لإشباع غرائزهم الجنسية في مسكن ذويهن بعقود زواج شرعية هم غير قادرين على تلبية شروطها.
وكيف لفتاة أن تسلم جسدها وذاتها لزوج خدعها شكلاً وسلوكاً وأشبعها وهماً وأحلاماً زائفة في عالم تحكمه الشرائع السماوية والقوانين والأعراف والعادات والتقاليد التي يصعب الخروج عليها احتراما لقدسية الزواج كرباط مقدس منذ الأزل؟
والكل منا يدرك حقوق الزوجة وما تنتظر من زوجها ولا يجوز حرمانها هذه المشاعر فهي ربما يمنعها حياؤها من المبادرة في الكلام أو النظرات أو الابتسامة أو المزاح الرقيق أو حتى الضم والمعانقة اللطيفة من زوجها في منزل أهلها.
بل كيف سيكون حال الشقيقات الثلاث اللواتي نروي قصتهن اليوم عندما طلب أزواجهن مضاجعتهن «مضاجعة الأزواج» في منزل ذويهن وهم يدعون أنهم من أهل المال والجاه والمؤهلات العلمية؟
فريسة الخداع
العائلة «المخدوعة» تعيش في الدولة منذ سنوات وتحلم كأي أسرة عربية بتزويج بناتها ممن يصونهن ويقدرون الحياة الزوجية ويحترمون علاقات النسب وروابط المحبة التي تجمع الأصهار فشاء لها القدر أن تكون فريسة لذئاب بشرية لا يعرفون الحب والإخلاص.
الشقيقات الثلاث تقدمن للمحكمة بطلب التفريق «الطلاق» من الأشقاء الثلاثة قبل الدخول بهن بعد 11 شهرا من تحرير عقود زواجهن للضرر والوعود الكاذبة والخداع وعدم الوفاء بحقوقهن الزوجية.
ولإبقائهن محبوسات طيلة تلك الفترة على ذمة رجال لا يكنون لهن سوى مشاعر الخديعة والتلذذ بالتعذيب النفسي في حرمانهن من متعة الزواج والمعاشرة التي شرعها الله سبحانه وتعالى لديمومة الحياة البشرية وتكاثر النسل.
والمحافظة على كرامة البشر من الوقوع بالإثم عبر مؤسسة الزواج استجابة لقوله تعالى «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون».
الشقيقات الثلاث أكدن للمحكمة استحالة العشرة والزواج من أشخاص لم يمنحوهن سوى الوهم ولم يفوا بتسديد مهورهن ولا الوعود في السماح لهن بإكمال دراستهن الجامعية والحصول على الجنسية البريطانية أو حتى توفير مساكن الزوجية.
وأشرن إلى أن الأزواج الثلاثة بعد تحرير عقود النكاح اختلوا بهن في منزل ذويهن ومارسوا معهن الحب غير المكتمل ما زادهن تعباً نفسياً على ما عشنه طيلة 11 شهراً من متاعب التدليس والإهانة بأنهن بلا جنسية والوصول لحقائق أنهن أصبحن فريسة لرجال ادعوا ما لا يملكون من مال أو مؤهلات علمية أو مناصب وظيفية.
وتساءلن في دعواهن كيف لهن في ظل هذه الظروف أن يسلمن أجسادهن ويقمن علاقات المعاشرة الزوجية وهن لا يملكن البيوت التي تسكن فيها النفوس، حيث تسلم الزوجة جسدها وذاتها لمن أحبت ورسمت من خلاله ملامح أطفالها ومستقبلهم، من زوج يقدر الحياة الزوجية غير القائمة على الخداع والتدليس، و«الحياة الجنسية» إن خرجت عن نطاق مسكن الزوجية لا تتعدى أن تتحول لممارسات استمتاع الرجل بالمرأة بعيداً عن التفكير بمستقبل الأسرة وما قد ينتج عنها من عمليات حمل وإنجاب لأطفال غير مرغوب فيهن أو عبر موانع وملامسات وقبلات لا تتحقق للمرأة متعة «النكاح» التي شرعها الله لإدخال السكينة في نفوس البشر وفق ضوابط شرعية حددتها الأديان السماوية لاستقرار الأسر.
وقائع
العروس الأولى تقدمت للمحكمة بدعوى ضد عريسها تطلب فيها الطلاق للضرر وقدمت ما يثبت للمحكمة بأنه خدعها وحبسها على ذمته وكذب عليها ولم يدفع لها مهرها المتفق عليه وامتنع عن الدخول والاستمتاع بها شرعاً أو الإنفاق عليها طيلة 11 شهراً من بعد عقد قرانها.
وأكدت أنها دعته للدخول بها مراراً وتأمين المسكن الشرعي لهذا الغرض إلا أنه غافلها بعد أسبوعين من عقد قرانها وسافر للمملكة المتحدة تاركا إياها في وعود من الوهم والخيال دون مراعاة لمشاعرها والخشية عليها من الفتنة والضرر كأي عروس تحلم بالزواج مع شريك حياة يبادلها الحب بالحب، وذكرت أنه وعدها بالحصول على الجنسية البريطانية وأعلمها وأهلها بأنه أستاذ جامعي ويعيرها دوما كونها بدون جنسية مما زاد من متاعبها النفسية والجسدية والاجتماعية أمام ذويها وجيرانها.
محكمة الدرجة الأولى رفضت دعوتها وألزمتها المصاريف وأتعاب المحاماة فلم يلق الحكم قبولا منها وطعنت به في الاستئناف وكان لها ما شاءت حيث قضت محكمة الاستئناف بالإجماع بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء بتطليقها للضرر تطليقا بائنا وألزمت عريسها بالمصروفات وأتعاب درجتي التقاضي.
مريض وكذاب
العروس الأخرى مصيبتها أكبر من شقيقتيها فالعريس أبلغها بأنه حاصل على درجة الماجستير من جامعة برستي البريطانية وأنه وكيل شركة الطيران القطرية في مانشيستر وأنه عمل ضابطا برتبة نقيب في الجيش العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية.
وطالبت المحكمة بتطليقها من عريسها للضرر وأشارت إلى أنه لم يدخل بها ووعدها بذلك مرارا ولم يوف بوعده بتأمين المسكن الشرعي وقدم لها هدية عرسها عبارة عن حقيبة ملابس مستعملة.
وقدمت للمحكمة ما يثبت أنه ما زال طالباً وعاطلاً عن العمل ولا رتبة عسكرية له وكل ما ادعاه كذباً سرده على والدها لطلب يدها والارتباط بها كزوجة على سنة الله ورسوله.
وذكرت أنه لم يدفع لها مهرها وهو مريض بالسكري وضغط الدم ورجله اليمنى لا تنثني ولا يستطيع الجلوس، وبه عيب في فقرات عموده الفقري ويزن 180 كيلوغراماً مما يعيب تمتعها بزوجها وحياتها الزوجية ويعيرها بأهلها كونهم يعيشون بدون أوراق ثبوتية وأن والده رمى والدتها بالسحر.
محكمة الدرجة الأولى رفضت دعواها فاستأنفت أمام محكمة الاستئناف مطالبة بالتحقيق في مطالبها القائمة على مطالبة عريسها الدخول بها شرعاً أكثر من مرة بحضور ذويها وشهود إلا أنه رفض ذلك ولم يسدد باقي مقدم صداقها وأنها تخشى على نفسها الفتنة.
محكمة الاستئناف ألغت حكم محكمة الدرجة الأولى وقضت بتطليق العروس المتضررة تطليقا بائنا وألزمت العريس المصروفات وأتعاب محاماة درجتي التقاضي.
العروس الثالثة ذكرت أن عريسها (الشقيق الثالث) وعدها بإكمال دراستها الجامعية والحصول على الجنسية البريطانية والإنفاق عليها طيلة فترة الدراسة، وأخبرها بأنه أستاذ جامعي وتبين لها فيما بعد أنه موظف عادي وامتنع عن الإنفاق عليها كزوجة محبوسة على ذمته دون الدخول بها وأنه مريض بمرض دائم ينفر من استمتاع الزوجة بزوجها ويعيرها دوما كونها بدون جنسية.
محكمة الدرجة الأولى رفضت دعواها حالها حال شقيقتيها وألزمتها بالرسوم والمصاريف وأتعاب المحاماة فاستأنفت طالبة إحالة الدعوى للتحقيق وإثبات التغرير والقضاء لها بالطلاق فكان لها ما أرادت وطلقتها المحكمة تطليقاً بائناً للضرر وألزمت العريس المصروفات وأتعاب المحاماة عن درجتي التقاضي.
العروس الرابعة أنقذها حظها من عقد قرانها على الشقيق الرابع كونها لا زالت طالبة في المرحلة الثانوية ورغبة الأهل في إكمال دراستها والحصول على الشهادة الثانوية والانتقال للجامعة.
المحكمة الاتحادية العليا ستنظر أحكام تطليق الشقيقات الثلاث في جلسة لاحقة وكان الله في عونهن على مصيبتهن في هذه الدنيا وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله «إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه».
إعداد: إبراهيم السطري