إن مبادئ الدين الإسلامي معلومة لدى العقلاء من الناس فقد أدركوا أن الاسلام قد أعطى العقل الحرية ومنحه التفكير والإبداع وإبداء الآراء المختلفة التي تهدف إلى بناء المجتمع البشري بما يحقق له المصالح المختلفة الفكرية والعلمية والصناعية....

ولذلك نبغت عقول العلماء المسلمين في ميادين العلم المتفرقة؛ تحت راية الإسلام من خلال توظيف هذا العقل وتهذيبه نحو الانطلاق وابتكار الجديد فقد واكبت هذه العقول متطلبات البشرية في الطب والهندسة بكافة أنواعها المختلفة والصناعة وفي علوم البحار.. وكذلك ايضا في القضايا الفكرية الثقافية...

فلا بد من بناء عقلية حرة تستطيع ملاءمة الوقائع الراهنة وذلك بتقديم الابتكارات وسائر الإبداعات التي يحتاجها البشر في اغراضهم السلمية أولا. لان من اهداف الرسالة الخاتمة التي جاءت بهذا النهج القويم ارساء دعائم السلم والسلام والأمن والامان {وَاللّهُ يَدْعُو إلى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}«يونس/25 ومفهوم الامن بطبيعة الحال مجاله واسع فيشمل الامن النفسي، والجسدي،

والمالي أو الاقتصادي والامن العقلي وهذه كلها من مظاهر الامن ،والقرآن الكريم مشحون بكثرة من الآيات القرانية الدالة على ذلك كقوله تعالى {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} «قريش1/4 وقوله تعالى {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} «سبأ/18 إلى اخر من ذكر من الايات الربانية التي حثت على تطبيق مبادئ السلم والامان ونشره بين الناس ليهنأوا بهذه النعمة المسداة لهم من قبل خالقهم عز وجل وكما قيل العدل اقوى جيش والامن اهنأ عيش.

فمن هنا نعلم علم اليقين أن بناء العقول وتشيدها يعتبر تحديا لهذا الإنسان فبناؤها فكريا أصعب من بناء المنشآت الحضارية الضخمة واعقد وتنمية مناهج التفكير أصعب بكثير من تنمية محتواها وتصويب مناهج التفكير أصعب من بنائها بداية لا يفكر الفرد كما نريد له أن يفكر،

ولا نعرف كيف يفكر، لكن توقع كيف يفكر الفرد ويمكن توجيه تفكيره وتنمية مهاراته إلى الأفضل وذلك من خلال الاندماج والاختلاط مع شرائح المجتمع بمختلف ثقافاتهم الشعبية والعلمية أي أصحاب ثقافة البناء الحية والثقافة المتدنية. مع اتاحة الحرية لهؤلاء وتشجيعهم تشجيعا معنويا وماديا فلا يتحقق الانتاج والابتكار الا بهذه المزايا العظيمة

فمهمة التغيير الجذري في إعمال العقل والاستفادة منه ضرورة ملحة على المسلمين استغلال ذلك خصوصا في هذا العصر المتشعب بالآراء والأفكار المختلفة وسهولة وسائل الاتصال الحديثة فمعاودة بناء عقولهم أمر حتمي شريطة أن يكون اعتماد ذلك على الأسس العلمية التي تحقق الآمال والأهداف المنشودة للرقي بالحضارة الإسلامية حتى يجد المخالفون لنا وهم كثر بغيتهم في تحقيق السعادة النفسية في هذه الحياة.

هذا ويجب التصدي لمن قلّ باعهم في العلم وقصر فهمهم عن التصور الحقيقي للدين الإسلامي لأنهم يشوهون سمعة الإسلام، وأهله سواء أكان ذلك عن قصد أو بغير قصد لأسباب عدة منها انغلاق فكرهم وعدم الأخذ من فكر الآخرين أي من مفكري هذه الأمة وعلمائها الربانيين وفي ظل هذا الخطر الوبيل والشر المستطير المحيطين بنا من كل حدب وصوب تصاب الأمة بالوهن والضعف وتوشك الأمم أن تتداعى عليها كل ذلك راجع بسبب ضعف الأمة المحمدية وانتشار الخلافات المتعددة بينها .

بقلم: إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي