جاء اليوم الذي انتظرته بفارغ الصبر بعد عام كامل، ليرجع خطيبها إلى بلدها وتتزوج منه وتنتقل للعيش في دولة الإمارات التي طالما سمعت بجمالها وطيبة أهلها. كان يوم زفافها من أجمل أيام حياتها،
فقد كانت كالفراشة تطير من زهرة إلى زهرة، بين كنف أهلها الذين ربّوها على الأخلاق الإسلامية الفاضلة والخصائل الحميدة، كان فراقها لهم ليلة السفر صعباً للغاية، فلم تغادرهم يوماً قط، وكان أبواها نِعم الأب العطوف والأم الحنون، لكنها كانت ترى في عيونهما السعادة في استقرارها في بيت الزوجية الذي هو حلم كل فتاة.
صعدت الطائرة وبدأت تنسج أحلاماً وردية وحياة سعيدة طالما حلمت بها في بيت زوجها الذي كان من أفضل الشباب أخلاقاً، يحمل صفات جليلة وفضائل كريمة تتمناها أي فتاة تريد الزواج والاستقرار.
كان زوجها يمتهن أعمالاً حرة في إحدى إمارات الدولة، يشتري البضائع ويقوم ببيعها بأرباح بسيطة بالكاد تسد رمق الأسرة، ولكنها كانت ربة بيت مدبِّرة على الرغم من صغر سنِّها الذي لم يتجاوز العشرين عاماً، مستفيدة من خبرة والدتها التي علّمتها تدبير أمور البيت بما تيسّر من المال،
فكانت تدير البيت بالدراهم التي يجنيها زوجها، فتأكل يوماً وتنام جائعة يوماً، لكنها كانت صابرة محتسبة، موكلة أمرها إلى الله، موقنة بأن الله سيرعى أسرتها وسيجعلها سعيدة مع زوجها الذي كان لا يبخل عليها بما تيسّر له من المال، والكريم معها في عواطفه ومشاعره الجياشة.
البشارة
مضت أشهر عدة حتى جاءتها البشارة بحملها بأول ولد، لم تصدق بأن أحلامها التي نسجتها مع زوجها بدأت تتحقق شيئاً فشيئاً قبل عام واحد من الزواج، غمرتها السعادة، انتظرت زوجها ليعود من عمله على أحرّ من الجمر لتزفّ إليه الخبر، فما إن سمع البشارة حتى كاد يطير من الفرح، فحمد الله وأثنى عليه، ودعا أن يكمل الله فرحتهما بأن يخرج طفلهما إلى الدنيا سالماً معافى.
بعد تسعة أشهر وضعت الزوجة أول طفل لهما، كانت سعادتهما به أكبر من أن توصف، لكن الأحوال المادية بدأت تضيق شيئاً فشيئاً على الزوج، حاول البحث عن عمل آخر لكنه لم يجد، فحاول أن يسترجع حقوقه من الديون القديمة على بعض التجار، فمنهم من أعطاه بعضاً من حقوقه ومنهم من أخذ يؤجل ويتهرّب،
وفي أحد الأيام عاد إلى البيت فلم يجد حليباً لطفله فوضع يده على جيبه فلم يجد إلا دراهم معدودة لا تكفي لشراء علبة حليب، تذكر أن بجواره أحد التجار الذي له دين عليه، فهمّ مسرعاً إليه ليسترجع بعض حقوقه ويشتري حليباً لطفله،
لكنه لم يكن يعلم بأن هذا اليوم سيغيِّر مجرى حياته وسيقلب حياة أسرته إلى تعاسة وحزن؛ فما أن طرق بابه وطلب حقوقه حتى فوجئ بالتاجر الذي طالما ماطله ووعده يتهمه بمحاولة التحرُّش بزوجته، فأودع السجن وحُكم عليه بعام كامل ظلماً وبهتاناً.
انتظرت المرأة التي كان طفلها يصرخ ويتضوَّر جوعاً ساعات، قبل أن يصل لها خبر زوجها، فما إن سمعت بما حدث حتى سقطت على الأرض مغشياً عليها، وما هي إلا دقائق حتى استجمعت قواها وتماسكت غير مصدقة التهمة الموجهة لزوجها، فقد كانت على يقين تام ببراءته، في هذه الأيام لم تنم لحظة،
فقد كانت أسيرة التساؤلات التي تراودها وهاجس القلق والخوف على ابنها قضّ نومها، فكيف ستعيش ومن أي ستدبِّر أمورها، ومن أين لها شراء حليب يسدّ رمق طفلها، كلها أسئلة حاولت أن تجيب عنها لكنها كانت على يقين بأن الله لن يتركها وسيكون إلى جانبها في محنتها التي لا يعلم بها إلا هو، فقامت الليل كله تصلِّي وتذكر الله وتقرأ القرآن لعل الله يخلصها من الكربة والمحنة، التي امتحن الله إيمانها بها.
إيمان بالبراءة
في اليوم التالي، فكّرت بالاتصال بذويها تخبرهم بما حدث لمساعدتها، لكنها عادت عن الفكرة حتى لا تفضح زوجها المؤمنة ببراءته، ففضَّلت أن تصبر وتحتسب أمرها إلى الله، وأمام جوع طفلها وبكائه المستمر بدأت تبيع أجزاءً من أثاث البيت لتشتري به ما يسد رمقها وطفلها، حتى لا تسأل الناس وتمد يدها لهم، وما هي إلا أشهر عدة حتى جاء اليوم الذي خلا به البيت من الأثاث ومن أي شيء يمكن بيعه.
حاولت أن تستعين ببعض رفاق زوجها لعلها تستدين منهم حتى يخرج زوجها من السجن، لكنها فوجئت ببعض من الذئاب البشرية حاولوا أن يساوموها على شرفها، ويستغلوا حاجتها مقابل جسدها،
لكنها أبت ورفضت كل الإغراءات المادية التي كانت مقابل شرفها، وفضّلت الموت جوعاً على أن تأكل بجسدها، حاصرتها الآلام والأحزان من كل صوب، تغيّر وجهها الذي كان يفيض شباباً وحيوية إلى وجه آخر لم تكد تعرفه، من شدة الجوع والحزن على ما أصاب أسرتها.
أهل الخير
وفي أحد الأيام، بينما كانت تجلس في بيتها تدعو الله بأن يقف إلى جانبها ويخفِّف من محنتها، فإذا بطارق يطرق باب البيت، فقامت بفتح الباب، وإذا بأحد المواطنين ذي لحية بيضاء يكاد وجهه يضيء من نور الإيمان،
يسأل: أأنت فلانة زوجة فلان؟ فقالت نعم، قال: سمعت عن أمرك، خذي هذا المال ولا تسألي أحداً من الناس وسوف أخصِّص لك ولطفلك مبلغاً شهرياً حتى يخرج زوجك من السجن.
وقفت أمامه في حالة من الذهول، لم تصدق ما رأته بأمّ عينيها، وسمعته بأذنيها، ظنت أنها في حلم تتمنى ألا تصحو منه، لكنها الحقيقة تنجلي أمامها لا محالة، أخذت المبلغ بيديها تغمرها دموع السعادة،
وتوجهت إلى الله ولسانها يلهج بالدعاء أن يكرم الله فاعل الخير ويحفظه ويجزيه خير الجزاء على ما قام به، عندها أيقنت بأن الدنيا ما زالت بخير وأن أهل الخير لم ينقطعوا من هذه الدنيا.
فراس العويسي
