حلَّق أكثر من ألفين وثلاثمئة طالب وطالبة من المدارس الحكومية والخاصة ومن ذوي الاحتياجات الخاصة على مدى السنوات الخمس الماضية بجواز سفر ثقافي مع متعة أجواء القراءة الحرة إلى عالم جديد وفريد كان الكتاب فيه أفضل رفيق وجليس في رحلة طويلة نهلوا خلالها من العلم والمعرفة كنوزا ثقافية لا تقدر بثمن.
واستطاعت جائزة جواز السفر الثقافي السنوية بما تحمله من أهداف تربوية وتعليمية قيمة أن تحقق نجاحا كبيرا في خلق أجواء القراءة الحرة لهؤلاء الطلاب المشاركين فيها والذين استطاع كل واحد منهم الحصول عليها من خلال قراءة ما لا يقل عن 30 قصة كحد أدنى و90 قصة كحد أقصى ونجحوا على مدى أربعة أشهر من مدة المسابقة أن يجعلوا من الكتاب محور اهتمامهم وتفكيرهم.
وتعتبر الجائزة التي ينظمها مكتب سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لشؤون المواطنات والخدمات الاجتماعية منذ عام 2002 إضافة نوعية لنمط المسابقات الأدبية المعروفة في مجال مسابقات الأطفال الثقافية فهي جائزة مبتكرة تستقطب الطلبة للاشتراك فيها بوسيلة مميزة .
وممتعة تدفع إلى الانطلاق نحو عالم المعرفة بجواز سفر يمنح الطفل الثقة وتغرس فيه حب القراءة بهدف تعميق ثقافته وإنماء خياله وتوسيع مداركه فضلا عن كونها أول جائزة من هذا النوع على مستوى الوطن العربي. والجائزة عبارة عن جواز سفر ثقافي يحمله الطلبة الراغبون في الاشتراك بالمسابقة.
والذين تتراوح أعمارهم بين 9 و13 عاما ويقومون خلال فترة أربعة أشهر وتحت إشراف أمين المكتبة بتلخيص القصص المختارة حيث تنقسم المسابقة إلى أربع مراحل تبدأ سنويا من شهر سبتمبر إلى شهر ديسمبر وهو آخر موعد لاستلام الجواز حيث يتوجب على الطفل في المرحلة الأولى «البرونزية» قراءة 30 كتابا كاملا .
وهذه المرحلة تعد إلزامية للمشاركة في المسابقة وتؤهل المشارك للدخول إلى المرحلة الثانية «الفضية» التي يصل مجموع ما قرأه الطفل خلالها إلى 30 كتابا تؤهله بدورها لدخول المرحلة الثالثة والأخيرة «الذهبية» في جواز السفر الثقافي حيث يصل مجموع ما قرأه في جميع المراحل إلى 90 كتابا.
كسر الحاجز النفسي
وحول فكرة المسابقة تقول بدرية سيف رئيسة قسم الطفل بمكتب سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لشؤون المواطنات والخدمات الاجتماعية إن مسابقة جواز السفر الثقافي ليست جديدة ولكنها مهمة ومتميزة حيث نشأت الفكرة عندما وجدنا أن الطفل الإماراتي والخليجي ينفر من القراءة الحرة ويتجنب قراءة الكتب والقصص فأردنا أن نغرس فيه هذه العادة لاكتساب مزيد من المعرفة والاطلاع وكسر الحاجز النفسي بينه وبين المكتبة.
وأضافت أن على الطالب المشارك الاهتمام بعدة أمور أولها التنوع أي القراءة في أكثر من لغة وفي العلوم والإسلاميات والفنون والأدب بالإضافة إلى العناية بالصياغة اللغوية لملخص الكتاب وحسن عرضها مع وجوب وضوح الفكرة والمضمون وعمقهما .
وخلال هذه القراءة لا بد من مراجعة أمين المكتبة بعد نهاية كل كتاب لمناقشته فيه وكتابة معلومات حول الكتاب من قبل الطالب يتم تقديمها للجنة التحكيم التي تضم عددا من أساتذة جامعة الإمارات في اللغة العربية والانجليزية ليتم بعدها ختم جواز السفر الثقافي.
وأعربت بدرية عن اعتقادها بان ثمار نجاحات هذه الجائزة ستحصد على المدى البعيد وسيكتسب الجيل القادم معارف شتى ومهارات في الكتابة والتأليف وربما في النقد والتحليل أيضا معربة عن أملها في أن تعمم هذه الجائزة على مستوى مدارس الدولة حتى تعم الفائدة الجميع.
ولاقت فكرة الجائزة وتجاوب المئات من الطلاب والطالبات سنويا للاشتراك فيها اهتمام كبار المسؤولين في القطاعين الثقافي والتربوي نظرا لما تقدمه من متعة وثقافة متنوعة قلما نجدها في وقتنا الحالي بسبب تعدد المؤثرات الخارجية مثل شبكة الانترنت ووسائل الترفيه الالكترونية الذي أصبح الطلبة يقبلون عليها بشكل شبه دائم أثرت في سلوك وثقافة بعض الطلبة بشكل سلبي وضار في بعض الحالات.
جائزة تستحق الاهتمام
وأجمع المسؤولون المعنيون بثقافة الطفل على أن جائزة جواز السفر الثقافي تعتبر رائدة في المجالين التربوي والثقافي وتستحق الاهتمام والمتابعة من الجهات المعنية لما توفره من أجواء محفزة للقراءة وتنويع مصادر المعرفة والارتقاء بمفرداته اللغوية وبالتالي العمل على خلق جيل ملتصق بالقراءة والكتاب وحب الاطلاع وخلق بيئة خصبة لتنشئة أدباء ومثقفين إماراتيين في المستقبل.
وأكدوا أن مثل هذه الجوائز والمسابقات تعمل على خلق مناخ مناسب قوامه التشجيع والتحفيز وسط أجواء منافسة ودية تترك أثرها الكبير على الأطفال.
بدوره أكد الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم أن هذه الجائزة تعد من أهم الجوائز المرتبطة بالتعلم الذاتي وتحفيز جموع الطلاب والطالبات على القراءة الحرة خاصة وهي ترتبط بمرحلة عمرية يكون فيها الطفل متشوقا للمعرفة وقادرا على النهل من علوم العصر وفي أكثر من مجال.
وحول مدى إمكانية تعميم هذه الجائزة الرائدة وتطبيقها على مستوى مدارس الدولة قال معاليه «إن هذه الجائزة التي تشجع الطلاب على القراءة وارتياد المكتبة بشكل دائم قابلة للتكرار والتعميم لتشمل كافة المناطق التعليمية بالدولة وهو ما ندرسه حاليا بالتنسيق مع مكتب سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لشؤون المواطنات».
ونوه معاليه إلى أن هذه المبادرة الكريمة لمكتب سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لشؤون المواطنات والتي يشارك فيها في كل عام المئات من تلاميذ المدارس في أبوظبي أثمرت منذ عام 2002 وحتى الآن عن تشرف المئات من أبنائنا التلاميذ في المدارس الحكومية والخاصة وذوي الاحتياجات الخاصة أيضا بحمل هذا الجواز الثقافي الذي يعني التميز في مهارة القراءة.
ويمتد إلى التميز أيضا في صياغة الأفكار وتنوع مصادر المعرفة. من جانبه، أبدى معالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع إعجابه الشديد بجائزة جواز السفر الثقافي السنوية..
وقال إنها جائزة رائدة وخلاقة معربا عن استعداد الوزارة لتقديم جميع الإمكانيات والتنسيق مع الجهات المعنية لتعميم هذه الجائزة على مستوى الدولة.
وقال العويس «إن دولة الإمارات العربية المتحدة تعتبر من أكثر الدول إطلاقا للمبادرات الخلاقة والمبدعة ولدينا مجموعة كبيرة من المواطنين القادرين على الإبداع والتميز إذا توفرت لهم الإمكانيات والأجواء المناسبة».
وأشاد معاليه بمبادرة مكتب سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لشؤون الموطنات مشيرا إلى أن سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات» عودتنا دائما على احتضان المبادرات والمشاريع الثقافية والإنسانية وهذه المبادرة الرائدة ليست جديدة على سموها التي تحرص كل الحرص على الاهتمام بالطفولة وتعزيز الثقافة والمعرفة لديهم.
من جانبه، أعرب محمد المر رئيس مجلس دبي للثقافة عن أمله في أن تلفت هذه الجائزة الرائدة والفريدة في هذا المجال أنظار المسؤولين الحكوميين لأهمية القراءة ولأهمية المكتبة المدرسية خصوصا مع وجود طموح كبير لتطوير العملية التربوية في مختلف الجوانب.
وقال المر «يجمع الخبراء على أن عادة القراءة من أهم العادات الحضارية ولاشك أن جائزة جواز السفر الثقافي تعتبر من الجوائز الرائدة والفريدة في هذا المجال التربوي والثقافي المهم».
وانتقد المر عدم توفر الكتب التي تناسب الطلبة في المكتبات.. وقال «إن مناسبة هذه الجائزة يجب أن تلفت الأنظار إلى الحالة السيئة التي وصلت إليها المكتبات المدرسية في مختلف إمارات الدولة فهناك مدارس لا توجد فيها مكتبات مدرسية .
وهنالك مدارس فيها مكتبات لا تتوافر فيها كتب تناسب المرحلة العمرية لطلاب تلك المدارس وحتى المكتبات التي يتوفر فيها الحد الأدنى من الكتب والمواد التثقيفية لا يوجد بها أمناء مكتبات متخصصون في هذا المجال التعليمي الخاص».
وأشار رئيس مجلس دبي الثقافي إلى أن عددا من المدارس الخاصة تهتم اهتماما كبيرا بالقراءة بحيث تخصص حصة أسبوعية للقراءة ويعطى خلالها التلميذ أو التلميذة كتابا يقرأه خلال الأسبوع ويقدم عنه في حصة الأسبوع التالي ملخصا أو تقريرا يدل على انه قرأه واستوعبه وحصة القراءة هذه غائبة تماما في أكثر المدارس الحكومية.
وقال إن التلميذ الذي لا يتعود على القراءة منذ سن مبكرة لا يستطيع أن يبدع أو يتقدم دراسيا في سنواته الدراسية المقبلة.
إنجاز كبير
أما محمد خلف المزروعي المدير العام لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث فيرى أن قراءة أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 9 إلى 13 سنة 90 كتابا لكل منهم وحتى أقل من ذلك هو إنجاز كبير يحسب لمكتب سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لشؤون المواطنات في مجال ترسيخ رغبة القراءة لدى شرائح الأطفال جيل المستقبل بعيدا عن الإطار التقليدي في طرق التعليم بالتلقين والحفظ مؤكدا أنها تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو جذب الطفل لعوالم أخرى بعيدا عن تأثيرات التلفاز والألعاب الإلكترونية.
وقال المزروعي إن طفل اليوم هو رجل الغد ولذلك يجب أن لا نتركه عرضة لتأثيرات الفضاء المفتوح التي باتت تأخذ أشكالا كثيرة ذات طابع سلبي في الغالب مشددا على ضرورة أن يتم التركيز من خلال الجائزة على نوعية القراءة وكيفية الإفادة منها في توعية الطفل ورفع سويته التعليمية والثقافية.
كما يرى في تكريم أمناء المكتبات المتميزين عملا إيجابيا لدعم القائمين على تربية طفل وتزويده بالوسائل المعرفية وتشجيعهم على مضاعفة جهودهم المتميزة التي توفر المناخ المناسب للقارئ وخصوصا الطفل.
ودعا المزروعي إلى تعميم هذه الجائزة على كافة المستويات واعتبرها جديرة للاستفادة منها في مختلف إمارات الدولة وقال «بالطبع فللأخوة العاملين في الميدان التربوي والقائمين على شؤون الطفل أساليبهم الخاصة في تطوير ثقافة الطفل وعندما يرون الفرصة مناسبة للأخذ بهذه الجائزة الهامة فلا شك أنهم سيقومون بذلك ونحن في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث على استعداد تام لأي نوع من التعاون .
وخاصة من خلال مركز الأطفال الموجود في المجمع الثقافي والذي يعمل على تنمية مهارات الطفل في مختلف مجالات التربية والعلوم والفنون والآداب». كما دعا إلى تضافر جهود المدرسة والأسرة والمؤسسات الأهلية المجتمعية حتى نحصل على أفضل النتائج المتوخاة.
وفيما يتعلق بدور المؤسسات الثقافية في الدولة والتنسيق فيما بينها لتبني مثل هذه الجوائز على مستوى الدولة قال المزروعي «إن تعدد المؤسسات الثقافية في بلادنا هو ظاهرة صحية تساهم في حركة التطوير التي تشهدها الدولة في كافة المجالات وتعمل على المساهمة في صون تراثنا والحفاظ على بيئتنا الثقافية والانفتاح على الثقافات الأخرى في نفس الوقت..
ولكن لا بد من تنسيق كافة جهود الهيئات الثقافية والتراثية في الدولة وتوجيهها توجيها سليما ودقيقا في الاتجاه الصحيح وذلك بهدف الحصول على أفضل النتائج في المستقبل القريب بإذن الله».
بذور الموهبة
وحول مستوى الطلبة وأدائهم أمام لجنة التحكيم يقول الدكتور عبدالله ابولبدة أستاذ اللغة الانجليزية في جامعة الإمارات ورئيس لجنة التحكيم في الجائزة «هناك رغبة حقيقية في القراءة واكتساب المعرفة لدى معظم الأطفال كما أن اكتساب عادة القراءة بدأ ينمو بشكل واضح إذ ينجم عن القراءة استمتاع ذهني ومن هذا المنطلق يحرص المربون واللغويون على اختيار الكتب الممتعة للطفل».
ولفت إلى أهمية الاهتمام ببذور الموهبة الأدبية مثل الكتابة الإبداعية والشعر لدى الطفل منذ الصغر.. وقال إنها بحاجة إلى الكشف ثم الرعاية تدريجيا حتى تصل إلى مرحلة النضج وليس غريبا أن نجد أدباء ومفكرين يعزون تفوقهم إلى الرعاية الأدبية التي وجدوها منذ الصغر سواء في البيت أو المدرسة أو من خلال التعلم الذاتي مؤكدا أن الجائزة تسهم إلى حد كبير في هذا المجال.
واعتبر ابولبدة أن فكرة تشجيع القراءة عن طريق منح جائزة تكريمية للقارئ فكرة رائدة وخاصة حينما تكون موجهة لأطفال المدارس مؤكدا أن الجائزة تزيد من دافعية الطفل إلى القراءة وبالتالي تسهم في خلق عادة بناءة لدى الطفل.
وأعرب عن اعتقاده بان تعميم جائزة الجواز السفر الثقافي على مستوى الدولة يتم من خلال التنسيق مع إدارات المناطق التعليمية المختلفة وإيجاد آلية لتوزيع الجوازات على المدارس وبعد ذلك إعادتها إلى مكتب شؤون المواطنات لتقييمها من قبل لجنة التحكيم وبحيث يتم كل ذلك في إطار زمني معلن ومحدد وهو ما يتطلب توفير إمكانيات إدارية وبشرية واقتصادية اكبر بكثير مما هي عليه الآن.
آفاق واسعة
هكذا يرى المعنيون بشؤون الثقافة والتربية أهمية القراءة وتعزيزها لدى أطفالنا ولكن كيف يراها الطفل في هذا المرحلة العمرية المهمة.
تؤكد مجموعة من الطالبات والطلاب المشاركين في المسابقة أنها فتحت لهم أفاقا واسعة في عالم المعرفة حيث أصبحت القراءة بالنسبة لهم جزءا مهما في برنامجهم اليومي.
واللافت في هذه الجائزة أن عددا ليس قليلا من المشاركين فيها من المتفوقين دراسيا ويحرصون على متابعة القراءة الأسبوعية مع أمين المكتبة والاستفادة قدر الإمكان من هذه الفرصة الثمينة التي أتيحت لهم وحرم البعض الآخر منها نظرا لتزايد الأعداد المشاركة سنويا.
إذن... أين الخلل في القطاع التربوي الذي يتهمه البعض بالإهمال والتقصير وإتباع أسلوب التلقين وتنفير الطلبة من طرق التدريس وبالتالي أصبح الطلبة يبتعدون تدريجيا عن كل ما له علاقة بالكتاب والمعرفة أما مؤسساتنا الثقافية التي بدأت تتزايد على الساحة المحلية فهل هي معنية بشكل مباشر في غياب التنسيق فيما بينها بشأن مثل هذه المسابقات الثقافية الهامة والتي يجب أن تكون في مقدمة خططها السنوية.
لا يزال الأمل كبيرا في أن نمد الجسور بيننا وبين الأطفال وأن يكون الكتاب هو الوسيط وان نعمل سويا المدرسة والأسرة ومؤسسات المجتمع المختلفة لخدمة قضايا أطفالنا ووضعها ضمن أولوياتنا.. كما يقول الأستاذ محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي..القراءة هي بحق جواز السفر الثقافي لكل محطات التقدم الحضاري والتعليمي والثقافي. (وام)
