«الواحد» هو اسم من أسماء الله الحسنى الذي لا ينبغي السجود إلا له «سبحانه وتعالى» وقضية التوحيد في عصر نبي الله سليمان كما هي في كل عصر كانت قضية محورية لا يكتمل إيمان المرءالا بها.

لقد اعتاد نبي الله سليمان عليه السلام أن يتفقد جنوده حينا بعد آخر، ولم يكن جند سيدنا سليمان مؤلفين من نوع واحد مثل باقي جنود الأرض، لكنهم كانوا جنودا شتى من مختلف الأنواع والأجناس، فكان منهم الطير، والجان، والإنسان، وأيضا الحيوان وكان «الهدهد» هو أحد الجنود في جيش سيدنا سليمان، ولم يكن طائرا عاديا،

بل كان طائرا ذا عقيدة صحيحة تؤمن بالله الواحد، وكان على علم كامل أنه لا ينبغي التسبيح ولا السجود إلا لله الواحد القهار، وفي أحد ايام تفقد سليمان لجنوده، لم يجد الهدهد!

وكان هذا أمرا نادر الحدوث أن يتغيب أحد الجنود عن اجتماع قائد الجيش والجند نبي الله سليمان! ويقول الله سبحانه وتعالى في سورة النمل: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون) آية 17.

(وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ـ لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) آية 21.وبعد وقت ليس بطويل قدم الهدهد إلى سليمان وقال له: (أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين) ..

وبدأ الهدهد يسرد قصته الشهيرة التي عطلته عن الحضور؛ فيحكى لنا هذا الهدهد المؤمن كيف انه كان طائرا في طريقه إلى الاجتماع فوجد قوما يسجدون للشمس من دون الله سبحانه وتعالى! ووجدهم على هذه الحالة وتتقدمهم امرأة أتاها الله من نعمه الكثير من الجمال وحسن الهيئة وقوة الشخصية،وكمال البنية،

فقد كانت قوية المظهر والمخبر،ويحكي لنا المؤرخون أن هذا المكان كان في مملكة سبأ في بلاد اليمن الواسعة العظيمة المترامية الأطراف وهنا يسرد لنا النص القرآني على لسان الهدهد فيقول (اني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ،ولها عرش عظيم ـ وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ـ ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم).

عند ذلك بعث نبي الله سليمان عليه السلام بكتابه إلى هؤلاء القوم عن طريق ذلك الهدهد المؤمن الذي أيقن قضية التوحيد على أكمل وجه، ويقال أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصر ملكة سبأ الملكة «بلقيس» وألقاه إليها وكانت في خلوة لها تستريح من عناء يوم طويل من الحكم ومسؤولياته، فدخل عليها الهدهد من النافذة وألقى عليها الكتاب فقرأته وعلمت ما فيه؛ ووقف الهدهد ناحية النافذة ينتظر ما يكون من جوابها.

فما كان من هذه الملكة الحكيمة إلا أن بعثت لوزرائها وأكابر دولتها لتشاورهم في الأمر! وهذا التصرف الذي قامت به هذه الملكة إنما يدلنا على أن الله سبحانه وتعالى قد من على هذه الملكة بأشياء كثيرة من أهمها الحكمة ومن أوتي الحكمة فقد أوتي الخير الكثير. كما أن مبدأ الشورى الذي سلكته إنما يدلنا على طبيعة هذه السيدة الحكيمة التي لم تستبد بقوتها

ولم تغتر بجمالها ولم تستبد برأيها بل كانت النموذج الذي ينبغي أن تتحلى به كل امرأة، ويحكي لنا النص القرآني هذه القصة على لسانها فيقول سبحانه وتعالى في سورة النمل: (قالت يا أيها الملأ أني ألقي إلي كتاب كريم ـ انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم ـ ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ـ قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدونـ)

وعندما أجابها قومها بأنهم أولي بأس وقوة، أرجأت بلقيس الحكيمة استخدام القوة، فقد شعرت بقوة من أرسل إليهم هذه الرسالة على الرغم من أنها لم تكن تعلم أن الله سبحانه وتعلى قد سخر له الريح فأرادت أن تصرف قومها عن الحرب وأن تردهم إلى الرشاد قالت :(إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون).

ثم فكرت أن تزكي روح السلم بحكمة بالغة وحسن تدبير فقالت: (واني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) وهكذا استخدمت هذه الملكة الحكيمة أرفع درجات الدبلوماسية منذ آلاف القرون، وأخبرت بلقيس قومها أن من بعث إليهم الهدية إما أن يكون ملكا فيقبل الهدية، أو أنه يكون نبيا فلن يقبل الهدية ولن يرضى منا إلا ان نتبعه على دينه فاستمع قومها إليها ووافقوا على رأيها.

وعندما جاءت رسل بلقيس بالهدية إلى سليمان قال لهم: (أتمدونن بمال فما أتاني الله خير مما أتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون) وكيف يقبل الهدية وقد أكرمه الله بالنبوة والحكمة وأعطاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وهدد سليمان باستخدام القوة أمام رسول الملكة

وأدرك بحكمته أن إنذاره هذا سينهى الأمر وعندما عاد الرسل إلى الملكة أخبروها بما حدث فأرسلت إلى سليمان تخبره أنها سوف تأتي إليه ومعها كبار قومها، وأمرت بلقيس جنودها بحراسة عرشها والحفاظ عليه وإغلاق الأبواب دونه وخرجت من ملكها متوجهة ناحية الشمال

وقبيل حضورها أراد سليمان أن يبين لها قدرة الله وعظمته فأقبل على جنوده آمرهم أن يأتوه بعرشها فما كان إلا أن وجده أمامه فخر ساجدا لله جل وعلا على نعمته الكثيرة التي أنعمها الله عليه وقال: (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم).

ووصلت الملكة بلقيس وجاءت حيث رأت ملك سليمان،وبينما قومها يتهامسون فيما بينهم على ما يرونه،رأت عرشها وعرفته بعد أن أمر سليمان جنوده أن يغيروا معالمه، وأن يبدلوا أوضاعه ليختبر مدى ذكائها!

(قال نكروا لها عرشها لننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ـ فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) فلما دخلت بلقيس الصرح الذي أمر سليمان جنوده ببنائه من الزجاج بحيث يجري من تحته جدول صغير من الماء حسبته لجة فكشفت عن ساقيها بحركة لاشعورية منها.

فلما رأت بلقيس ما وهبه الله جل علاه إلى نبيه سليمان قالت إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ،وهكذا أسلمت هذه الملكة المؤمنة لله الواحد الأحد وكانت سببا في هداية قومها

ولم تتكبر ولم يغرها المال ولا الجاه ولا السلطان وأسلمت لربها وسجدت له سبحانه وتعالى وتزوجت بلقيس بنبي الله سليمان وأنجبت منه ولدا وعاشت عمرا طويلا في طاعة الله وعبادته، فخلد الله ذكراها في قرآن يتلى إلى يوم الدين.

إعداد: جيهان متولي