افتتحت أمس بمكتب شؤون الإعلام في أبوظبي أعمال الندوة العلمية المتخصصة حول استخراج المياه العذبة من أعماق البحر والتي تقام تحت رعاية سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء.
شارك في الندوة نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين في مقدمتهم فريق البحث الفرنسي المكون من بيير بيكر رئيس مجلس إدارة شركة جيو أوشن وتيري كارلن ومايكل بيكر.وألقى المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء محمد خليفة المرر كلمة المكتب في افتتاح الندوة أكد فيها أن البشرية تعاني حاليا من ندرة في مصادر المياه حيث أدت هذه الحضارة المعاصرة إلى حدوث انفجار ديمغرافي هائل شمل الكرة الأرضية كلها وانعكس ذلك بشكل سلبي على الطبيعة .
وعلى مصادر المياه فيها فجف الكثير من الأنهار والينابيع وتلوث ما بقي منها وباتت المياه العذبة شيئا نادرا في الأرض وهو ما دفع البشرية إلى رحلة البحث عن مصادر المياه لإرواء العطش المتزايد في كل مكان.
وقال إن الإنسان عرف منذ القدم أن البحر يحتوي على كثير من الأنهار والينابيع العذبة لكن أحدا لم يستطع الوصول إلى طريقة لاستخراج هذه المياه والاستفادة منها، إلا أن فريقاً من العلماء الفرنسيين المتخصصين قرر المثابرة والعمل الدؤوب من أجل تحقيق هذا الحلم وذلك من خلال استخراج مياه ينبوع عذب متدفق في أعماق البحر الأبيض المتوسط وتحديدا في المياه الإقليمية الايطالية.
وأشار إلى أن هذه الندوة سوف تتناول هذه التقنية الجديدة وآفاقها المستقبلية على مستوى العالم كله، معربا عن أمله في أن تنتشر هذه التقنية في كل مكان ولاسيما في المنطقة العربية التي تعاني شحا مزمنا بمصادر المياه العذبة.
وبدأت أعمال الندوة بعرض مصور قدمه الباحثون الفرنسيون حول أعمالهم وأبحاثهم في مجالات البحار والغطس وأعمال تكنولوجيا الأرض للكشف عن المياه واستغلالها في ينابيع المياه العذبة في أعماق البحار.
وبين الباحثون المشاركون في الندوة أن الماء أضحى اليوم واحدا من القضايا الكبرى التي تشغل بال البشرية جمعاء بفعل النقص الكبير في مصادر المياه العذبة مع النمو الديمغرافي الهائل والزيادة الكبيرة في نسبة التحضر وتزايد حاجات الرفاهية الإنسانية..
مشيرين إلى أنه في حين كان التمييز جلياً بين مجموعات سكنية ذات حظوة وأخرى مغبونة مائيا ممكنا في السابق فإننا اليوم نلاحظ تقلصا في الفارق ذلك أن الأزمة المائية سواء كميا أو نوعيا تفاقمت بالنسبة إلى الجميع بشكل عام.
وأكد الفريق العلمي أن تعبئة الجهود الدولية قد أعادت الانشغال بالقضايا البيئية إلى قلب مفهوم التنمية المستدامة الذي يحمل في طيه وبشكل طبيعي قضية الموارد المائية لكنهم نبهوا إلى أن الحلول المقدمة لمواجهة أشكال العوز المائي الذي يتفاقم باستمرار غالبا لا تؤدي الغرض ولا تفي بالحاجة المتزايدة باطراد كما أن الحلول البديلة التي اصطلح على تسميتها بـ «غير التقليدية» غالباً ما تظل تكلفتها باهظة.
وأشار المشاركون في الندوة إلى أهمية تسخير وسائل التطور التكنولوجي الهائل في عصرنا الحاضر لإيجاد حل لهذا التحدي البشري الكبير منوهين في هذا الصدد بما تم التوصل إليه من أساليب وتقنيات جديدة لاكتشاف مياه عذبة في أعماق البحار واختراع طريقة بتقنية الحقن الهوائي لاستخراج هذه الينابيع الفوارة تحت البحر بكلفة أقل كثيرا من تحلية المياه أو نقلها عبر مسافات بعيدة. وتناولت الندوة ظاهرة الدورة المائية وكيفية تكون المياه العذبة في قاع البحار وإمكانية تتبعها حتى خروجها تحت البحر.
بعد ذلك تحدث الباحثون مستعينين بالعرض التصويري عن الطريقة المتبعة لتحديد مواقع الينابيع تحت البحر.. مشيرين إلى أنها تنقسم إلى عمليات بحث متعددة تشمل إعداد وصف تاريخي وجيولوجي لتحديد ما إذا كانت التضاريس وبنية التربة ملائمة لانبثاق ينبوع تحت البحر تتبعها المعاينة الجوية فوق المناطق المحددة مسبقا لالتقاط الصورة اللازمة بالأشعة تحت الحمراء وبالأقمار الاصطناعية بغرض تحديد الفوارق الحرارية على سطح البحر بين المياه العذبة ومياه البحر.
كما تستخدم صور ثلاثية الأبعاد لقاع البحر لأنها تساعد على استيعاب البنية الجيولوجية للمنطقة بشكل أفضل ومن ثم دراسة البقع الحرارية التي سبق اكتشافها بتقنيات متطورة لتحديد أي منها تطابق وجود ينابيع كامنة.
وأوضح الباحثون أنه عند تحديد مركز الينبوع هناك حاجة لدراسة سلوكه على مدى ستة أشهر على الأقل من خلال وضع نظام مكون من أجهزة لقياس المصادر فوق كل ينبوع لتسجيل التدفق والملوحة والكمية لتحليلها موضحا بالصور آلية استخراج المياه العذبة. وذكر الباحثون أن هذه التقنية لا تستعمل أي نوع من أنواع الطاقة المسببة للتلوث.
وهي تتمثل في مد قناة مزودة بقاعدة مثبتة في قاع البحر حيث تسد موضع الينبوع ومتصلة في الطرف الآخر بفقاعة تسمح بتحصيل المياه المستمدة من النبع ويكمن الهدف من هذه التقنية في تحويل المياه العذبة عبر القناة مع مراقبة موضع النبع وبالفعل فإن الماء يصعد طبيعيا عبر القناة ليتجمع في «الفقاعة».
وقال الباحثون انه بفعل تقنية الحقن الهوائي يمكن تفادي اختلاط ماء النبع بماء البحر كما يمكن تدبير الانقطاعات المحتملة أثناء حدوث فيضانات.
وأوضح الباحثون أنه وبالنظر إلى الرهانات التي يستتبعها اختراع من هذا القبيل لا يستند إلى أي شكل من أشكال الطاقة الخارجية فإن هذه التكنولوجيا تكون حتما موضوع حماية قانونية ومن ثم فإن تفصيل عملية ضبط العوامل الطبيعية هذه لا يمكن الكشف عنه إلا جزئياً بالنظر إلى شهادات الاختراع المصرح بها.
وأشار الباحثون إلى أنه سبق أن تم اختبار جدوى الطريقة الفنية على السواحل الايطالية وقد أتت نتائج هذه التجربة الأولى ثمارها حيث تم استخراج المياه الجوفية بالمنطقة والتي ظلت تحت الأرض لمدة «16» ألف عام.
واعتبر الباحثون أن الكشف عن المياه العذبة في البحار واستخراجها على نطاق واسع بتكاليف معقولة تحترم الوسط البحري قد يشكل نقلة نوعية في حل إشكال النقص المتزايد في المياه على مستوى العالم..
مشيرين إلى أن هناك مئة مليار متر مكعب من المياه تتسرب في الأرض وتسهم في تكوين مصادر المياه العذبة في البحار ومن شأن استخراجها أن يضاعف حجم إنتاج العالم من المياه ويساهم في حل مشكل المياه التي تعاني منها مناطق شاسعة عبر العالم وفي مقدمتها المنطقة العربية التي يغلب عليها الطابع الصحراوي.
ولفت الباحثون إلى أن هذه التكنولوجيا لا تتيح الحصول فحسب على مورد جديد للتزود بالماء بل إنها فضلاً عن ذلك تسهم في تنمية البلدان المعنية بالتمكين من اكتشاف موارد مائية جديدة ثم بإتاحة تعبئة هذه الموارد بتيسير الحصول عليها بأثمان مقبولة وفضلاً عن هذا وذاك بالتمكين من استغلال هذه الموارد مع احترام البيئة احتراماً تاماً.
ونبه الباحثون خلال الندوة إلى أن العالم سيواجه أزمة حادة في إمدادات المياه إذ سيطال نقص الماء الحالي الذي يعاني منه ثلث سكان العالم نحو «90» بالمئة من سكان الأرض خلال العقدين المقبلين.
ورأى الخبراء الفرنسيون أن الماء يجب أن يشكل مدخلا لتعاون الدول وتكاتفها من أجل إيجاد مصادر جديدة ولتقاسم المياه وليس إلى الحروب أو النزاعات. وشدد الفريق العلمي على أهمية التعرف على نتائج الأبحاث العلمية في هذا الميدان خاصة عمليات إدارة المياه حيث تحصل تغييرات كبيرة نتيجة الخبرة الجديدة والتطور الكبير في هذا المجال.
وأكد الخبراء أهمية استمرار البحث والعمل الدؤوب لإيجاد طرق لاستخراج المياه من أعماق البحار وبتكلفة قليلة.. واصفين ما توصلوا إليه بأنه خطوة على الطريق.

