أكد د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر في ندوة بالقاهرة تحت عنوان «الإسلام بين الوسطية والتشدد» على رفض التعصب الأعمى مشدداً على ضرورة مواجهة الفكر المتطرف. مشيرا الى أن الاعتدال هو سنة الإسلام.. وقال إنه عندما يكثر عدد المعتدلين الذين يتمسكون بالوسطية ويخلصون عقيدتهم ينتصر الاعتدال والوسطية على التشدد، وينتصر في النهاية على التشدد الذي أساء لصورة الأمة والإسلام مؤكدا أنه لابد أن ينتصر الاعتدال والمعتدلون وفي هذا خدمة للأمة.

وأوضح أنه من الحقائق التي اتفق عليها العلماء أن الناس منذ أن أوجدهم الله وهم مختلفون في أفكارهم ومقاصدهم وعقائدهم وغايتهم، حيث يقول ـ تعالى:

«وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفيِنَ إلاَّ مَنْ رحِمَ رَبُّكَ وَلذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنَّةِ وَالنَّاس أَجْمَعِينَ»،

والخلاف بين الناس قد يكون محمودًا في الأمور الفرعية، ولكن الخلاف في الأمور التي تتعلق بالأصول ومكارم الأخلاق يجب ألا يكون بها أي اختلاف. وفي كلمته شدد د. أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر، على أنه منذ عهد قريب لم تكن الفجوة بين المذاهب العقدية والفقهية قد وصلت إلى هذه الحدة التي نراها الآن، وأن الذي يقال ويروج من مذاهب هدامة الآن هو موجود في تراثنا.

ولكنه درس على أنه مذهب ميت، لكن المشكلة أن دعاة هذا المذهب يقولون إنه ليس موجودًا في التراث، ويروجونه على أنه الإسلام، ومع ترويج هذا المذهب ينقسم الجماهير إلى شطرين يكفر بعضه بعضًا. وأشار إلى أن المنهج الوسطي المعتدل في دراسة العقيدة والشريعة هو منهج الأزهر، وقد بذل فيه جهود عديدة، إلا أن هذه الجهود بدأت تتآكل تحت تأثير عوامل عديدة.

أهمها الاعتماد على المذكرات مع قلة المعروض من ثوابت التراث، وأحادية الرؤية في دراسة الفقه والعقيدة، مؤكدًا أن الحل يتطلب إحياء المنهج الوسطى في دراسة العقيدة والشريعة، وذلك عبر تدريس كتب التراث التي تلقي الضوء على شرعية الاختلاف، من جهته أوضح د. علي جمعة مفتي الجمهورية، أن الفكر المتشدد موجود في كل زمان ومكان، في صور مختلفة، كانت الخوارج في الماضي هي أعنف تلك الصور.

مشيرًا إلى أن أهل السنة والجماعة هو المذهب الذي تبناه الأزهر الشريف في اعتماده على الوسطية والتعددية، فخرج منهجًا مقبولاً عند جماهير المسلمين، خاصة وأن الرسول يحذرنا من كل الذين لا يأخذون بهذا المنهج، وقال في شأن من تشدد وأخذ يقتل: [من خرج على أمتي يقتل برها وفاجرها فهو في النار] وأضاف أنه بناءً على هذا فإنه لا نستطيع الخروج من وباء التشدد والتطرف إلا باتخاذ منهج الوسطية، الذي أصبح تحت عنوان منهج الأزهر، وأن الأزهر مهما شكك فيه الملسنون هو المخرج الوحيد للأمة من ظلمة التشدد، فهو الحل ومن أراد القضاء على التشدد فليتخذه حلا.

الوسطية والاعتدال

الشيخ صالح كامل رئيس مجلس أمناء مؤسسة اقرأ الخيرية، أكد على أن هناك محاولات لإعادة من شرد بفكره المتشدد إلى حظيرة الأمة الإسلامية، وذلك من خلال تكاتف العلماء، خاصة مع عمليات مراجعة بعض من انحرفوا للتشدد لأفكارهم، واعترافهم بخطئهم، نافضين عن دينهم الحنيف غبار التشدد، لأنهم يعلمون أن الإسلام هو دين الوسطية والاعتدال.

وشدد على أن سبب ما نعاني منه اليوم من ظهور التشدد هو أننا نسينا الكثير من خصائص سلوكياتنا، وأهملنا الكثير من ثوابت أخلاقياتنا، وحصرنا أنفسنا في معاملات محددة لا يمتزج فيها الدين بالدنيا مع أن الإسلام دين ودنيا، وهو ليس شعارات ينادي بها، ويرفعها الشيوخ والعلماء، وإنما هو منهج للحياة، وتقع مسؤولية تطبيقه على المجتمع بأكمله.

د. جعفر عبد السلام الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية أوضح أن فكرة هذه الندوة تأتي ضمن سلسلة متصلة تم الاتفاق عليها في جدة للوقوف في وجه التطرف والغلو، وتوضيح أن الإسلام لم يدعو للغلو.

في حين ألمح د. أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب، إلى أن ظهور التطرف بين المتدينين سببه الفهم الخاطئ للإسلام والبطالة، وضعف الثقافة الدينية. د. محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي ركز على الخلط في الفكر المتشدد في مفاهيم الجهاد والأمر بالمعروف ممن يحملون الفكر المتشدد يقومون بالشهادة وليس بالنصر، مع أنه إذا لم يكن الجهاد مؤديًا إلى النتيجة المقررة وهي النصر فلا يكون جهادًا.

وأكد أن معنى الجهاد لا يمكن أن يكون ضد المسلمين أو الآمنين أو المعاهدين، وشدد على أن فكر الغلو يعد من أشد مظاهر الفتنة، لأنه يؤدي الى تقسيم الأمة إلى جماعتين، كما أن قيمة الجهاد وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شوهتها أفعال هؤلاء الذين ينتسبون للإسلام ويسيئون إليه.

وقد تطرقت الندوة إلى العديد من القضايا التي تتعلق بمسألة الفكر المتشدد، وكان من أبرز ما تطرقت إليه الندوة القراءة في فكر العائدين من تيار التشدد، والحديث عن القانون الدولي وموقفه من الإرهاب، والذي أفاض فيه د. جعفر عبد السلام الأمين العام لرابطة الجامعة الإسلامية على أن الاتفاقيات الدولية ركزت على جانب واحد فقط من مسألة الإرهاب.

وهى التعاون الأمني، وهو أن هذا التعاون ضروري للقضاء على الظاهرة، إلا أن القضية لها جذور عديدة فما لم تقض على أسباب الإرهاب فلا فائدة. وقد طالب المشاركون في ختام الندوة بنشر الفكر الإسلامي الذي يعتمد على الوسطية في مناهج التعليم والجامعات والمعاهد العلمية في مختلف أنحاء العالم، وإعداد كتاب إرشادي يعرف مفهوم الوسطية في الإسلام ويحدده من مختلف جوانبه ويصحح الالتباسات والشبهات التي باتت تحجب المعرفة وتعميمه على المدارس المعاهد، والكليات كمادة ثقافية.

كما طالبت الندوة بإعداد كتيبات يقوم بتأليفها نخبة من العلماء لشرح مفاهيم الوسطية من جهة والفكر المتطرف والإرهاب من جهة أخرى، مع إبراز الآليات المناسبة لتفعيل الوسطية كمفهوم يعالج هذه الظواهر السلبية، وكذلك إعداد برامج للدعوة الإسلامية تركز على مفاهيم الوسطية والرحمة نحو المعرفة الحقيقية بالإسلام.

وشدد المشاركون على أهمية تكثيف البرامج الإعلامية التي تعرف بوسطية الإسلام ومرونته بما يتناسب مع معالجة القضايا المعاصرة في مختلف المواقع الجغرافية والمناخات الثقافية، وكذلك تكثيف جهود التعريف بالإسلام ومبادئه وشرح وسطيته وفقاً لمفاهيم واضحة ومحددة عن طريق المؤتمرات والندوات ونشر المكتبات العلمية والثقافية، واستخدام الإنترنت لبث هذه الأعمال، ونشر رسائل مركزة على الوسطية في الإسلام بأقلام كبار العلماء بمختلف اللغات.

كما طالب المشاركون في توصياتهم الختامية بضرورة تعزيز التعاون الدولي للقضاء على ظاهرة الإرهاب عن طريق تفعيل العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والإعلامية بين مختلف دول العالم، والعمل على تطبيق قرارات الأمم المتحدة بتحديد نسبة من دخول الدول الغنية للدول النامية، مؤكدين على ضرورة حسم المنازعات التي تدور في العالم بشكل عام وتجنب الازدواجية، والكيل بمكيالين من قبل الدول الكبرى في حل هذه المشكلات.

القاهرة: وكالة الصحافة العربية