أخيرا، وبعد خمسة أشهر من المخاض العسير ، رأت النور أمس أول حكومة عراقية دائمة منذ الغزو،حيث نالت الحكومة الجديدة ثقة مجلس النواب وسط اعتراض بعض نواب العرب السنة الذين غادروا الجلسة غاضبين ، فيما تعهد رئيس الوزراء نوري المالكي بمحاربة الفساد ودحر الإرهاب، رغم أن الحقائب المعنية بالتعامل مع الأوضاع الأمنية أرجئ تعيين وزراء دائمين لها.
وفي خطوة وضعت حدا لأشهر من الجمود السياسي، اقر البرلمان الحكومة العراقية برفع الأيدي عند تلاوة اسم كل وزير على حدة، بعدما عرض المالكي تشكيلة حكومته وبرنامجها أمام النواب، مشيرا إلى انه سيتولى وزارة الداخلية بالوكالة.
فيما سيتولى نائبه سلام الزوبعي وزارة الدفاع بالوكالة، ونائبه الثاني برهم صالح وزارة الدولة لشؤون الأمن الوطني بالوكالة، على أن يعين ثلاثة وزراء دائمين في الأيام المقبلة.وعرض المالكي برنامج حكومته الواقع في 34 نقطة وأقره النواب رسميا.
ويشير البرنامج في فقرة مكافحة الإرهاب إلى «نبذ العنف وإدانة منهج التكفير بشكل واضح وصريح والإرهاب بكل أشكاله، والاصطفاف لمكافحته وتطبيق قوانين مكافحة الإرهاب بشكل فعال وعبر مؤسسات القضاء ومؤسسات الدولة ذات العلاقة».
كما ينص على «تطبيق قانون 91 المتعلق بالميليشيات»، في إشارة إلى قانون لم يطبق وضع إبان حكم مجلس الحكم الانتقالي (2003-2004) ويتعلق بحل الميليشيات.
وأعربت جبهة التوافق العراقية (ابرز تكتل سني يشغل 44 مقعدا في مجلس النواب) عن تحفظها خصوصا حول البنود المتعلقة بمكافحة الإرهاب في برنامج الحكومة وقالت :
«لم تفرق بين المقاومة التي تقوم بدور بطولي من اجل تحرير العراق وأعمال العنف التي يرفضها الجميع». وكان عدد من النواب من جبهة التوافق، الائتلاف السني الرئيسي، انسحبوا من قاعة الاجتماع تعبيرا عن استيائهم من عرض تشكيلة حكومية غير مكتملة.
ومن الوزراء في الحكومة الجديدة، الشيعي المستقل حسين الشهرستاني الذي تولى وزارة النفط الإستراتيجية، ووزير الداخلية السابق بيان جبر صولاغ الذي عين وزيرا للمالية.وبقي الكردي هوشيار زيباري وزيرا للخارجية.وتضم الحكومة العديد من الوزراء الجدد، وخمس نساء مقابل سبع نساء في الحكومة السابقة. وأشار عدد من النواب إلى أن جلسة عمل ستعقد غدا الاثنين.
وفي أول تصريح يدلي به للصحافيين بعد نيل حكومته ثقة البرلمان، قال المالكي إن حكومته تواجه ثلاثة تحديات رئيسية هي الأمن والفساد الإداري والمالي والتلاعب بالمال العام والخدمات متعهداً بعدم التساهل مع من وصفهم بالمفسدين الذين يجب أن يمثلوا أمام القضاء.
وأعرب المالكي، عن أمله في أن يستعيد العراق قدرته على ضبط حدوده مع دول الجوار، مؤكداً أن «أمامنا تحديات كثيرة ومهما كانت الحكومة فإنها تظل ضعيفة من دون اصطفاف الشعب ومكوناته خلفه».
وتعهد بأن يأخذ قانون الإرهاب، الذي سبق وأن صادق البرلمان السابق عليه، طريقه إلى التطبيق «باعتباره أحد أساليب الردع».وكان المالكي وأعضاء وزارته المكونة من 37 وزيراً أدوا اليمين الدستورية أمام البرلمان، بعد نيل حكومتهم الثقة بغالبية مطلقة.
وألقى المالكي كلمة أمام البرلمان قال فيها «إن الأمن ووقف عمليات التهجير القسري وإطلاق المعتقلين من الأبرياء في مقدمة عملنا»،متعهداً بالعمل على توفير الأمن والخدمات للشعب العراقي.
من جانبه، تعهد الشهرستاني باتباع سياسة نفطية من شأنها رفع الطاقة الإنتاجية وتوفير المنتجات النفطية للعراقيين ومحاربة الفساد الإداري والمالي.وقال الشهرستاني في مؤتمر صحافي عقده في بغداد أمس:
«إن الشعب العراقي يحظى بثروة نفطية هائلة ويمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، والدستور العراقي الدائم نص على توزع هذه الثروات الطبيعية على جميع العراقيين». غير أنه لفت إلى «أن هذا الأمر لا يتحقق سريعاً ويتطلب إخلاص المخلصين وعمل أصحاب الخبرة والكفاءات مع الوزارة».
من جهته، قال وزير المالية الجديد بيان جبر بعدما أقر البرلمان تعيينه في المنصب انه سيستخدم خبرته في قطاع الاعمال للدفاع عن مصالح العراق الاقتصادية.
واضاف وزير الداخلية السابق قائلا للصحافيين عندما سئل عن أولويات سياسته :«سأعمل بكل طاقتي وخبرتي التجارية للحفاظ على أموال العراقيين».مثلما حافظ على أرواحهم عندما كان وزيرا للداخلية.ومضى قائلا :«سأكافح أيضا الفساد في إدارة وزارة المالية مثلما فعلت في الداخلية. ذلك سيكون أولوية».
وفي إطار ردود الفعل الخارجية، هنأ الرئيس الأميركي جورج بوش المالكي على نيل حكومته ثقة مجلس النواب ورحب بتشكيل الحكومة العراقية معتبرا انها «تفتح فصلا جديدا» في تاريخ العراق وتوفر «فرصة لإحراز تقدم».
وقال بوش ان «للعراقيين الآن حكومة ذات صفة دستورية كاملة، ما يختتم عملية انتقال ديمقراطي في العراق كانت صعبة ومصدر الهام في الوقت نفسه».
وأضاف في بيان أصدره البيت الأبيض «ان حكومة الوحدة هذه ذات الصفة التمثيلية الواسعة توفر فرصة جديدة لاحراز تقدم في العراق».
واعتبر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ان قيام الحكومة العراقية الجديدة يشكل «تحولا جوهريا» في العراق.
وشدد بلير في تصريح تلفزيوني أدلى به في تشيكرز مقر عطلة نهاية الأسبوع لرئيس الحكومة، على ضرورة ان تدعم الأسرة الدولية برمتها «حكومة الوحدة الحقيقية» في العراق. وأكد بلير مجددا ردا على أسئلة صحافي في شبكة «سكاي نيوز» ان الائتلاف لن ينسحب من العراق إلا بعد «إنجاز المهمة».
وفي نيويورك رحب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان بإعلان تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وهنأ قادة البلاد الجدد، وفق ما أعلن المتحدث باسمه امس.
كما هنأ أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح أمس الرئيس العراقي جلال طالباني ورئيس الوزراء نوري المالكي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة.
ومن جانبه أعرب العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في اتصال هاتفي مع طالباني عن أمله في أن يشكل حصول الحكومة الجديدة على ثقة البرلمان العراقي خطوة مهمة على طريق بناء العراق الجديد الذي يحقق طموحات شعبه في الحياة الأفضل والديمقراطية والتعددية وتعزيز وحدته الوطنية.
كما اعتبر امين عام الجامعة العربية عمرو موسى تشكيل الحكومة «خطوة على الطريق الصحيح لتحقيق الأمن والاستقرار»،فيما دعت وزيرة الخارجية البريطانية مارغريت بيكت الحكومة الجديدة إلى «اتخاذ قرارات صعبة» في مكافحة الإرهاب والتنمية الاقتصادية.وعرضت عليها أيضا «مساعدة ودعم بريطانيا المتواصلين».
كما رحبت الأمم المتحدة بتشكيل الحكومة الجديدة معربة عن أملها في أن يتم استكمالها «لكي تكون ذات قاعدة عريضة وشاملة في أسرع وقت ممكن ».
بغداد ـ «البيان» والوكالات:
