كانت «ف» طوال حياتها تحلم أن تلبس روب المحاماة الأسود، وأن تقف أمام القضاة تترافع وتدافع عن المقهورين والمظلومين، سعت جاهدة لتحقيق هذا الهدف لذا كان أول اختيار وضعته في الطلب الذي قدمته إلى الجامعة هو الحقوق، وفعلاً تم لها ذلك، حيث دخلت كلية الحقوق وتخصصت في القانون المدني.
كانت «ف» تستعجل السنين حتى تتخرّج وتذهب إلى المحكمة كمحامية، مرّت السنون وتخرجت، وبعد التخرّج التحقت بمكتب لمحام مشهور كان يمتلكه صديق والدها، كانت «ف» شعلة من النشاط والحيوية، فقد كانت تحب مهنتها حباً شديداً، لذا تعاملت مع هذه المهنة كهواية وليس كواجب وظيفي. كما أن اهتمام صاحب المكتب بها كونها ابنة صديقه جعلها تتصرف في المكتب وكأنه مكتبها هي.
إعجاب... وحب
بدأت أنظار جميع من في المكتب تتجه نحو «ف» فهي متفوقة في عملها، وزيادة على ذلك فهي شابة حسناء تتميز بقوام جميل، ووجه ملائكي كما أن ثروة والدها الفخمة جعلتها تقتني أفخم أنواع السيارات وأرقى الملابس ذات الماركات العالمية.
كان «أ» أحد الشبان الذين يعملون في المكتب، وكان هو أيضاً شاب وسيم، لكنه كان فقيراً، التقت عيون «أ» و«ف» مرة بطريق الصدفة، ثم التقت عدة مرات بقصد، تعمد «أ» أن يلفت انتباه «ف» إليه، وعندما وجد تجاوباً منها فاتحها بحبه لها، استمرت علاقة الحب بينهما لأكثر من ستة أشهر،
وأخيراً قرر «أ» أن يتقدم إلى والد «ف» طالباً يدها، وهكذا فعل، إلا أن رد والدها كان الرفض الكامل، فهو شاب فقير ولا يستطيع أن يوفر لها الحياة السعيدة التي تعيشها في بيت والدها، جاء الرفض بالنسبة إلى «أ» كالزلزال،
أما بالنسبة إلى «ف» فقد كانت أقوى من كل شيء فقد تابعت عملها وكان شيئاً لم يكن، رغم أنها في الحقيقة كانت تتألم كالطائر الجريح، إلاّ أن كبرياءها وشخصيتها القوية جعلاها تبدو أمام الآخرين وكأن الأمر طبيعي.
بعد هذه الحادثة لم تمض «ف» وقتاً طويلاً في مكتب المحاماة الذي كانت تتدرب فيه، حيث بدأت تبحث عن مكتب خاص بها وفعلاً استطاعت أن تجد لها مكتباً في منطقة راقية، حيث قامت بتأثيثه بما يليق بمكانتها، ولكن ما كاد المكتب يبدأ العمل حتى حدث ما لم يحدث في الحسبان، حيث توفي والد «ف»،
مما أصابها باكتئاب شديد، اضطرت على إثره الدخول إلى المستشفى، في هذه الأثناء تلقت «ف» مكالمة من صديقتها التي تعمل معدة برامج في التلفزيون تدعوها فيها لأن تزروها حتى تغير الجو الذي تعيشه،
وافقت «ف» على الفكرة وما كادت تتسلم تأشيرة الزيارة حتى حزّمت حقائبها وجاءت إلى صديقتها المذيعة، بدأت المذيعة تقنع صديقتها «ف» بأن تنقل عملها إلى هنا وأن تبيع مكتب المحاماة في بلدها، وبعد تردد لم يدم طويلاً وافقت «ف» على الفكرة.
حياة جديدة
حاولت المذيعة بشتى الطرق ان تنسي صديقتها «ف» أحزانها وفعلاً تمكنت من ذلك خاصة بعد ان أصبح لدى «ف» مكتب محاماة خاص بها، بدأت «ف» تتأقلم مع حياتها الجديدة وبدأ مكتبها يكتسب كل يوم المزيد من الزبائن، تضخمت ثروة «ف» وأصبح لديها كل شيء تتمناه.
شيء واحد كان يضايقها وهو ان الشيب بدأ يغزو رأسها بقوة فرغم أنها كانت تخفي كل شيبة تراها بهذه الصبغة أو تلك إلا أنها في أعماقها كانت خائفة إلى درجة الرعب، لقد كانت خائفة بأن يأتي اليوم الذي يصبح فيه رأسها مكسوا بالشيب، فكرت قليلا ثم أسلمت أمرها لله، فكل إنسان يتقدم به العمر لابد من أن يشيب.. نظرت إلى الوراء برهة ثم حمدت ربها أن الصالونات النسائية منتشرة في كل مكان.
في إحدى الليالي كانت «ف» وصديقتها المذيعة مدعوتين إلى حفلة في أحد الفنادق الكبرى، كان جميع المدعوين من كبار القوم والدبلوماسيين ورجال الأعمال، وكان من ضمن المدعوين «س» وهو رجل تجاوز الخمسين من عمره، وكان يمتلك شركة مقاولات كبيرة أما ثروته فقد تجاوزت الملايين، ورغم سنينه الخمسين الا انه كان لايزال يحتفظ بنضرة الشباب،
لفتت «ف» بجمالها الفتان الكثير من الحضور بمن فيهم «س» الذي عمل المستحيل حتى يتعرف عليها، وأخيراً تمكن من ذلك، وعندما عرف بأنها محامية وجد ذلك حجة ان يتقرب منها أكثر متعللا بان شركته تحتاج إلى مكتب محاماة ليتولى قضاياها،
بعد أقل من أسبوع كان «س» يدق باب مكتب «ف» وبعد حديث لم يدم طويلا قال لها بانه يرغب في الزواج منها، طلبت «ف» من «س» ان يتريث فهما لا يعرفان بعضهما بعد، لكن «س» كان مصراً على الزواج لم يمض على هذا اللقاء ثلاثة أشهر حتى كانا قد تزوجا.
عاشت «ف» و «س» حياة هادئة، وقد رزقا ثلاثة أطفال، كانوا كل حياتهما، أصبح مكتب «ف» يعمل ليل نهار بعد أن حول «س» جميع قضايا شركته إلى مكتب زوجته، لذا اضطرت «ف» أن تعلن في الصحف عن حاجتها إلى محامين ذوي خبرة في القانون،
خاصة القانون المدني، تقدم قلة من المحامين للوظيفة لكن «ف» التي كانت تحرص على أن تقوم هي بإجراء المقابلة لم تقتنع بأحد منهم، مما أضطرها لأن تعيد الإعلان مرة أخرى وان تضع امتيازات كبيرة لمن ينجح في المقابلة، في اليوم الثاني تقدم بضعة محامين آخرين للمقابلة،
دخل المحامي الأول وما كادت تلتقي عيناه بعيني «ف» حتى قفز فاه من هول المفاجأة، أما «ف» فقد عقدت المفاجأة لسانها ولم تعد قادرة حتى على الترحيب به، فبعد هذه السنين الطويلة التقت «ف» بحبيبها القديم «أ» وها هو يجلس أمامها ويتقدم إلى وظيفة في مكتبها، طلبت «ف» من السكرتيرة الاعتذار إلى المحامين الآخرين،
ثم أخذت «أ» إلى مكتبها الخاص وعادا بحديثهما إلى السنين الماضية التي أبعدتهما، وعن الظروف والذكريات، وبطريقة أنثوية حاولت «ف» ان تعرف ما إذا كان «أ» قد تزوج أم لا فسألته كيف حال الأولاد و«المدام»؟، فقال لها ليس لدي أولاد قالت بذكائها المعهود لماذا ألم تنجب حتى الآن؟
قال لها: لا وبالطبع أنت السبب، فأنا لم أتزوج أصلا، لأنني لا أزال أحبك.. وقعت هذه الكلمات برداً وسلاماً عليها، فحاولت ان تتظاهر بأنها لم تكترث بما قال، بعد الحديث الجانبي هذا طلبت من أن يأتي بعد يومين حتى تجهز له المكتب، عاد «أ» بعد يومين فوجد مكتبه بجانب مكتبها،
استمرا في العمل معاً، جمعهما المكتب والحب والمشاعر، في أحد الأيام جاء زوج «ف» وأخبرها بأنه مسافر في عمل خارج الدولة، استغلت «ف» سفر زوجها وطلبت من «أ» ان يزورها في الفيلا التي تقيم فيها بحجة مناقشة إحدى القضايا، جاء «أ» وبعد العشاء استسلم الاثنان للشيطان،
تكررت اللقاءات المحرمة بينهما، وبعد أن عاد زوج «ف» من رحلته بدأت تذهب هي إلى شقة «أ» ليتذوقا معا العسل المر، أغدقت «ف» على «أ» أمولا طائلة، ثم قامت باستئجار شقة جديدة، في مكان راقٍ وقامت بتأثيثها بنفسها،
كانت الشقة جميلة للغاية فقد وضعت فيها «ف» كل خبرتها لتصبح العش الذي تأوي إليه مع «أ»، بدأت الحياة تسوء بين «ف» وزوجها، وأخيراً اتفقت «ف» و«أ» على الخلاص من «س» لأنه العقبة الوحيدة التي تقف أمام سعادتهما وزواجهما، لذا كان لابد من إبعاده عن طريقهما.
بذكائها الشديد كانت «ف» تعرف بأنه لو تمت عملية قتل «س» في الدولة التي تعيش فيها فإن أجهزة الشرطة ستعرف ذلك بسرعة كبيرة لذا كان لابد من أن تتم عملية الخلاص منه خارج الدولة وفي مكان تكون الأجهزة الأمنية فيه ضعيفة.
في إحدى الليالي بينما كانت «ف» وزوجها يتناولان طعام العشاء عرضت عليه أن يسافرا معاً ليجدا حياتهما الزوجية بعد الفتور الذي اعتراها، وافق «س» على الفور وبعد يومين كانا على متن طائرة نقلتهما إلى إحدى دول أوروبا الشرقية كانت «ف» طوال الوقت على اتصال بـ «أ»،
وفي أقل من 24 ساعة كان «أ» قد وصل إلى نفس الدولة ونزل في نفس الفندق الذي تنزل فيه «ف» مع زوجها، كانت الخطة تقضي بان تقوم «ف» بجعل زوجها يسكر حتى الثمالة حتى يصبح غير قادر على السيطرة على نفسه ثم تطلب منه أن يذهبا ليسبحا في البحر معاً،
في هذا الوقت يكون «أ» قد سبقهما إلى البحر، وما يكاد «س» ينزل إلى الماء حتى قام «أ» بسحبه إلى داخل البحر وإغراقه ولأن «س» في حالة سكر شديدة فلم يستطع أن ينقذ نفسه أو يقاوم، تمت الخطة بتفاصيلها كما كان مرسوماً لها وعندما تأكدت «ف» من وفاة زوجها وخروج «أ» من الماء بدأت تصرخ طالبة المساعدة
ولأن الوقت كان في ساعات الصبح الأولى فقد وصلت المساعدة متأخرة حيث نزل بعض عمال الفندق إلى البحر محاولين إنقاذ «س» إلا انه عندما تم سحبه إلى الشاطئ تبين انه قد فارق الحياة، ثم نقل «س» إلى المستشفى وهناك تمت المعاينة حيث أفاد الطبيب الشرعي أن سبب الوفاة هو الغرق وأن المذكور كان في حالة سكر شديدة حيث بلغت نسبة الكحول في دمه أكثر من 90%.
بعيداً عن الشبهات
لم يتم توجيه أي اتهام إلى أحد فزوجته كانت على الشاطئ ولم تنزل إلى الماء وهي شهدت بان أحداً لم يكن في البحر عندما نزل «س» إلى الماء ولهذا تم تقييد الحالة على أنها غرق «بسبب حالة السكر».
عادت «ف» حزينة إلى مكتبها وهي تلبس ثوباً أسود حداداً على زوجها أما «أ» فقد بقي يتنقل في الدول الأوروبية وفقاً للخطة لأكثر من شهر وعندما عاد وعرف بما حدث لزوج «ف» جن جنونه وبكى كثيراً على فراق هذا الرجل الطيب.
بعد أيام من عودة «أ» تفاجأت «ف» بأنه يريد أن ينفصل عن مكتبها وعندما سألته عن السبب قال لها بأنه خائف من أن ينكشف أمرهما وأنه من الأفضل أن يبتعدا عن بعضهما البعض لفترة وافقت «ف» على مضض وفي أقل من أسبوعين كان «أ» يجلس في مكتب أنيق كانت «ف» قد دفعت أجرته وقامت بتأثيثه بنفسها.
بعد أن انتقل «أ» إلى مكتبه الجديد قلت اتصالاته وأحاديثه مع «ف» وكانت حجته في ذلك بأنه لا يريد أن يشك فيهما أحد، وعندما كانت «ف» تتصل به كان يتهرب منها، في أحد الأيام قررت أن تزوره دون أن تتصل به مسبقاً حتى لا يتهرب منها،
وعندما دخلت إلى المكتب تفاجأت بامرأة حسناء تجلس مع «أ» أحست «ف» بفطرتها الأنثوية بان هذه الحسناء هي سبب ابتعاد «أ» عنها فعندما سألته عنها قال لها بأنها خطيبته،
وقعت المفاجأة على رأس «ف» كالصاعقة حيث خرجت من المكتب وهي تائهة لا تدري ماذا تفعل وفي الليل ذهبت إلى شقة «ز» لتعرف لماذا تصرف معها هكذا في الشقة التي أثثتها هي بنفسها وبحالها، قابلها «أ» بكل فتور حتى أنه لم يدعها لأن تجلس، وعندما طلبت منه تفسيراً لموقفه هذا قال لها بأنها لم يعودا يصلحان لبعضهما البعض،
قالت له بأنها ضحت كثيراً من أجله حتى أنها اشتركت في قتل زوجها حتى ترضيه، فقال لها بأنه قد تخونه هو الآخر من أجل حبيب جديد، عرفت «ف» بان «أ» قد حسم أمره إلى غير رجعة، عادت «ف» إلى بيتها وهي لا تعرف ماذا تعمل، فقد فقدت كل شيء، أحست بالضياع لذا قررت أن تنتقم لكرامتها ولزوجها الذي قُتل ولأطفالها.
في اليوم الثاني حجزت تذاكر سفر لأولادها الثلاثة، وأرسلتهم إلى أهل زوجها وبعد أن اطمأنت إلى وصولهم ذهبت إلى أقرب مخفر شرطة وروت للضابط هناك كل شيء عن مقتل زوجها، تم إلقاء القبض على «أ» وفي أثناء التحقيق اعترف بما نُسب إليه، وعندما جاء دورها لأن تتكلم طلبت من القاضي أن تلبس روب المحاماة لآخر مرة في حياتها.
إعداد : أحمد سلطان
