إذا سمعت صوت «طقطقة» داخل ساق نخلة أو انبعاث رائحة كريهة منها فاعلم أنها مصابة بمرض تسميه الأوساط الزراعية «السوسة الحمراء»، والأمر المهم هو الابتعاد عن النخلة المريضة لأن مصيرها السقوط عاجلاً أو آجلاً. والأمر المزعج هو أنه على مدى السنوات الأربع الأخيرة تمكنت حشرة سوسة النخيل من إصابة 3245 نخلة كانت إصابة 415 نخلة منها بليغة مما تسبب في سقوطها وحرقها.

والسوسة الحمراء التي تصرع النخلة بكل سهولة هي الآفة الزراعية التي أثارت قلقاً لا حدود له حيث كانت تشكل مصدر تهديد فعلياً لوجود النخلة في المجتمع الإماراتي.ومنذ أكثر من عشرين عاماً وهو تاريخ المرض بالدولة لم تفلح جهود المكافحة في كبح نشاطه.

يقول محمد إبراهيم عبدالله صاحب مزرعة نخيل في منطقة السعدي: في واقع الأمر فقد طرقنا كل الأبواب التي خطر لنا أن وراءها ما ينقذ النخلة من أسقامها وجربنا كل الطرق التي قيل لنا أن فيها العافية بيد أن كل تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع.

وفي حقيقة الأمر فان الفشل الذريع يعني السماح للسوسة الحمراء بالمضي في ممارسة نشاطها التخريبي بالنحو الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى تهديد ثروة الدولة من أشجار النخيل.

بقراءة الاحصائيات المتوفرة حول مرض سوسة النخيل التي لا يمكن الحصول عليها أحياناً إلا من تحت الطاولة فقد شهد العام الماضي إصابة 415 نخلة موزعة على العديد من المزارع بالمنطقة الشمالية ماتت منها 80 نخلة حتى الآن.

وتتضح أهمية هذه الأرقام إذا ما قارناها بما حدث في عام 2004 حيث بلغ عدد أشجار النخيل المصاحبة بالسوسة الحمراء 334 نخلة ماتت منها 37 نخلة ليكون من الواضح أن الإصابة بالسوسة في ازدياد مطرد، الأمر الذي يدق ناقوس الخطر منذراً بعواقب وخيمة تنتظر النخلة.

ويحسب المزارع عبدالله الذي يمتلك مزرعة تحتوي على 400 نخلة فان السوسة تنتشر بصورة مزعجة، ويقول: بلغ مجموع الأشجار المصابة في مزرعتي 30 نخلة وقد سقطت منها عشر أشجار على الأرض.

وحين تسقط النخلة على الأرض يكون الحرق هو الإجراء المتبع للتخلص من الحشرات التي في جوفها قبل أن تتسبب في نقل العدوى إلى أشجار النخيل الأخرى.

ومن المعلوم فإن حشرة سوسة النخيل لم تكن معروفة في الساحة الزراعية قبل عام 1985، إذ تشير المصادر إلى أن دخولها الدولة كان عن طريق فسائل مستوردة من شبه القارة الهندية.

ويتفق المزارعون على أن ما حدث من تلكؤ في التعامل مع الحشرة ساهم في انتشارها على نطاق واسع إلى جانب تفاقم أضرارها بحيث بات من المتعذر السيطرة عليها.

* وبرأي سيف علي أحمد المشورب فإن ما يحدث الآن في المزارع من خراب ودمار للنخلة جراء حشرة السوسة الحمراء هو الكارثة بعينها.

والمزارع المشورب هو من أهالي منطقة خت السياحية التي تنفرد بمزايا سياحية جبلية وزراعية ومياه نبع كبريتية. وعلى مساحة داخل منزله غرس 40 نخلة من الأصناف الجيدة، لكن ما أثار انزعاجه هو سقوط بعض تلك الأشجار على الأرض من دون سابق إنذار، وهو الأمر الذي يعني أنها مصابة بمرض السوسة.

ويقول المشورب: بالتأكيد فإن سقوط النخلة على الأرض لا يحدث إلا إذا أنهكتها السوسة، والشيء المزعج هو عدم جدوى العلاج في مواجهة المرض، فبالرغم من أن المزارعين التزموا بكل برامج المكافحة، بل جرّبوا كل ما خطر لهم أن فيه عافية للنخلة من متاعب الآفات، بيد أن الحال تزداد سوءاً.

وفي منطقة الغيل مثلاً، لا يخفي المزارعون انزعاجهم من الأضرار الموجعة التي لحقت بأشجار النخيل نتيجة إصابتها بالسوسة.

ويقول هؤلاء:

الأخطر من ذلك هو أن السوسة وضعت النخلة أمام خيار واحد وهو السقوط على الأرض كلما هبّت رياح قوية.

* ووفقاً للمزارع عبدالله محمد راشد خصيف وهو صاحب مزرعة تضم 150 نخلة فإنه لا توجد ضاحية غلا وهي موبوءة بحشرة السوسة.

الغريب في الأمر حقاً هو أن إحدى وسائل المكافحة التي لجأت إليها الجهات الزراعية المعنية بأمر المكافحة ويُطلق عليها المصيدة الفيرمونية الكيرمونية جاءت بنتائج عكسية، فبدلاً من أن تقضي على السوسة صارت تستقطبها بأعداد كبيرة داخل المزارع.

* وبحسب المزارع أحمد عابد من منطقة عسمة فإن المصائد التي تستخدم مواد جاذبة لحشرة سوسة النخيل ساهمت في تجمع الآفة بالمزرعة، وبمعنى آخر فإن السوسة الحمراء باتت تنتقل من مزرعة إلى أخرى بأعداد كبيرة وهو الأمر الذي يضاعف من مشقة السيطرة على الحشرة ثم القضاء عليها.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: كيف لهذه الحشرة المتناهية الصغر، حيث يبلغ طولها أقل من سنتمتر، أن تصرع نخلة ضخمة بطول بضعة أمتار.

ويوضح المهندسون الزراعيون أن سلوك الحشرة العدواني الشرس يجعل منها أداة مدمرة للنخلة في غضون فترة وجيزة. ويقول هؤلاء نظراً لأن حشرة سوسة النخيل تعمل في الخفاء فإن أمر اكتشافها خلال المرحلة الأولى للإصابة يبقى أمراً متعذراً تماماً.

ومن الملاحظ فإن أصحاب النخيل يعلمون بما يحدث، إلا عندما تسقط النخلة على الأرض، لذلك فإن من المنطقي أن يتفق المهندسون على أن الأمر يتطلب إيجاد وسيلة تكشف للمزارع وصول السوسة إلى النخلة قبل أن تبدأ نشاطها التخريبي.

* ويقول المهندس محمد صالح المحرزي مدير المنطقة الزراعية الشمالية بالوكالة: المعرفة المبكرة للإصابة المبكرة ضرورية لاحتواء أضرارها وهناك مظاهر ينبغي على المزارع الاهتمام بها لأنها تنذر بالإصابة مثل وجود مادة هلامية بمكان دخول اليرقات إلى الساق واهتراء في الأنسجة وسماع صوت طقطقة من داخل الساق وانبعاث رائحة كريهة ناتجة عن تخمر الأنسجة المهترئة وعصارة النخلة.

ويشرح المحرزي الظروف التي تساعد السوسة على الوصول إلى ساق النخلة لتمارس نشاطها المدمر وهي تشمل رائحة النخلة وحدوث جروح بالساق تكون نتيجة عمليات التكريب وإزالة الفسائل إلى جانب وجود النحوات الغضة.

ويضيف: حينما تتهيأ تلك الظروف فإن السوسة تبدأ نشاطها بالتزاوج ووضع البيض عند جذع النخلة وعندما يفقس تمارس أطوار الحشرة مراحل حياتها اعتماداً على الساق لكن الأخطر في ذلك هي اليرقة التي تقرض الأنسجة بحيث تحولها في غضون عام واحد إلى أنبوب فارغ إلا من الحشرات ولذلك فإن النخلة تسقط على الأرض كلما هبت رياح أو نسيم عليها.

ويؤكد المحرزي ان وزارة البيئة والمياه لا تدخر جهداً من أجل درء الخطر الذي يتهدد النخلة سواء بوسائل المكافحة المتطورة التي تفتك بالآفات ولا تضر بالبيئة. أضف إلى ذلك تطبيق نظام إحلال أشجار النخيل غير المنتجة أو المصابة بالأمراض عن طريق الأصناف الجيدة المكثرة نسيجياً والتي توزع على المزارعين بنصف القيمة.

وضمن تلك الجهود يتم في مركز المكافحة الحيوية بمنطقة الحمرانية الإعداد لمعركة القضاء على السوسة الحمراء.

* ويعترف المهندس سعيد البغام مدير محطة أبحاث الحمرانية بأن جهود معالجة الإصابة لا تعطي نتائج إيجابية إلا إذا أمكن اكتشاف الإصابة مبكراً وانطلاقاً من حرص الدولة على سلامة البيئة اتجهت جهود مكافحة آفة النخيل للتقنيات الحيوية مثل الاعتماد على النيماتودا «الفطريات» فضلاً عن المصائد الفيرمونية الكيرمونية.

برأي البغام فإن تلك الأساليب حققت نجاحات لا بأس بها لافتاً إلى أنه في المختبر التابع للمكافحة الحيوية بالحمرانية تتم عملية تلويث ذكور الحشرة بفطر محلي سجل كبراءة اختراع للإمارات ويحمل اسم «بوفيرا باسيان» ثم إطلاقها في المزارع لتختلط بأنثى الحشرة وتتسبب في إمراضها وقتلها.

ويقول: إذا كانت في السابق تتم عملية تلويث الذكور بالفطر يدوياً فإن النية تتجه الآن لتطويرها لتتم عملية التلويث بعيداً عن أيادي العاملين.

أضف إلى ذلك فإن حشرة السوسة الحمراء تكافح بواسطة النيماتودا الممرضة وهي عبارة عن ديدان ثعبانية مجهرية معزولة.

وبحسب البغام فإن النيماتودا التي تم استخلاص 40 عزلة محلية من تربة الإمارات تضاف إلى الماء ثم ترش على قواعد الكرب السفلي وقاعدة الجذع والتربة المحيطة به وكذلك الجذع حتى ارتفاع 50 سم من سطح التربة ولدى النيماتودا قدرة فائقة على قتل العائل لها في غضون يوم أو يومين.

ويقول: إن طرق المكافحة الثلاث وهي النيماتودا والفطر والمصيدة تعمل على تحقيق هدف واحد وهو القضاء على آفة السوسة الحمراء حية أو ميتة.

رأس الخيمة ـ سليمان الماحي: