العنف ضد المرأة ظاهرة قديمة ارتبطت بالعادات والتقاليد، نتيجة لتلك النظرة القاصرة للمرأة، وحضورها الاجتماعي الأمر الذي جعلها دائماً في مرمى الإيذاء النفسي والبدني، خاصة بعد أن ترسخ مفهوم قوامة الرجل الذي يفسر خطأ على أنه الديكتاتورية والسلطة، من هنا أصبح كل أمر يحط من قدر المرأة عنفاً إذ يجردها من حقوقها ككيان اجتماعي له نفس حقوق الرجل وجاء رفض الإسلام لمثل هذه الممارسات السلوكية ضد المرأة للحد الذي اعتبرها إهانة إنسانية تأكيداً على تكريمه للمرأة وتقديره لها.
تقول د. فاطمة البيومي بجامعة الأزهر: إن المرأة في الإسلام هي صانعة الرجال ومربيتهم وقد رفع الإسلام من شأنها ووردت في أحاديث نبوية كثيرة تحث على حسن معاملتها أما بالنسبة لقوامة الرجل فهي تقوم على الحب والمودة والنصح وليس معنى القوامة أن تكون المرأة مقهورة مسلوبة الإرادة
فمن حق الزوجة على زوجها حمايتها في عرضها وبدنها ومالها ودينها وحسن عشيرتها وعدم هضم حقها وعدم إيذائها بسب أو إهانة أو ازدراء، وعدم ضربها إلا في حالة نشوزها وتكبرها، فقد أمر الإسلام الزوج أن يعالج زوجته الناشز بالتدريج واللين فلم يبدأ القرآن في علاج النشوز بالضرب ابتداء ولكن جعل الصبر أولاً عليها ثم الوعظ بالحسنى وذلك لأن أغلب النساء لديها حساسية تجعلها تستجيب للجدال بالحسنى.
وهناك أخريات قد لا يستجبن بسهولة لوعظ أو إرشاد أزواجهن وعلاجهن في هذه الحالة «الضرب» ومن هنا نجد أن الإسلام أمر الرجال بالتدرج واللين في علاج نشوز زوجاتهن وهو الأمر الذي يؤكد ان الشريعة لم تترك أمراً إلا وعالجته وأنها احترمت المرأة وكرمتها.
المودة والرحمة
ويرى د. أبوالوفا محمد أبو الوفا بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر أن خطورة العنف داخل الأسرة لم تقتصر أثرها على الجاني والمجني عليه فقط وإنما يمتد بالتأثير إلى جميع أفرادها حيث تتنافى بينهم المودة والرحمة والمصالح المشتركة التي يجب أن تجمع بينهم وقد انتشرت في المجتمعات الحديثة ظاهرة العنف داخل الأسرة
لكن الشريعة الإسلامية قررت بعض القيم المعنوية التي يجب الالتزام بها لبناء الأسرة المسلمة واستمرارها بعيداً عن العنف في إطار من المودة والرحمة حيث يجب أن تقوم العلاقة بين الزوجين في هذا الإطار لبقاء العلاقة الزوجية طبقاً لما أمرنا الله تعالى في كتابه العزيز «ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون».
ويضيف د. أبوالوفا ان العلاقة الزوجية هي علاقة سكن تستريح لها النفوس وتتصل بها المودة والرحمة فمن أعظم دلائل قدرة الله تعالى انه خلق للرجل زوجة من جنسه ليسكن إليها والسكون النفسي هو تعبير بالغ عن شعور الشوق والحب يشعر كل منهما تجاه الآخر كما ان العدالة لكل من الزوجين على الآخر وحق الزوجة على زوجها بشكل خاص.
ويكشف د. ابو الوفا عن الحلول العملية المقررة لتجنب العنف المتوقع داخل الأسرة حيث جعل «الخلع» للمرأة إذا كرهت الرجل كما جعل «الطلاق» إذا كرهها ومحل ذلك ان يكون البغض من جانب الزوجة أو من جهتهما معاً فإن كان من جهة الزوج وحده فلا يجوز شرعاً ان يساومها على طلاقها إن كان كارهاً ولم يظهر كرهه.
أخلاقيات الشريعة
يشير د. أبوالوفا ان الفقه الإسلامي والقانون الجنائي يتفقان في أن حق التأديب المقرر للزوج تنتهي حدوده عند الضرب غير المبرح وانه لا يمكن الاستناد إلى هذا الحق لارتكاب العنف ضدها لوقوعه تحت طائلة التجريم والعقاب فضلاً عن حقها في طلب التطليق للضرر فإذا ضرب الزوج زوجته ضرباً مبرحاً أدى إلى وجود عاهة مستديمة أو أفضى إلى موتها كان مسؤولاً عن جناية الضرب المفضي إلى موت،
وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا أبيح للزوج تأديب المرأة على كل معصية لم يرد في شأنها حد مقدر إلا انه لا يجوز له أن يضربها ضرباً فاحشاً وحد الضرب الفاحش كما هو معروف هو الذي يؤثر في الجسم ويغير لون الجلد، ولذلك لابد من الاهتمام والتركيز على بناء مقومات الشخصية الإنسانية كي تبعد في سلوكها عن العنف مع الإحساس بالتضامن الاجتماعي.
ويؤكد د. محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون سابقاً بجامعة الأزهر ان العنف ضد المرأة مخالف لتعاليم الشريعة الإسلامية التي قدرت المرأة ورفعت من شأنها وأن بناء العنف على أساس ان المرأة مخلوق اجتماعي لخدمة الرجل قول عار من الصحة ولا تستند على أخلاقيات الشريعة حيث اعتبر الإسلام إهانة المرأة إهانة للنفس الإنسانية وجعل لها كرامتها الإنسانية التي تقتضي المساواة بين الرجل والمرأة في أصل الخلق
وفي التكليف وفي التكريم وفي المشاركة في العمل العام وان الرجل والمرأة في أصل الخلق وفي التكليف وفي التكريم وفي المشاركة في العمل العام وان الرجل والمرأة متساويان وغير معقول ان تتعرض المرأة للعنف في ظل متغيرات متولدة من قيم موروثة تحط من شأن المرأة ولا تلقى قبولاً على الإطلاق من جانب العقلاء
وهذا العنف تلفظه الشريعة الإسلامية لأن المرأة هي الأم حاضنة الرجل والتي رفع الإسلام من شأنها وجعلها في مقام يفوق مقام الأب فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أبوك.
ويضيف د. رأفت عثمان: ان العنف الذي يستخدمه البعض ضد النساء انطلاقاً من قوامة الرجل على المرأة ناتج عن فهم خاطئ لأمور الدين فهي ليست سلطة ديكتاتورية أو قهرية بل هي إرشاد وتوجيه ومراقبة، كما ان العنف المجتمعي ضد المرأة لا يتحقق مع ما تدعو إليه الشريعة الإسلامية السمحاء.
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية
