قال الشيخ: سألبس اليوم عباءة عالم النفس لأنظر في أزمة الرسوم التي أساءت للنبي الأعظم نظرة تحليلية علمية تضع الحق في نصابة وتلقي أنواراً كاشفة على أسباب الغضب الإسلامي بالأبعاد والحجم والطريقة التي حدث بها.

لقد تعرض المسلمون في العقود الأخيرة، وفي السنوات الأخيرة، إلى اعتداءات كبيرة على دينهم ورموزه ومقدساته، هذه الاعتداءات كانت سافرة وواضحة ومباشرة، وهي لا تقل في عدوانيتها وإهانتها للمسلمين عن الحادثة الأخيرة، فلماذا ثار المسلمون هذه المرة أكثر مما كان في السابق؟ ولماذا تفاعلت الأزمة هذه المرة تفاعلا.

المسجد الأقصى أعتدي عليه مرات ومرات وهو ذو مركزية مهمة في التفكير والوجدان المسلمين... مئات المساجد تحولت إلى ملاه ومراقص وإسطبلات في فلسطين وغيرها... قتل العلماء وسجنهم وسحق الشباب المسلم وإفناؤهم... الاعتداء على المصاحف وإتلافها وحرقها واهانتها... تشويه متعمد للإسلام ولحياة المسلمين في المناهج الدراسية ووسائل الإعلام وعلى كل لسان وبكل قلم... لماذا لم يفعل كل هذا ما فعلته الحادثة الأخيرة؟

لنعترف أولاً أن المسلمين في أكثرهم ليسوا واعين وملتزمين ومتدينين كما يجب، وأن كثيراً مما خرجوا يعبرون عن غضبهم للإساءة إلى النبي الأعظم قد لا يعرفون الكثير عن محمد في حياته ورسالته، وبعض منهم يعرف ويتجاهل أو يتساهل مما يغلب العاطفة على اتزان الوجدان والفكر في صورة الغضب الأخيرة.

ولنعترف بأن بعض النزق الذي ظهر في الغضبة الأخيرة هو من قبيل رد الفعل العاطفي مما كان يحسن ضبطه لو كان هذا ممكناً، وهذا أمر يجب الانتباه إليه عند الحديث عن الصحوة الإسلامية التي يجب أن تقوم على أكبر قدر ممكن من الوعي والنضج وتوازن الفكر مع الانفعال، وهذا يفسر حقيقة أن الأمة الإسلامية اليوم بكل من غضب فيها على الإساءة للرسول الأعظم ليس لها أي دور حضاري شامل يذكر، إننا باختصار أمام رد فعل ولسنا أمام فعل.

المسلمون إذن في هذا الزمان منفعلون لا فاعلون، وهذه حقيقة نفسية خطيرة من شأنها أن تجير كل نتائج وثمار الغضبة الأخيرة لصالح أعدائهم، ويجب على الدعاة أن يتفهموا هذه الحقيقة وصولاً إلى إيجاد محركات وحوافز للعمل والتنمية الإسلاميين تنبثق من الإسلام وقد تحوله إلى حقيقة بشرية. والمتتبع لتاريخ الأديان وواقعها يقف عند حقيقة نفسية مهمة هي أن العقل الإنساني يجد صعوبة في إدراك الإله المجرد، الإله الذي ليس كمثله شيء.

من هنا كان التوحيد كثيراً ما ينكص إلى الوراء بأداء نفسي واع أو غير واع وصولاً على أنسنة الآلهة... فوجدت أديان اتجهت بعبادتها مباشرة إلى آلهة محسوسة ومرئية وثنية...

ووجدت أديان اخترعت لنفسها قناطر تصل بين المجرد والمحسوس... بمعنى أنه كان لا بد من تحيز المقدس في المكان وتأليفه لحقائق مرئية حسية ومحسوسة عن طريق وسائط بشرية أو مادية... هنا يتظاهر المجرد بظواهر محسوسة يركن إليها الإنسان المرهق والمضني تحت ثقل المجرد.

من هنا نستطيع فهم حقيقة ودور الوسطاء والشفعاء من البشر والحجر ممن يحتمي بهم المتدين وهو يواجه المجرد... وهذا قد تم مستوى الأديان الوضعية وحتى الأديان السماوية... وتحولت الأصنام إلى شفعاء عند عرب الجزيرة... وتحول بعض الأئمة والأولياء في بعض المذاهب الإسلامية إلى «وسائل» للوصول إلى الله.

هذه حقيقة نفسية لا يمكن تجاوزها، وقد قال يوماً الشيخ محمد الغزالي رحمه الله أن الحق سبحانه وتعالى لما علم بعجز العقل عن مواجهة حقائق الغيب قربها إليه بصورٍ منها: الملك، العرش، القلم، اللوح المحفوظ، الملائكة ومنهم حملة العرش، وهي من قبيل التمثيل لا المماثلة، فسمع وبصر الله تعالى ليس كسمع وبصر أي كائن متوهم ومتخيل.

والمسلمون جميعاً ينظرون إلى الرسول الأعظم باعتباره الوسيط والشفيع الإنساني، القنطرة التي تصل المسلمين كبشر بالله سبحانه وتعالى المنزه عن تفكير وإدراك البشر، إنه الهادي إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة.. الرسول الرحمة.. الذي أدبه الله فكان على خلق عظيم، إنه المتواضع للضعيف والفقير..

والكريم مع كل ذي حاجة، وهو الذي لم ينس أمته في حياته وهو يستغفر للمسيئين منها بعد مماته، فإذا كان ما يغلب على المسلم وهو في مواجهة ربه الهيبة والخوف فإن ما يغلب عليه وهو بصدد النبي الأعظم الإحساس بالدعم والرحمة والحنان الأبوي أو كالأبوي.. وهذه مقولات صحيحة عقلاً ونقلاً لا يختلف حولها مسلمان.

وإن غالى البعض في أحد الاتجاهين: فريق باتجاه المواجهة المباشرة مع الله.. وفريق باتجاه المبالغة في الوصول عبر الوسائط والوسائل والشفعاء.. وكلا الفريقين على صواب ما دام الأمر لا يجرح صفاء التوحيد ولا يخرج عن حدود الأدب مع الرسول وآله والمهديين من بعده.

ماهر سقا أميني