المتأمل في تاريخ الإسلام وانتشار دعوته في الأرض يجد ان الأخلاق الحسنة وفي مقدمتها التواضع، وخفض الجناح، ولين الجانب كان لها أثر في نشر الإسلام، وتحبيبه إلى الناس، وترغيبهم فيه، والتفافهم حوله، واعتناقهم لشرائعه.

قال تعالى: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين» سورة آل عمران 159.

وقال تعالى: «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين» سورة الشعراء 215. وقال تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» سورة الحجرات 13. فالناس جميعاً سواسية، ربهم واحد، وأبوهم واحد، فعلام التكبر؟

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله أوحى إليّ ان تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» رواه مسلم.

والحق ان انتشارات الإسلام وانتصاراته، ورفعة أهله وعلو راياته هي سنة الله في التواضع والمتواضعين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً.

وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل» رواه مسلم. ولا يحسبن أحد ان رفعة التواضع والمتواضعين تقف عند حدود الحياة الدنيا، كلا، كلا، إن هذه الرفعة تتجاوز الدنيا إلى الآخرة، لا، بل ان الدار الآخرة كلها جعلها الله لأهل التواضع الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا كدأب فرعون وقارون وغيرهما من أهل التكبر والتجبر على عباد الله.

قال تعالى في عاقبة أهل التواضع بعد ان بين عاقبة أهل التكبر والتجبر الذين خسف بهم وبدارهم الأرض «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين» سورة القصص 83.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟ قال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها» رواه البخاري ومسلم.

د. قطب عبدالحميد قطب