أرجع الأطباء تزايد معدلات الإصابة بمرض الفشل الكلوي إلى انتشار الأمراض المزمنة بين السكان في السنوات الأخيرة لاسيما مرضي السكري وضغط الدم اللذين يتسببان في إصابة عشرات الأشخاص سنويا، مؤكدين أن تجاهل مثل هذه الأمراض وتأخر علاجها يفضيان في النهاية إلى الإصابة بالفشل الكلوي.
وشدد الأطباء على إمكانية علاج وشفاء نصف الحالات المصابة بالمرض تقريبا إذا ما تم تقديم العلاج المبكر لها والقضاء على أسباب المرض والسيطرة عليه. وطبقا لما صرح به الأطباء فإن عدد مرضى الفشل الكلوي الذين يعالجون حاليا في المستشفيات على مستوى الدولة يبلغ حوالي 800 مريض، منهم نحو 250 مريضا يتم علاجهم في مدينة الشيخ خليفة الطبية.
وتشير الإحصاءات إلى حدوث ارتفاع كبير في معدلات الإصابة بمرض الفشل الكلوي بين السكان حيث ارتفعت إلى 350 إصابة لكل مليون نسمة بينما كان هذا المعدل قبل ربع قرن تقريبا 50 إصابة لكل مليون من السكان أي زاد بمعدل 5 أضعاف.
وقلل الأطباء المختصون من أهمية العوامل الأخرى التي قد تتسبب في الإصابة بمرض الفشل الكلوي مثل التهابات الكلى والمسالك البولية والوراثة وطبيعة مياه الشرب ومضاعفات بعض الأدوية، إلا أنهم لم يستبعدوا التأثير السلبي لها على بعض المرضى.
وطالبوا بضرورة إنشاء مركز لزراعة الكلى في دولة الإمارات يقوم بتقديم خدماته في هذا المجال نظرا لاحتياج مئات المرضى المصابين بالفشل الكلوي الذين يضطرون للسفر إلى خارج الدولة لإجراء عمليات الزراعة. يشار إلى أن تكلفة عملية زراعة الكلى خارج الدولة تزيد على 30 ألف دولار، وتجرى في الولايات المتحدة الأميركية وحدها حوالي 10 آلاف عملية سنويا.
وأكد الدكتور ياسين الشحات استشاري أمراض الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية بأبوظبي ورئيس «فرع الغسيل البريتوني» بالجمعية العربية لأمراض الكلى أن أعداد مرضى الفشل الكلوي في تزايد مستمر ليس فقط على مستوى الإمارات فحسب بل على مستوى دول العالم نظراً لتزايد معدلات الإصابة بالسكري وضغط الدم المرتفع،
فهناك 50% تقريبا من الذين يعالجون بالتنقية الدموية بواسطة الأجهزة أو عن طريق الغشاء البريتوني في الدولة وهم مصابون بمرض السكري، كما أن هناك أكثر من 27% منهم يكونون مصابين بضغط الدم المرتفع.
ويضيف: لدينا في مدينة الشيخ خليفة الطبية 3 وحدات للتنقية الدموية منها وحدة بالقسم الداخلي بالمستشفى الرئيسي وتخدم المرضى المقيمين وتضم 6 ماكينات، والوحدة الثانية موجودة في مركز العيادات التخصصية وتضم 14 ماكينة،
منها اثنتان مخصصتان للأطفال والوحدة الثالثة في المبنى المركزي وتضم 24 ماكينة، ويتردد على هذه الوحدات ما يقرب من 250 مريضاً، وأكد أن الهيئة العامة للخدمات الصحية لإمارة أبوظبي وفرت أحدث أجهزة التنقية الدموية الموجودة في كبريات المستشفيات والمراكز العالمية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
وتحرص مدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي على توفير العلاج بالتنقية الدموية بأنواعها المختلفة لكل المصابين من المواطنين والوافدين مجاناً دون أي مقابل، ويؤكد الدكتور الشحات أن كل مريض يستحق العلاج بالتنقية عن طريق الأجهزة في مدينة الشيخ خليفة الطبية أو عن طريق الغسيل بالغشاء البريتوني دون أي مقابل مادي ،ووضعت الهيئة خطة متكاملة لتوفير هذه الخدمات بصورة أكثر سهولة في ظل الضمان الصحي الذي سيتم تطبيقه في إمارة أبوظبي خلال الشهور القليلة المقبلة .
برنامج زراعة الكلى
وقد أولت الإمارات مشكلة مرض الفشل الكلوي أهمية خاصة منذ فترة طويلة، فقد صدر القانون رقم (15) لسنة 1993 الذي ينظم عملية زراعة الأعضاء في الدولة ويسمح بالتبرع بالأعضاء من الأحياء وكذلك التبرع بعد الوفاة وفق ضوابط وشروط محددة تحفظ حياة المتبرع الحي وكذلك تشترط موافقة المتبرع أو ذويه بعد وفاته.
وقد أنشئ في مطلع التسعينات مركز زراعة الكلى في مستشفى المفرق في أبوظبي وتم فيه إجراء نحو 80 عملية جراحية ناجحة لزراعة الكلى، غير أن البرنامج تباطأ بعد بضع سنوات من إنشائه وما لبث أن اختفى نهائياً ربما لأسباب تعود إلى ضعف التمويل اللازم له وقلة عدد المتبرعين خاصة ان ميزانية وزارة الصحة التي كانت تشرف على المركز وقتئذ كانت تعاني في تلك الفترة من ضعف مصادر التمويل.
ويتبع برنامج زراعة الكلى بالدولة فرصا جيدة لتنمية برامج أخرى مثل زراعة الكبد وخلاياه وزراعة نخاع العظام والبنكرياس في ضوء امتلاك الإمارات خبرات بشرية وفنية تؤهلها لأن تخطو خطوات كبيرة في مجال زراعة الأعضاء.
ويعرف الدكتور رياض موسى الشماع استشاري أمراض الباطنية في مستشفى الأهلي بأبوظبي مرض الفشل الكلوي بقوله : الفشل الكلوي بصفة عامة هو حدوث قصور في عمل الكلى ووظائفها مما يؤدي إلى اختلال عام في جسم الإنسان، في معظم حالات الفشل الكلوي المزمن، وأيا كانت أسباب الإصابة فهي ناتجة عن تعطل عدد كبير من النفرون وهي (وحدة عمل الكلى) والباقي لا يكفي لقيام الكلى بعملها فيحدث المرض.
وحول أعراض المرض يشير إلى أن المريض قد لا يشعر بأي أعراض لفترة طويلة إلا أن هناك أعراضاً يمكن ملاحظتها مثل الشعور بالتعب والإرهاق الجسدي والذهني وقلة الشهية للطعام وصعوبة التنفس والضعف الجنسي وكثرة التبول ووجود آلام ودم أثناء التبول.
ويقول يوجد نوعان من الفشل الكلوي ، النوع الأول الفشل الكلوي الحاد والثاني الفشل الكلوي المزمن ،وكلاهما يتسببان في حدوث قصور في وظائف الكلى، ويظهر الفشل الحاد بسرعة نتيجة أسباب عدة قد لا تكون الكلى طرفا فيها،إلا أنه في كثير من الأحيان وبنسبة شفاء 70 % تقريبا يتمـ تدارك وعلاج الفشل الكلوي الحاد ويعود المريض الى حالته الطبيعية خلال أيام وينتج هذا القصور في الحالات التي تقل فيها التروية الدموية وينخفض فيها ضغط الدم مثل حالات الحروق الشديدة وإصابات الحوادث والجلطات وغيرها .
أما الفشل الكلوي المزمن فينتج عن إصابة الكلية نفسها لفترة طويلة من الزمن دون علاج أو تجمع عوامل خطورة المرض مثل الضغط المرتفع والسكري والالتهابات المزمنة في الكلية.
ويشير إلى أن عملية التنقية الدموية باستخدام ماكينة الغسيل الكلوي هي الطريقة الأكثر شيوعا على مستوى العالم نظرا لكفاءتها العالية في التخلص من السموم المتراكمة في الجسم وتتم من 23 مرات أسبوعيا،حيث يظل المريض من 45 ساعات و تتم هذه الطريقة بإخراج دم المريض من جسمه وتمريره عبر الجهاز الذي يقوم بتنقيته ومن ثم إعادته إلى الجسم مرة أخرى بعد مروره بفلترات خاصة لتنقية الدم داخل الماكينة.
ويشجع الدكتور ياسين الشحات طريقة التنقية باستخدام الغشاء البريتوني.. ويقول انه على الرغم من قدم هذه الطريقة وكفاءتها واستخدامها على نطاق واسع في معظم دول العالم إلا أنها قليلة الاستعمال في دول الخليج لأنها تتيح للمريض إمكانية إجرائها في المنزل وتؤدي إلى نفس التنقية .
وفي هذه الطريقة يتم غرز قسطرة خاصة في أسفل البطن بالتخدير الموضعي ، ويتم من خلالها تسريب لتر أو لترين من محلول التنقية إلى تجويف البطن ويترك لمدة 5 ساعات تقريبا ونتيجة لفرق التركيز بين المحلول والدم حيث تنفذ المواد السامة إلى السائل من خلال الشعيرات الدموية الموجودة في جوف البطن (في غشاء البيرتون) ومن ثم يصرف السائل إلى الخارج وتتكرر هذه العملية عدة مرات في اليوم .
ويشير إلى أن مدينة الشيخ خليفة الطبية تتابع حوالي 29 مريضاً يقومون بالتنقية باستخدام هذه الطريقة. من جانبه يشير الدكتور تامر عادل فلفلة استشاري جراحة المسالك البولية في مستشفي السلامة بأبوظبي أهمية الحرص على المتابعة الدورية من قبل المصابين بمرض السكري وضغط الدم.
ويؤكد على أهمية التوعية بالمرض موضحاً أن الكلية بهذا الحجم الصغير عندما يصلها الدم من الشريان الأبهر عند وصوله إلى البطن عن طريق الشريان الكلوي يتفرق داخل الكلية في أوعية صغيرة، وهذه الأوعية قد تصغر حتى تصل في دقتها إلى سماكة الشعرة فتسمى الشعيرات الدموية،
ويدخل الدم في مرشحات خاصة حيث تتم تنقيته بدقة متناهية فتقدم هذه المرشحات بعزل البول والفضلات الأخرى في أوعية تكبر بالتدريج إلى أن تصب في حوض الكلية لتصل بعد ذلك للحالب وهو أنبوب متصل بين الكلية والمثانة بحيث يصل البول للمثانة وأثناء جريان البول في هذه الأوعية الصغيرة
وحتى وصوله إلى حوض الكلية تتم عليه عمليات تعديل لتكوينه من إفراز مواد أخرى حيث إن هذه الأوعية ليست صماء بل هي أوعية مبطنة بخلايا تعمل باستمرار لتقوم بمهام امتصاص وإفراز للفضلات وتعديل تركيزها حتى تصل إلى درجة البول العادي فيما يجري الدم النقي في اتجاهات أخرى.
ويقول إن وظيفة الكليتين هي المحافظة على المقادير الصحيحة من الماء والأملاح المعدنية والعناصر الغذائية والأحماض داخل الجسم، والتخلص من أي مواد إخراجية مثل اليوريا أو البولينا فالكلية تحتفظ بالتوازن أولاً عن طريق ترشيح أغلب هذه المواد وتنقية الدم منها، ثم بعد ذلك تحتفظ بداخل الدم فقط بما يحتاجها الجسم أما بقية الفضلات فتخرج مع البول.
وفي رأس الخيمة يقول عبدالله بالحن الشحي مدير مستشفى إبراهيم عبيد الله إن عدد الحالات المصابة بمرض الفشل الكلوي المسجلة حسب آخر إحصائية بالمستشفى بلغ 60 حالة بينها 36 من الرجال «18 مواطناً و18 وافداً» و24 من النساء «20 مواطنة و4 وافدات»، ويتلقى المرضى ثلاث جلسات أسبوعية لإجراء عملية الغسيل بنظام التناوب.
وأشار بالحن إلى وجود 15 جهازاً لغسيل الكلى في المستشفى يتراوح سعر الجهاز الواحد من 80 ألفاً إلى 100 ألف درهم.ويؤكد بالحن الشحي أن المواطنين المرضى يتلقون جميع مراحل العلاج مجاناً، كما يحظى الوافدون بالغسيل المجاني للكلى عدا تكلفة الأدوية والأمراض المصاحبة.
السكري والضغط يسببان الفشل الكلوي
الدكتور أسامة محمد الزين استشاري أمراض باطنية والكلى بمستشفى إبراهيم عبيد الله برأس الخيمة يقول: إن من أكثر أسباب الفشل الكلوي سواء في الإمارات أو العالم هما السكري وارتفاع ضغط الدم، ويوضح الدكتور أسامة أن المرض في مرحلة مبكرة يؤدي إلى اضطراب في وظائف الكلى، وهدف العلاج هو المحافظة على وظائف الكلى والحد من تطور المرض حتى لا يتحول إلى فشل كلوي مزمن، ويتم في المراحل الأولى العلاج بالأدوية للمحافظة على مستوى الضغط والسكري.
ويواصل الدكتور أسامة الزين شرحه لهذا المرض قائلاً: عندما يصل المريض إلى فشل كلوي مزمن تام، أي إلى مرحلة متقدمة يُعالج بواسطة الغسيل الدموي المتكرر، وهو ليس غسيلاً للكلى كما هو شائع من خلال المسمى المتداول، ولكنه عبارة عن تصفية الدم بالتخلص من كميات المياه الزائدة في الجسم، ويقوم جهاز الغسيل بهذه المهمة.
علاج تعويضي
وعلى هذا الأساس تسمى هذه العملية بالغسيل الدموي المتكرر، أو ما يطلق عليه طبياً «الديلزه ـ Daialysis»، وهو علاج تعويضي عن وظائف الكلى التي فقدت وتظل مدى الحياة والعلاج يكمن في إجراء عملية الغسيل ثلاث مرات أسبوعياً.
ويوضح الدكتور أسامة أن العلاج يستمر مدى الحياة على هذا المنوال، إلا في حالة زراعة كلية، وهو الخيار الثاني للعلاج والذي من المفترض أن يكون الخيار الأول، ولكن السبب في ذلك هو وجود صعوبات تتعلق بالحصول على كلى للتبرع.
ويضيف الدكتور أسامة أنه في حالة الزراعة تعود وظائف الكلية إلى طبيعتها، إذا كانت العملية ناجحة وبشرط وجود انسجام بين جسم المريض وكلية المتبرع وبعد زراعة الكلية يستمر المريض بتناول أدوية تكون مهمتها تثبيط المناعة في الجسم حتى لا يقوم برفض الكلية ويستعمل المريض هذه الأدوية مدى الحياة.
نسبة المرض مرتفعة
وعما إذا كان مرض الفشل الكلوي يعتبر ظاهرة أم لا يقول استشاري أمراض الكلى والباطنية بمستشفى عبيد الله برأس الخيمة ان المرض لا يمكن أن نطلق عليه ظاهرة، ولكن نستطيع القول إن نسبته مرتفعة على مستوى العالم، وللمرض حالتان، الأولى حادة مؤقتة، وهناك نسبة كبيرة من مرضى هذه الحالة، تتحسن صحتهم وتعود إليهم وظائف الكلى بشكل طبيعي بعد الاستمرار والمواظبة على العلاج. أما الحالة الثانية فهي مزمنة وهي النسبة الأكبر جرّاء داءَيْ السكري وارتفاع ضغط الدم.
تكاليف مرتفعة
ويشير الدكتور الزين إلى أن نسبة الفشل الكلوي تزايدت، خاصة خلال العشر سنوات الماضية، ويؤكد أن علاج المرض مكلف جداً لأي دولة، لأن مراحل الغسيل والزراعة تتطلب تكاليف مادية مرتفعة.
وعن كيفية الوقاية من هذا المرض فهي، كما يقول، الدكتور الزين تكمن في العلاج المبكر للمصابين بارتفاع ضغط الدم والسكري ويجب إتباع نظام الفحص الدوري للمريض وحتى الشخص السليم، للتأكد من عدم إصابته بهذين الداءين اللذين إذا أُهملا فإنهما يمكن أن يتسببا في الإصابة بالفشل الكلوي.
السمنة والفشل الكلوي
وتطرق الدكتور أسامة إلى حقيقة مهمة حول السمنة، وقال إنها داء له علاقة غير مباشرة بالفشل الكلوي، حيث إن داء السمنة يتسبب في الإصابة بدائي ارتفاع ضغط الدم والسكري اللذين يؤديان بدورهما إلى الفشل الكلوي.
تحقيق ـ مصطفى خليفة ووليد الشحي



