يمثل التعليم العالي في أي بلد الأداة الرئيسية لتحقيق التنمية الشاملة ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي المطرد. وهذا القطاع الحيوي لحاضر الدولة ومستقبلها يشهد حاليا في الإمارات زيادة في عدد الجامعات والمعاهد الخاصة في الدولة.

ويحتم هذا النمو في القطاع التعليمي الخاص وقفة للنظر في أبعاده التنموية تربويا واقتصاديا واجتماعيا لاسيما انعكاساته المستقبلية على التعليم العام ومستوى التعليم عموما. فهو يطرح إشكاليات تتعلق بقضايا الاعتماد المؤسسي والأكاديمي وضبط الجودة ويلامس قضايا تخص الهوية الوطنية، بالإضافة إلى مواضيع تتعلق بمدى ملاءمة مخرجاته لمتطلبات سوق العمل وغيرها من الأمور.

في الحلقة الأولى من الندوة التي نظمتها وحدة الدراسات في «البيان» تحت عنوان «التعليم العالي في دولة الإمارات..بين الحكومي والخاص» جرى التأكيد على أهمية التخطيط الاقتصادي والنهوض بالتعليم العام ودعم البحوث وإشراك المؤسسات الإنتاجية في عملية التعليم.

وفي الحلقة الثانية جرى التطرق لمواضيع الاعتماد الأكاديمي ومخرجات التعليم المطلوبة في ظل واقع التركيبة السكانية واحتياجات سوق العمل وأهمية الحفاظ على الهوية الوطنية.

وننشر اليوم الحلقة الثالثة قبل الأخيرة من الندوة.

* د. محمد عبد الله المطوع: من المفترض ان تدرس مادة مجتمع الإمارات في الجامعات الخاصة سواء بالعربية أو الإنجليزية على غرار ما يحصل في كل من كلية دبي الجامعية وجامعة الإمارات.

* د. إبراهيم قرفال: توجد مادة عن مجتمع الإمارات في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا وما زالت تدرس إلى اليوم.

د. أحمد سيف بالحصا:

نتمنى على وزارة التعليم العالي، طالما هي من يرخص للجامعات ويشرف عليها التأكد من تطبيق هذا الأمر. وأرى ان يكون هناك كتاب باللغة العربية أو بالانجليزية يدرس للأجانب. تماما كما ندرس عن تاريخهم حروبهم وعاداتهم من المفترض ان نعلمهم عن بلدنا.

معايير لكل كلية

انتقل إلى نقطة أخرى وهي المعايير، اليوم لا يمكن ان نقول ان للجامعة معايير خاصة بها في كل شيء، هناك معايير خاصة بكل كلية. ونحن سعينا إلى ان يكون لنا اعتراف دولي من قبل الاتحادات الأميركية في كل كلية. وأتمنى ان تكون لدينا معايير دقيقة وواضحة لبرامجنا الخاصة من وزارة التعليم العالي.

كما أتمنى أن تكون هناك مرونة في المعايير لدى الوزارة ليس للترخيص للكلية أو للجامعة فحسب إنما أيضا لكل التخصصات، وأن تقوم الوزارة بوضع معايير قياسية تستطيع أي مؤسسة أن تزيد عليها إن شاءت لكن لا يجوز ان تنقص عنها، لأننا نبغي التميز في عملنا والنجاح لخريجينا، ولا نريد ان يأتينا أساتذة من جامعات، ولا أريد التقليل من قدرهم، من حاملي الشهادات التي أستغرب كيفية حصولهم عليها.

نأتي إلى الذين يدرسون لدينا في الإمارات، اليوم أصبح البلد مفتوحا ولدينا اتفاقيات مع دول مختلفة ستفتح أمامنا أبوابا جديدة. اتفاقيات المناطق الحرة وغيرها من الاتفاقيات الاقتصادية التي تقام فيما بيننا ستفتح مجالات في التعليم والخدمات الأخرى إلى جانب التجارة بالسلع.

في ما يتعلق بالتعليم لا بد من ان تكون وزارة التعليم العالي معنية في كيفية معالجة قضايا التعليم في ظل هذه الاتفاقيات. لنقل غدا مثلا وقعنا اتفاقية مع أميركا، على سبيل المثال، يصبح من حق المستثمرين الأميركيين فتح جامعات لدينا ولا قدرة لنا على الاعتراض على ذلك، وفي المقابل، نحن كمستثمرين إماراتيين لن نقدر على فتح جامعات في أميركا لأن القانون الفلاني لهذه الولاية لا يسمح .

وأنا كحكومة اتحادية وقعت على اتفاقية تضمن التعامل بالمثل. في دولة الإمارات، القانون الاتحادي يقدم على قانون الإمارة، لكن في أميركا قانون الولاية يعلو على القانون الاتحادي. وهذه إشكالية بالنسبة لنا.

* علي شحيمي: الملاحظ ان هناك فرقا كبيرا بين الترخيص والاعتماد الأكاديمي لأي مؤسسة تعليمية. والحاصل ان الكثير من المؤسسات التعليمية والجامعات في الدولة حاليا - وهناك المئات منها - مرخص له فقط وليس معتمدا أكاديميا. على المستوى الاقتصادي تمثل هذه إشكالية إذ كيف تستطيع جهات العمل المختلفة ان تفرق بين خريج جامعة وأخرى.

* سيف المزروعي: هذه الجامعات مرخص لها من الحكومة المحلية أم من وزارة التعليم العالي ؟

* علي شحيمي: الترخيص محلي، لأن ترخيص وزارة التعليم العالي هو الخطوة الأولى للصلاحية الأكاديمية وللاعتماد النهائي. المشكلة ان سوق العمل الذي نتكلم عنه الآن في ظل الانجازات الاقتصادية الهائلة التي تجري حاليا والمخطط لها في المستقبل في دولة الإمارات العربية المتحدة، هل بإمكان هذا السوق ان يميز الطالب المتخرج من مؤسسة تعليمية دخلت في كل مراحل الاعتماد الأكاديمي بصعوبته ومتطلباته وبالتكلفة العالية جدا للحصول عليه.

هل تستطيع مؤسسات أصحاب الأعمال ان تميز طالب هذه المؤسسة التي حصلت على اعتماد محايد من جهة أكاديمية وأن يعطيها الثقة لتوظيفه. هذه الإشكالية الكبيرة في البلد. من يستطيع التمييز بين مئات المؤسسات المنتشرة في الدولة ؟

وهنا ننتقل إلى نقطة الربح التي تكلمنا عنها. ليس عيبا ان تكون هناك مؤسسة لديها هدف ربحي، ولكن أضيف بأن المؤسسة التي لديها هوية وطنية وحافز ربحي لا غبار عليها، لأن المؤسسة التي هويتها وطنية تسعى دائما إلى ان تكون ضمن المنظومة الموجودة في البلد كوزارة التعليم العالي.

لكن المؤسسة التي تدخل الدولة وتسعى إلى الربح بغض النظر عن كل ما هو مطروح لناحية تدريس مجتمع الإمارات في الجامعة أو تدريس اللغة العربية، لا يعنيها الأمر في شيء، لأنها في النهاية تستهدف فئة معينة من الموجودين في المجتمع تريد إعطاءهم تعليم من دون غضاضة من أي جهة في الدولة.

اللائحة السوداء

المؤسسة ذات الهوية الوطنية تسعى دوما إلى أن تكون مرتبطة مع وزارة التعليم العالي. بالنسبة لنا في الجامعة الأميركية في الشارقة، صحيح أن الجامعة أميركية لكن هويتها وطنية وهي تسعى دوما لكي تكون من ضمن المنظومة الموضوعة في دولة الإمارات وتساند وزارة التعليم العالي وهيئة الاعتماد الأكاديمي بشكل كبير جدا.

ونحن لا نقبل على أنفسنا أن نرى مؤسسات تعليمية كثيرة في هذه الدولة مثلما تفضل الدكتور أحمدسيف بالحصا تمنح شهادات علمية غير صحيحة؟ وهو صاحب عمل يريد ان يحمي عمله وان يحمي اقتصاد بلده.

واعتقد ان الأستاذ سيف المزروعي بإمكانه ان يلقي بعض الضوء على هذا الموضوع، حيث تقول آخر إحصائية بان 35% من الشهادات التي تقدم تعتبر مزورة أو شهادات حصل عليها الطالب بطرق ملتوية.

* د. أحمد سيف بالحصا: لا أستطيع ان أقول عنها مزورة، بل لنقل تفتقر إلى الدقة في الدراسة، مثلا شخص يدرس داخل البلد ويحصل على شهادة الدكتوراه في اقل من سنتين، لا بد من أن يقدم هذا الشخص برنامجه إلى وزارة التعليم العالي لأخذ موافقتها أصلا قبل أن يبدأ في التطبيق.

* علي شحيمي: لكن المؤسسة التي منحته هذه الشهادة لم تأخذ الموافقة من الوزارة أصلا.

* د. محمد عبد الله المطوع: وهنا المشكلة، في كثير من الجمهوريات السابقة كانت تمنح شهادة الدكتوراه بـ 10 آلاف دولار أو حتى بمبلغ اقل من ذلك، والطالب مقيم هنا في البلد. وأيضا توجد بعض الجامعات وحتى في الولايات المتحدة الأميركية تطلب منها شهادة دكتوراه وتحصل عليها مباشرة. لقد أصبح منح الشهادات الأكاديمية عملا تجاريا Business.

كما تفضل د. أحمد سيف بالحصا، هناك العديد من الموجودين في الدولة وما أكثرهم وللأسف أصبح لديهم مشكلة تتعلق بواقع أنهم يجب ان يكونوا دكاترة وللأسف بعضهم لا ينفع لذلك. ويتحمل مسؤولية ذلك الجامعات التي تمنح مثل هذه الشهادات، وارى ان هذه الجامعات يجب وضعها على القائمة السوداء.

* د. حاتم الطاهر: أريد أن أضيف نقطة هنا. أنا أتصور أن الوزارة، مع احترامي لكل الجهود التي تبذلها، تضع أحيانا بعض الصعوبات في طريق الجامعات والعاملين فيها. وأذكر نقطتين تحديدا. لماذا لجأت بعض المؤسسات للترخيص عن طريق الإمارة أو الترخيص المحلي؟ ولماذا أنشئت قرية المعرفة؟ هذا نوع من الهروب إلى المنطقة الحرة.

صعوبات تطبيقية

وأشير إلى انه وضعت صعوبات عدة أمام العديد من الأساتذة الزملاء الذين مؤهلاتهم توازي شهادة ماجستير. فرضت وزارة التعليم العالي منذ سنوات شروطا جديدة على الجامعات، وهي ان يكون عضو هيئة التدريس حاصلا على شهادة الدكتوراه ، إلا في حالات محددة مثل تدريس مساقات السنة الأولى أو التدريس بدوام جزئي، أو التدريس في بعض الكليات التطبيقية.

نحن درسنا في بريطانيا في مرحلة الدكتوراه وكنا نجد أساتذة من حملة شهادة البكالوريوس يدرسون لأن لديهم الخبرة الكافية.وهناك الآن في الجامعات أساتذة من حملة الماجستير يعملون لأكثر من 15 سنة، وقد يكونوا أكفأ من حملة الدكتوراه في مجال التعليم. المشكلة أن ظروفا فرضت عليهم للحصول على الدكتوراه بأي وسيلة كانت.

اليوم أصبح التعليم عملا تجاريا وهناك جدل كبير حول تحوله إلى عمل ربحي أو غير ربحي، وهذا الجدل قائم حتى في الدول حيث مجانية التعليم كبريطانيا وغيرها.

لقد أصبحت تكلفة التعليم عالية جدا ولا بد من إشراك القطاع الخاص وحتى الطالب نفسه للمساهمة في العملية التعليمية. فبعد ان أصبح التعليم بهذه التكلفة العالية، كان لا بد للمؤسسات من ان تفتح فرصا ومجالات وأنشطة ربحية لكي تغطي التكلفة التعليمية خصوصا وأن الطالب وبالذات في الكليات العلمية يكلف كثيرا.

أتصور ان الكثير من المؤسسات لجأت إلى المناطق الحرة أو إلى التسجيل عن طريق الإمارة بسبب الصعوبات التي وضعتها الوزارة. وحسبما سمعت فان الوزارة فرضت شروطا جديدة مؤخرا على مقدم الطلب لفتح جامعة تقضي بان يكون رأسماله لا يقل عن 30 مليونا، وهذا أمر تعجيزي. علما انه يمكن ان يكون هناك أشخاص لديهم البرامج الجيدة والخبرة اللازمة لتقديم برامجهم بشكل جيد.

* علي شحيمي: ليس شرطا ان تكون المؤسسة مثل الجامعة الأميركية في الشارقة بميزانية تعادل مئات الملايين من الدراهم، يمكن ان تكون المؤسسة التعليمية صغيرة ولكن في المقابل يجب ان تكون هناك جهة محايدة تقر بأن هذه المؤسسة ذات مصداقية، وهذا المقصود بالاعتماد الأكاديمي.

حين تأتي وزارة التعليم العالي إلى شخص يريد تقديم شهادة ماجستير في إدارة الأعمال MBA تنظر في تكاليف هذه الشهادة وما يفترض توفيره حسب معايير الاعتماد الأكاديمي أكان ذلك في أميركا أو في أي مكان آخر. في حال عدم توفر هذه المتطلبات يتم الهروب إلى أماكن أخرى، لكن لماذا الخوف من التوجه إلى وزارة التعليم العالي للحصول على الاعتماد الأكاديمي إذا كانت هذه المتطلبات متوفرة؟

* د. حاتم الطاهر: لكن الشروط أصبحت قاسية.

* سيف المزروعي: لكن هل المطلوب من وزارة التعليم العالي، أن تضع مقاييس ومعايير متدنية لكي تسمح للمؤسسات ذات المستوى المتدني ان تحصل على الاعتماد، أم لابد من وضع معيار واحد يضمن جودة المخرجات ويضمن لدينا تعليم عال وكفء.

الآن في دول الخليج نحن أول دولة دخلت في قطاع التعليم العالي الخاص، ويعتبروننا جهة استشارية ومرجعية ونواة لهيئة الاعتماد الخليجية، وهذه ثقة نعتز بها من قبل إخواننا في دول مجلس التعاون.

* علي شحيمي: صحيح وهناك الكثير من الدول العربية ليس لديها هيئة اعتماد أكاديمي.

* سيف المزروعي: إخواننا الآن في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان بدأوا بعدنا واستفادوا من خبراتنا. وهذه ثقة كبيرة. نحن لا يمكن مع التطور ان نخفض مستوى المعايير حتى نسهل للجامعات بأن تخرج طلاب بدون ان تدفع تكاليف ذلك. هذا يعني أن أفتح مكتبا وأتعامل مع أساتذة من بعض الجامعات واسمح لطالب أن يصبح من حملة الدكتوراه دون بذل اي جهد.

* د. عبد اللطيف الطريفي: أضيف على نقطة الاعتماد الأكاديمي، تطرق الحديث من جهة إلى أن هناك مبالغة في موضوع الاعتراف الأكاديمي، ومن جهة أخرى إلى أهمية ان نواكب التطورات العالمية ونغير برامجنا وخططنا للحصول على الاعتراف الدولي، علما أن هذا الاعتراف قد لا يناسبنا أصلا أو يناسب مجتمعاتنا.

معايير الاعتماد الموضوعة في وزارة التعليم العالي مقبولة بدون شك وتأخذ بالحسبان طبيعة المجتمع وحاجاته والبيئة المناسبة، فالحديث عن وجود مبالغة زائد عن حده.

أهمية التسويق

وأرى انه لا بد ان يكون هناك نوع من التوعية بما لدينا على مستوى مؤسسات المجتمع، لأنه لا يوجد توعية. فجامعة الإمارات هي من ضمن الكليات المعترف بها على مستوى العالم ويجب أن أركز على التوعية بذلك، وان أقول للناس ان كلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة هي أول مؤسسة خارج أميركا تحصل على هذا النوع من الاعتراف.

إذا هناك نقص في التوعية على مستوى مؤسسات العمل، ولا بد من الاعتراف أيضا في المقابل بأنه تنقصنا المهارات. كما يجب ان نمزج بين أمرين، الاعتراف أمر ضروري وجيد لكن أن لا يطغي على حساب برامجنا.

ولنركز على مخرجات التعليم، ليس مفروض توفير كل التخصصات المطلوبة في سوق العمل. وهناك بعض المؤسسات بينها مؤسسات حكومية نراها تتجه إلى توفير تخصصات لسوق العمل هي تخصصات مهنية، في حين يمكن توفير حاجة كل مواطن في هذا البلد من خلال إكسابه المهارات القيادية ليصبح بمستطاعه في يوم من الأيام ان يتدرج في المناصب الإدارية ويكون مسؤولا في جهة معينة سواء في القطاع الخاص أو الحكومي،.

وهذا ما أعتقد يجب ان نركز عليه بالنسبة للمواطن لأننا قلة ويجب ان لا ننجرف وراء التخصصات الفنية البسيطة مثل فني ميكانيكي أو أعمال إدارية متواضعة لأنها لا تلبي حاجتنا ولا تتطور قدراتنا. وللأسف هناك بعض الكليات تعطي هذه التخصصات التي تكلمت عنها.

د. محمد عبد الله المطوع: لكن لا ننسى أنه لدينا 30 ألف مواطن عاطل عن العمل ومنهم خريجو جامعات، لدى طالبة متخرجة من كلية الهندسة ولا تستطيع ان تحصل على وظيفة، وهي من طلبة جامعة الإمارات. وبالتالي، عندما أتكلم عن سوق العمل اسأل أيضا لماذا برزت عندنا هذه الظاهرة، عدد العاطلين عن العمل 15% .

وخلال سنوات قد يصبح عددهم 50 ألف عاطل عن العمل. هذه إشكالية، وفي ظل وجود كل هذه الجامعات وتزايدها إلى 32 جامعة وواقع التنمية الاقتصادية في البلد، من المتوقع أن يزداد الخلل في عدد المواطنين وقد نصل إلى نسبة 5% من عدد السكان إذا لم نكن قد وصلنا بعد.

وبالتالي مخرجاتنا من الضروري العمل على تحسينها. جامعة الإمارات لها ربع قرن، كم خطة وضعت لتطويرها؟ حوالي العشر. يأتي مدير يضع خطة ولا تستمر.

ومن المهم جدا على المؤسسات الحكومية كجامعة الإمارات وجامعة زايد وكليات التقنية ان تعيد النظر بأوضاعها. القطاع الخاص يعرف ما يريد، والطالب الذي يتوجه إلى جامعة عجمان أو أي جامعة ثانية يدفع مالا، لكن التعليم الحكومي مجاني.

وبالتالي، أنا أعتقد ان إحدى ميزات وجود التعليم الخاص أنه شكل تحديا للجامعات الحكومية. لولا وجود القطاع الخاص كنا مازلنا نائمين على حرير.

هناك محاولات للتطوير، فأنا أعلم في جامعة الإمارات منذ 23 سنة، لكن للأسف الإشكالية الأساسية ان الطلاب يدرسون دون أن يدفعوا باستثناء القلة منهم.

وفي المقابل الطالب الذي يذهب ليدرس في المؤسسات الخاصة يشعر بالمسؤولية ولديه حوافز للدراسة، لذا أرى أهمية اعادة النظر في احتياجات السوق المحلية، وان تعيد جامعة الإمارات النظر في ما تريده من خريجيها بعد 25 سنة من قيامها.

اتفق معكم بأن النظرية السابقة قبل قيام الدولة كانت تستهدف كل التخصصات، وجميعنا يتذكر انه عندما تخرجنا في سنة 1977 كان بإمكاننا استلام عمل بسهولة حتى من هم من حملة البكالوريوس بيننا، لكن اليوم لدينا 30 ألف عاطل عن العمل، إذا ثمة إشكالية في التعليم العالي.

* د. عبد اللطيف الطريفي: أعتقد ان عدد العاطلين عن العمل مبالغ فيه. مسألة الإعداد والتدريس لها شقان، الخريج لديه شروط معينة للعمل تختلف عن الطالبة المتخرجة.

* د. محمد عبد الله المطوع: أنا أختلف معك. يوجد خريجون من حملة البكالوريوس على استعداد للعمل ككتاب، وبعضهم كفراشين في القطاع الحكومي طبعا.

* د. عبد اللطيف الطريفي: هذه قلة، إذا تكلمنا عن التخصصات المهنية كالهندسة وغيرها، طلاب جامعة الإمارات في السنة الأولى والثانية يستقطبون من قبل الجهات المختلفة.

وبرامج جامعة الإمارات كمؤسسة حكومية من أجود البرامج الموجودة في جميع التخصصات، لكننا نفتقر إلى شيء واحد ألا وهو أننا لا نسوقها بشكل جيد، ولا نضعها في حزمة لإبرازها، وأقول أن خريجينا يفتقرون إلى بعض المهارات التي قد تكون أساسية مثل اللغة الانجليزية في مجال مثل الهندسة.

* د. محمد عبد الله المطوع: فما بالك بالتخصصات والعلوم الأخرى ككلية الدراسات الاجتماعية حيث الدراسة لمساقات كاملة باللغة الانجليزية!

* د. عبد اللطيف الطريفي: هناك نقص في بعض المهارات، لكن هناك بعض المؤسسات الحكومية الأخرى تركز على المهارات وتهمل جانب المعرفة، وهذا باعتقادي أسوأ.

ما يحصل هو ان خريج المؤسسات الحكومية الأخرى عندما ينخرط في سوق العمل يقولون هذا خريج ممتاز لديه لغة إنجليزية وإلمام بكتابة التقارير، ولكنه في المقابل يفتقر إلى المعرفة، وخلال فترة بسيطة نجد خريج جامعة الإمارات يكسب هذه المهارات ويسبقه لان لديه أسس العمل والمعرفة.

المشكلة أننا مقصرون في عملية التسويق لبرامجنا.

وأريد أن أركز على انه نظرا لعدد المواطنين في الدولة علينا ان نستثمر في كل فرد في هذه الدولة استثمارا حقيقيا، بمعنى انه ليس بالضرورة ان يصبح الخريج مباشرة وكيل وزارة، لكن ان تكون لديه المؤهلات الإدارية في القطاع الخاص ويستطيع ان يتطور في عمله.

تشدد ومرونة

* د. أحمد سيف بالحصا: اليوم متطلبات المجتمع تغيرت وليس فقط سوق العمل. من يستقطب العدد الكبير من العمالة ومن الموظفين هو قطاع الأعمال. متطلبات العمل اليوم أصبحت التخصص واللغة الانجليزية والكمبيوتر ورخصة السواقة، من ليس له هذه المؤهلات لا يصلح للعمل.

وأنا كرجل أعمال أفضل أن أوظف حملة شهادات ثانوية ممن يعملون على الكمبيوتر وممن لديهم إلمام باللغة الانجليزية لكي أسير أعمالي.

فلذلك، اللغة الانجليزية فرضت نفسها في قطاع الأعمال وحتى في بعض الدوائر الحكومية، فالتخاطب اليوم باللغة الانجليزية. أما إذا أرادت الدولة أن تغير هذا الأمر وان تصدر قرارا بعدم التعامل باللغة الانجليزية في الدوائر الحكومية هذا شيء آخر، لكن ليس على مستوى قطاع الأعمال أو التعاملات مع الخارج.

العمق التعليمي مهم، وأنا أتصور ان وزارة التعليم العالي عليها ان تنظر إلى العمق التعليمي من زاوية عدد ساعات دراسة الطلبة في مجال تخصصاتهم، لأنه لا يمكن ان نقارن كليات التقنية بجامعة الإمارات، جامعة الإمارات أكثر عمقا ووعاء للعلم ولكن ما ينقصها هو المهارات واللغة والكمبيوتر.

ولذلك نجد خريجي كليات التقنية يحصلون بسرعة على أعمال في حين يعاني خريجو جامعة الإمارات حتى في مجال تخصصاتهم لأن لغتهم الانجليزية ضعيفة وهذه مشكلة في التعليم العام. وموضوع التعليم العام يحتاج ندوة خاصة.

بالنسبة للتخصصات المهنية، اليوم المجتمع يحتاج لكل التخصصات ونحن نعاني في هذا المجال. كم كلية هندسة لدينا في دولة الإمارات حاليا، وكم عدد المهندسين فيها؟

يقال ان هناك 40 ألف مهندس مسجلون في جمعية المهندسين، كم عدد المواطنين بينهم؟ قطاع الأعمال في المقاولات، على سبيل المثال، يحتاج إلى مهندسين، أنا على استعداد ان أوظف مئة مهندس من المواطنين أو غير المواطنين، فثمة حاجة إليهم في المجتمع. ونحن سألنا في بداية الحديث هل مخرجات التعليم تعطي النوع والكم الذي نحتاجه لقضية التنمية؟ وقلنا انه لا يوجد خطة أصلا.

موضوع الاعتراف العالمي، نحن طبعا نمشي مع العولمة، فطالما تمضي وزارة التعليم العالي ضمن النظام الأميركي للتعليم، من الطبيعي ان نطلب من الأميركيين الاعتراف بالكليات المتخصصة لدينا، كل كلية في مجالها. في كلية دبي الجامعية، حصلنا في كلية الإدارة على الاعتراف ويجري تقييم باقي البرامج.

وكذلك نمضي في كلية تقنية المعلومات مع الاتحاد المختص للحصول على الاعتراف، لكن أيضا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار المعايير الموضوعة من قبل وزارة التعليم العالي، لذا نعود ونكرر انه على وزارة التعليم العالي ان تأخذ بعين الاعتبار بالضرورة المتطلبات الوطنية للدولة.

وبالنسبة للاعتراف الخارجي، هناك جامعات تتجه إلى أميركا وغيرها إلى بريطانيا وهلم جرا، واعتقد انه يجب ان تكون هناك مراجعة حتى لمتطلبات الاعتراف العالمي لنرى هل تتماشى مع ما نريد وهل هي كافية؟

* د. إبراهيم قرفال: ما أراه الآن في دولة الإمارات على مستوى الاعتراف والاعتماد الأكاديمي، هو أمر نفخر به فعلا ، والدور الذي تقوم به هيئة الاعتماد عظيم جدا. واعتقد ان دولة الإمارات واعية للموضوع برمته.

وقد شاركت في أكثر من مؤتمر حضره العديد من الخبراء في مجال الاعتماد الأكاديمي من أميركا واستراليا، حيث تبين ان البرنامج المطروح في دولة الإمارات يصل إلى مستوى الدول المتقدمة، وفيه مغالاة أيضا. ولكن عزاؤنا في المغالاة هو ان اللجنة التي تحاول ان تطبق هذا البرنامج هي لجنة من الأخصائيين المتفهمين، وهم يتعاملون مع الموضوع على مستويات متدرجة.

بالفعل هناك معايير عدة يجب ان تطبق لكن اللجنة تضم أشخاصا ليسوا متشددين. هناك مرونة وهذا قد أثرى البرنامج. كما صدرت مذكرة جديدة للاعتماد الأكاديمي السنة الماضية وهذا دليل على ان هناك نوعا من التشاور والتطوير. وارى ان الصعوبة في المعايير يجب ان لا تكون مبررا لتسهيلها من أجل الحصول على شهادة دكتوراه.

ليس التعليم العالي حقا مكتسبا، والدولة ليست مسؤولة عن أن توفر شهادات الماجستير أو الدكتوراه لكل مواطن ولا حتى للمؤسسات. وبالتالي لماذا نكون ميكافليين «الغاية تبرر الوسيلة». لقد ساعدنا البرنامج في أن نفهم الكثير من الأمور التي كانت غامضة علينا، نحن كنا ندرس في المؤسسات التعليمية لكننا لسنا اختصاصيين في بناء المناهج ولا في الاعتماد الأكاديمي.