الإعلان عن وجود حالات فساد ليس بالجديد لا في وزارة العمل ولا في غيرها وان كانت هذه المسألة نسبية بين هذه المؤسسة أو تلك ولكن الجديد أن وزير العمل أعلن عن هذا الفساد ولأول مرة بصوت عال ومرتفع وهو ما لم يتوقعه أو يسمع به أو يراه احد من قبل في مجتمع لم يتعود على مثل هذه الشفافية والمواجهة بحسم مع أمراضه وعلله.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ، هل ما تم اكتشافه من حالات فساد يعني انتصاراً للوزارة وقياداتها في الإمساك بخيوط هذا الفساد؟ أم انه يعكس ويؤكد حالة من الترهل الذي يعاني منه الجهاز الحكومي بمؤسساته وأنظمته ومنها بالطبع وزارة العمل ووصل إلى هذه المرحلة الخطيرة من التسيب وانعدام الرقابة اللذين أديا إلى هذا الفساد؟

في الواقع إننا لا نعرف إذا كان هذا الكشف يحسب للوزارة أم لا خاصة أن المعلومات المتوفرة حتى الآن حول هذا الموضوع أن تلك الممارسات الفاسدة تتم منذ فترة وأن عدد ما تم اكتشافه من معاملات اقترن بفساد يقترب من مئتي حالة على مدار السنوات الماضية مرتبطة بالإعفاء من غرامات من دون وجه حق الأمر الذي يدعو إلى التساؤل . أين كان المسؤولون عندما كانت تمرر تلك المعاملات؟

مصادر بالوزارة أكدت أن تلك الممارسات تتم منذ سنوات والتي كانت تأخذ شكل محاباة ومجاملات من قبل بعض الموظفين ووصل الأمر إلى التلاعب في تقارير بنتائج منازعات عمالية لتكون في صالح أصحاب العمل على حساب العمال وهذا الجانب أكده الوزير نفسه في بداية إعلانه عن وجود محاباة في إدارة علاقات العمل من جانب بعض موظفيها في تصريحات صحافية.

وتضيف المصادر أن احد الموظفين الذين لعبوا دوراً في تلك الممارسات تم إنهاء خدماته في شهر يونيو الماضي وترك الوزارة دون أن يوجه له اتهام ولم يحاسب.

كما أن احد المتورطين زور إمضاء رئيس احد الأقسام على معاملات ولم يتخذ ضده أي إجراء من قبل قيادات الوزارة فأين كان هؤلاء طوال تلك الفترة ورئيس القسم هذا هو من اكتشف بداية خيط الفساد.

ومن هنا فانه كيف للوزارة أن تحاسب نفراً قليلاً على حالات فساد تقترف منذ فترات طويلة ولا يحاسب المسؤولون عن هؤلاء الموظفين من قمة الهرم الوظيفي حتى أسفله.

وبالتالي إذا كانت الوزارة جادة في القضاء على بؤر الفساد فانه يجب أن تطهره من منابعه سواء من اقترف ذلك بحسن أو بسوء نية ويجب أن تطال دائرة الاتهامات وتتسع لتشمل أناساً آخرين قد يرى البعض أنهم بعيدون عنها أو خارجها.

وترى المصادر انه إذا كانت حالات الفساد هذه ترتبط بإعفاء من غرامات بمبالغ قليلة فان هناك مجاملات اخطر يمكن أن تكشف عن فساد أعظم لحالات مجاملات وتمرير معاملات وانه إذا ما أراد الوزير تنظيف الوزارة منها يجب أن يتعامل مع الفساد كحالة واحدة وككل وليس على أجزاء وبالقطارة وبالإمساك فقط بموظفين صغار «غلابة» !!

موظفو الوزارة انقسموا إلى ثلاثة أقسام : الأول رافض الإعلان عن مثل هذه الحالات لما فيها من تشهير وتلويث لسمعة البعض خاصة وانه لم تكن هناك لجنة تحقيق محايدة بل كانت لجنة من قبل زملاء لما قيل عنهم إنهم فاسدون وبالتالي كان من المفترض أن تكون هناك لجنة محايدة ونزيهة ومن قبل جهة بعيدة تماما عن الوزارة وموظفيها.

القسم الآخر من موظفي الوزارة رحب بخطوة الإعلان عن الموظفين المتورطين في الفساد لرفع الاتهامات عن باقي الموظفين في عيون كل من يتعامل مع الوزارة بعد أن أعلن الوزير من قبل عن وجود حالات محاباة وصلت إلى الفساد من جانب بعض الموظفين.

ولم يعلن عنهم في حينه ومن هنا فإنهم رحبوا بتلك الخطوة التي يرون فيها تحديدا للاتهامات والمتهمين وتبعد عنهم الشبهات والريبة في أمرهم وحالة القلق التي يعيشون فيها منذ فترة طويلة عنهم.

أما القسم الثالث فطالب بفتح ملفات الفساد على مصراعيها وفي جميع الإدارات لان المحاباة والمجاملات مستشرية إذا كان الوزير جاداً بالفعل في تطهير منابع الفساد خاصة وانه ربط في البداية المحاباة والمجاملات بالفساد .

وهذه لا تزال موجودة وتزداد كل يوم ومن هنا يجب أن تشمل حملته جميع الإدارات والأقسام وفي مقدمتها الحساسة منها وان يعلن نتائج ذلك لوسائل الإعلام حتى لا يظل موظفو الوزارة متهمين في عيون الآخرين. خبراء الإدارة يؤكدون أن ما تم إعلانه ليس مجرد فساد حفنة من الموظفين إذا ما ثبت أنهم بالفعل مفسدون بقدر ما هو فساد في النظام الإداري ككل الذي يعمل منذ سنوات طويلة بعشوائية .

وتخبط من دون أسس ولا مبادئ تسيره وبلا رقابة حتى وصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن الأمر الذي يتطلب فتح جميع الملفات وألا يقتصر الأمر على صغار الموظفين وفي وزارة أو مؤسسة أو إدارة بعينها .

ممدوح عبد الحميد