كانت جميع المؤشرات تدل على أنه يتاجر بالمخدرات، إلا أنه كان من الذكاء بحيث لم يتمكن أحد من رجال التحريات الإيقاع به، كان دائماً يترك الآخرين هم الذين يقومون بعملية التوزيع وإيصال السموم إلى الزبائن، أما هو فقد كان يراقب من بعيد،
فإذا شك في أي شخص أو ارتاب من موقف ما أو من تصرف معيّن فإنه ينسحب بهدوء ومن دون أن يشعر به أحد. كان معروفاً للأجهزة الأمنية والشرطية باسم «الثعلب» لأنه يعرف كيف يتخفى وكيف يهرب من المواقف الصعبة قبل أن يقع في الفخ.
مهاجمة الفيللا
كانت جميع المعلومات التي تم جمعها عنه تقول إنه يخزِّن كمية من الهيروين في الفيللا التي يقيم فيها، ولهذا كان لابد من مهاجمة الفيللا وتفتيشها، وبعد أن أخذت الأجهزة المختصة الإذن من النيابة، قامت بدهم الفيللا، كان عدد الذين دهموا الفيللا من رجال الشرطة والأمن كبيراً حتى يخيّل إليك أن هناك حرباً على هذه الجبهة،
دخل الجميع وقلبوا أثاث الفيللا رأساً على عقب حتى أغصان الأشجار التي كانت في حديقة الفيللا فتشوها هي الأخرى، ترك الثعلب رجال الأمن يفتشون الفيللا فيما ذهب هو ليعد فنجاناً من القهوة ويدخِّن سيجارة وكأن الأمر لا يعنيه،
بعد أكثر من ساعة من التفتيش الدقيق والاستعانة بالكلاب البوليسية المدرّبة على شم المخدرات، تبيّن للجميع بأنه لا يوجد في الفيللا أي أثر للمخدرات، انسحب رجال التحريات وهم يموتون غيظاً لأنهم لم يجدوا ما يبحثون عنه وللطريقة التي تعامل بها الثعلب مع الموقف.
امرأة في الشارع العام
تيقن لدى الأجهزة الأمنية بأن الثعلب حريص جداً، وأن الإيقاع به ليس سهلاً، ولهذا تركوا مراقبته ظاهرياً وأعطوه فرصة للشعور بالأمان لعله يقع في الخطأ، إلا أن ذلك لم يزده إلا حذراً وتيقظاً.
في أحد الأيام كان الثعلب متوجهاً إلى السوق لشراء الأقمشة والبضائع التي يتاجر فيها، فهو يمتلك سيارة من نوع «van» قام بإزالة الكراسي الخلفية منها وحوّلها إلى متجر متجول حيث يشتري أقمشة وعطوراً واكسسوارات نسائية من المحلات الكبيرة ثم يذهب ببضاعته هذه ويوزعها على المحلات الصغيرة، وكانت هذه هي التجارة المعلنة له، أما التجارة الحقيقية فقد كانت المخدرات.
في صباح أحد الأيام، كان الثعلب متوجهاً إلى السوق فأوقفته امرأة طالبة مساعدته قائلة له إن إطار سيارتها قد انفجر وطلبت منه أن يوصلها إلى مكتبها الذي يقع على الشارع العام في أحد الأبراج الفخمة،
عندما رأى الثعلب المرأة واقفة أمامه انعقد لسانه وجفّ حلقه وزاغت عيناه لشدة جمالها وجاذبيتها ولذوقها الرفيع في اختيار الملابس، ومن دون أن ينبس ببنت شفة فتح لها باب السيارة لتجلس إلى جانبه،
مرّت على الثعلب لحظات ظن نفسه أنه يحلم، فهو غير مصدق لما يحدث، فأي حظ سعيد ألقى بهذه السيدة في طريقه لإيصالها إلى مكتبها، بعد أن جلست السيدة في السيارة اعتذرت للثعلب لأنها عطلته عن عمله،
لكن الثعلب طمأنها وأكد لها أن وقته كله لها، عندما وصلت السيدة إلى مكتبها شكرت الثعلب وأعطته رقم هاتفها وكذلك فعل هو، ولم تمض نصف ساعة حتى اتصلت المرأة بالثعلب طالبة منه أن يدلها على شركة يمكن أن تصلح لها إطار سيارتها التالف، فرد عليها الثعلب قائلاً إن المسألة لا تحتاج إلى شركة،
وإن تبديل الإطار لا يستغرق سوى دقائق وإنه على استعداد للقيام بهذا العمل البسيط إكراماً لها، وخلال المكالمة أخبرها الثعلب بأنه سينتظرها عند خروجها أمام مكتبها ليذهبا معاً حتى يصلح لها الإطار، وافقت المرأة بعد تردّد قائلة إنها لا تريد أن تسبِّب له المزيد من المتاعب،
وفي الوقت المحدد كان الثعلب ينتظر المرأة حيث ذهبا معاً وأصلح لها الإطار، بعد ذلك شكرت المرأة للثعلب صنيعه قائلة له لا بد لك أن تقبل دعوتي على الغداء، وافق الثعلب على الفور وخلال وجودهما في المطعم عرف الثعلب بأنها سيدة مطلقة وأنها تركت زوجها لبخله الشديد،
إضافة إلى بخله فقد كان يأخذ مرتبها ولا يعطيها منه شيئاً، شعر الثعلب بتعاطف معها ووعدها بأنه سيعوِّض لها كل شيء إن هي وافقت على الزواج منه، ترددت المرأة قائلة إنهما لا يعرفان بعضهما بعضاً إلا ليوم واحد، لكنها وعدته بأن لقاءاتهما ستتكرّر ليدرسا بعضهما بعضاً.
استمرت لقاءات الثعلب والمرأة لأكثر من ستة أشهر كان يغدق عليها بالهدايا وكانت هي الأخرى كريمة معه، فقد قدمت له سلسلة مفاتيح ذهبية وكمية من العطور الرجالية وولاعة سجاير من أشهر الماركات العالمية.
في جلسة غداء معها طلب منها الثعلب أن تحدد له يوماً ليخطبها فيه رسمياً، كما طلب منها أن تذهب إلى أكبر محل للمجوهرات لتختار شبكتها، هنا قالت له المرأة إنها تفضِّل أن تحتفظ بصداقته بدلاً من الزواج،
وذلك حتى لا يتكرر فشل زواجها الأول، وعندما سألها عن السبب قالت له إن أوضاعه المالية غير مستقرة، فهو تاجر أقمشة متجول في سيارة وهذه التجارة لا يمكن أن تحقق لها السعادة والاستقرار العائلي، لكن الثعلب أكد لها أنه يمتلك مالاً كثيراً وعليها أن تطمئن للمستقبل معه،
إلا أن المرأة رفضت ذلك بشدة فهي تريد أن تطمئن على مستقبلها قبل الارتباط بأي رجل، جنّ جنون الثعلب وأطلعها على رصيده في البنك، فوجدته رصيداً كبيراً جداً، لكنها قالت له إن هذا الرصيد قد يكون سلفية من البنك وسيعيده إلى البنك بعد الزواج،
حاول الثعلب إقناعها بكل الطرق بأن المال ماله وأنه مستعد أن يضع كل ما يملك تحت أقدامها عندما توافق على الزواج منه، وقالت له لا يمكن أن تقنعني بأن كل هذا المال لك، فكيف يمكنك أن تجمعه من تجارتك البسيطة هذه، هنا قال لها الثعلب سأطلعك على كل شيء غداً بعد أن نتناول العشاء معاً.
لقاء في السيارة
بعد أن تناول الثعلب والمرأة العشاء معاً، في أحد الفنادق الفخمة، قال لها سأبرهن لك أن المال الذي في رصيدي هو مالي وأن تجارتي رابحة جداً، فأخذها إلى الفيللا التي يقيم فيها وقال لها تعالي معي لتري بنفسك، دخل الثعلب والمرأة إلى سيارة الـ (VAN)، حيث كانت الأقمشة والعطور والاكسسوارات معلقة على أرفف مثبتة على جدران السيارة من الداخل،
أما أرضية السيارة فقد كانت مغطاة بقطعة من «الموكيت»، نزع الثعلب قطعة «الموكيت» فظهرت أرضية السيارة فقال لها انظري ماذا سأفعل، وعمد إلى مفك ووضعه في ثقب صغير، فإذا بأرضية السيارة تتحوّل إلى باب يطل مباشرة على الشارع وكانت السيارة تقف فوق بالوعة قديمة،
فقال للسيدة أنظري، فقام بفتح باب البالوعة وهو لا يزال داخل سيارة ال(VAN)، وإذا وإذ هو معلق بأطرافها أكياسا عدة مملوءة بالهيروين، فقال لها هنا أخبئ الهيروين، وهذه هي البضاعة التي أتاجر بها ومنها أكسب الملايين، فلا تقلقي على مستقبلك معي، ثم أعاد باب البالوعة إلى مكانه وأغلق فتحة السيارة التي تقف فوق البالوعة وأعاد قطعة الموكيت إلى مكانها.
أصيبت المرأة بالذهول لهذه الفكرة الشيطانية وبدأت تناقشه في كيفية الحصول على المخدرات وكيفية توزيعها، في هذه الأثناء انقض عليه رجال المباحث واعتقلوه، فقد كانت المرأة تحمل جهاز تنصت في السلسلة التي كانت تضعها حول عنقها،
أصيب الرجل بصدمة عنيفة لأنه عرف بأن السيدة تعمل لدى الأجهزة الأمنية، وكانت صدمته أكثر لأنه فقد بضاعته وحريته، هجم الثعلب على المرأة ورماها أرضاً وأطبق على عنقها يريد قتلها،
لكن رجال الأمن أنقذوها منه ووضعوا القيود في يديه، نظر الثعلب إلى المرأة وبحنق شديد والشرر يتطاير من عينيه وهو يقول لها سأقتلك أيتها (....) سأقتل كل النساء من أجلك، سأقتل كل النساء، كل النساء.
إعداد: أحمد سلطان