كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم»؟ ومن أظهر ظواهر قسوة القلب في السلوك ظلم الآخرين في حقوقهم فهو آفة من شر الآفات يترتب عليها هلاك الإنسان لذلك فالقرآن الكريم تحدث عن الظلم والظالمين والعقوبات التي أعدها في آيات كثيرة جداً وأولى هذه الظاهرة السلوكية التي ترافق في معظم أحوالها قسوة القلب وجفاف الرحمة منه اهتماماً شديداً بغيرة التحذير منها واتخاذ الوسائل لمعالجتها.
ونتيجة لآثار الظلم وعواقبه التي تنعكس على الفرد والمجتمع كان هناك أناس يدعون إلى رفع الظلم عن المظلومين والأخذ على أيدي الظالمين في كل زمان ومكان لأنه لا يتم أمن ولا استقرار في مجتمع من المجتمعات يسود فيه الظلم والقسوة.
ففي الجاهلية انبرى أناس من العرب ليرفعوا الظلم فتحالفوا وتآزروا واجتمعوا لنصرة المظلومين وعزموا على ان لا يبقى في مكة مظلوم وعقدوا حلفاً سمي (حلف الفضول) وقد حضره الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة وهذا الحلف وقع إثر حرب الفجار حيث دعت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم وبنو المطلب وأسد بن عبد العزى وزهر بن كلاب
وتميم بن مرة فاجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان التميمي لسنه وشرفه فتعاقدوا وتعاهدوا على ان لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد إليه مظلمته وقد شهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: «لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما أحب ان لي به حمر النعم ولو ادعى به في الإسلام لأجبت».
وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت تثيرها العصبية المقيتة ويقال في سبب هذا الحلف: أن رجلاً من زبيد قدم مكة ببضاعة واشتراها منه العاص بن وائل السهمي وحبس عنه حقه فاستعدى عليه الأحلاف عبدالدار ومخزوماً وجمحاً وسهماً وعدياً
فلم يكترثوا له فعلا الرجل الزبيدي جبل أبي قبيس ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعاً صوته فمشى في ذلك الزبير بن عبدالمطلب وقال: ما لهذا مترك حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول فقاموا إلى العاص فانتزعوا منه حق الزبيدي بعدما أبرموا الحلف».
ومع ما قام به المشركون من دعوة لنصرة المظلوم ورد الحقوق لأهلها إلا انهم اجتمعوا لظلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وظلم أصحابه وذلك ان المشركين اعتبروا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خروجاً عن السيادة التي كانوا يتمتعون بها وخلافاً لمألوفاتهم فتركوا ذلك الحلف وتحالفوا ضد الإسلام الممثل بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وعملوا على القضاء عليه
لذا جندوا أنفسهم ليقفوا أمام كل من يدخل في هذا الدين وانهالوا عليه بشتى أنواع القسوة والجفاء حتى وصل الأمر إلى ان كفار قريش أجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلموا في ذلك بني هاشم وبني المطلب ولكنهم أبوا تسليم صلى الله عليه وسلم إليهم فلما عجزت قريش عن قتله صلى الله عليه وسلم أجمعوا على منابذته ومنابذة من معه من المسلمين
ومن يحميه من بني هاشم وبني المطلب فكتبوا بذلك كتاباً تعاقدوا فيه على ان لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يدعوا سبباً من أسباب الرزق يصل إليهم ولا يقبلوا منهم صلحاً ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلم بنو المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم للقتل وعلقوا الكتاب في جوف الكعبة والتزم كفار قريش بهذا الكتاب ثلاث سنوات بدءاً من المحرم سبع من البعثة إلى السنة العاشرة منها وقيل بل استمر ذلك سنتين فقط.
ويروي ابن اسحاق: ان كتابة الصحيفة كانت بعد هجرة أصحابه صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة وبعد إسلام عمر رضي الله عنه.وحُبس بنو هاشم وبنو المطلب ومن معهم من المسلمين ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب بني المطلب، وإنما مكة شعاب متفرقة
و اجتمع فيه من بني هاشم وبني المطلب المسلمون والكافرون أما المسلمون فتدينا وأما الكافرون فحمية إلا ما كان من أبي لهب عبدالعزى بن عبدالمطلب فإنه خرج إلى قريش فظاهر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فجهد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون جهداً شديداً في هذه الأعوام الثلاثة واشتد عليهم البلاء وفي الصحيح: انهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخمط وورق الشجر.
وذكر السهيلي: انهم كانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السوق ليشتري شيئاً من الطعام يقتاته لأهله فيقوم أبو لهب فيقول: «يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئاً معكم».
فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يده شيء يعللهم به مما دفع بعض المشركين وعلى رأسهم زهير بن أمية إلى تمزيق الصحيفة.وإطلاق هؤلاء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وتركوا عبادة الأوثان وهجروا العادات والتقاليد البالية الظالمة.
هذه القطيعة الظالمة تصور قمة الشدة التي لقيها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طوال ثلاثة أعوام حيث قوطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه المسلمون عن سبيل كل معيشة اقتصادية واجتماعية مع بني قومه فلم تترك سلعة تتسلل إلى أيديهم ولم يترك طعام يدخل إلى بيوتهم حتى راحوا يأكلون ورق الشجر وهم على ذلك صابرون.
ولما توالت الصدمات والشدائد على المسلمين تركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا إلى الحبشة لعلهم يأمنوا على أرواحهم طالما باتوا في مكة مهددين بين الحين والآخر ولم يسلم حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الربيع بن أنس البكري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فلما سجد جاءه أبو جهل فوطئ عنقه فأنزل الله في سورة العلق (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى) (العلق: 9-10).
وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهاجر إليها من قبله ومن بعده أصحابه تركوا المال والأرض والممتلكات المختلفة واستقبلوا بوجوههم شطر المدينة المنورة وقد تجردوا عن كل ما يتعلق به الطامعون في المال لا يبتغون عن إيمانهم بديلاً ولا يقيمون وزناً لدنيا فاتتهم ولملك أدبر عنهم.
وها هو سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يشتد عليه البلاء وتتنوع طرق إيذائه حتى أصبح يفكر بترك وطنه وأهله وماله.
عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر مسجد بفناء داره فكان إذا صلى فيه وقرأ القرآن بكى بكاءً كثيراً فيجتمع إليه النساء والصبيان والعبيد يعجبون مما يرون من رقته وقد كان استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة حين أوذي بمكة حتى أكرمه الله عز وجل بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أوذي عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وعمار وبلال وسمية وزنيرة وغيرهم كثير ومن الذين نزع منه ماله وما يملكه «ذو النجادين» روى ابن اسحاق قال: «كان عبدالله بن فرينة «ذو النجادين» بينما هو في حجر عمه يعطيه وكان محسناً إليه فبلغ عمه انه قد تبع دين محمد صلى الله عليه وسلم فقال له: لئن فعلت وتبعت محمداً لأنزعن منك كل شيء أعطيتك
فقال: إني مسلم فنزع منه كل شيء أعطاه حتى جرده من ثوبه فأتى أمه فقطعت له نجاداً لها باثنين فاتزر نصفاً وارتدى نصفاً ثم أصبح فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أنت قال: أنا عبدالعزى فقال: بل انت ذو النجادين فالزم بابي فكان يلزم باب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يرفع صوته بالقرآن والتكبير والتسبيح فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله أمراء هو؟ قال: دعه عنك فإنه أحد الأوابين.
ولقد سطر القرآن الكريم قصة هؤلاء المظومين المغلوبين على أمرهم والذين لم يستطيعوا دفع الأذى عن أنفسهم وما حل بهم وقد آثروا ان يصبروا على أمر الله يرجون مغفرة الله عز وجل حيث وجههم النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا لأن عدد المسلمين قليل ومنهم من لا يستطيع ان يدفع عن نفسه الظلم والأذى بينما كانت فرقة من الصحابة لهم أهل وعشيرة وكانوا يواجهون المشركين ويوقفوهم عند حدهم.
روي ابن اسحاق عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث فرق: فرقة بالمدينة وفرقتان بمكة فرقة كانوا يؤذون بمكة عشر سنين فيعفون عن المشركين وفرقة كانوا اذا أوذوا انتصروا منهم فأنزل الله عز وجل عليهم قوله: «الذين يجتنبون كبائر الإثم» الشورى 37 ـ 42. أي الشرك والفواحش: وهو الزنا واذا ما غضبوا هم يغفرون هؤلاء الذين كانوا لا ينصرون من المشركين.
«والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم» الذين كانوا بالمدينة لم يكن عليهم أمير كان رسول الله صلى الله عليهم وسلم بمكة وهم بالمدينة يتشاورون في أمرهم «والذين اذا اصابهم البغي هم يغفرون» هؤلاء هم الذين انتصروا وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى واصلح فأجره على الله «ولمن انتصر بعد ظلمه» إلى قوله تعالى «في الأرض بغير الحق» المشركون الذين كانوا يظلمون الناس المسلمين «لهم عذاب أليم»، فنهاية الظالمين أليمة وعاقبتهم وخيمة.
رجاء علي