ذكر القرآن الكريم آفة الظلم في آيات عديدة وقد تنوعت أسباب الظلم لذلك أطلق على معان كثيرة ظلماً. فالشرك ظلم وكتم شهادة الحق ظلم ومنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ظلم والإعراض عن آيات الله بعد التذكير بها ظلم والكذب على الله لإضلال الناس ظلم وهذا بيان نورده من خلال الآيات القرآنية التالية:
قال الله تعالى في سورة لقمان (3): (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).
وقال تعالى في سورة الأنعام (82): (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).
روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: «لما نزلت (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس ذا إنما هو الشرك» ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).
وقال تعالى في سورة البقرة (140): (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون).
وقال تعالى في سورة البقرة الآية (114): (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
وقال تعالى في سورة الكهف الآية (75): (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذن أبداً).
وقال تعالى في سورة الأنعام الآية (144): (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين).
وقال تعالى في سورة النساء الآية (30): (ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً).
عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه.. وفيه: إن الله تعالى قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا».
قال النووي: قال العلماء: معناه تقدست عنه وتعاليت والظلم مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى كيف يجاوز سبحانه حداً ولي فوقه من يطيعه وكيف يتصرف في غير ملك والعالم كله في ملكه وسلطانه. وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا: أي لا تتظالموا والمراد لا يظلم بعضكم بعضاً وهذا توكيد لقوله: «يا عبادي وجعلته بينكم محرماً».
والمظلوم دعوته لا ترد حيث يرفع الله عز وجل دعوة المظلوم فوق الغمام وفي هذا دلالة على عظم إثم الظالم وبعده عن ربه سبحانه وتعالى وقرب المظلوم من الحق جل جلاله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السموات يقول لها سبحانه وتعالى: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين».
وأعظم الظلم أن يأخذ الإنسان حق الآخرين فيقع في أعراضهم أو يسلب أموالهم أو يتقول عليهم بما ليس فيهم أو يهتك سترهم لذلك حذر عليه الصلاة والسلام من عواقب الظلم وأن على المرء أن يقوم برد المظالم إلى أهلها في سبيل الدنيا قبل الآخرة لأنه سيقف للحساب هناك ولا مجال لرد ما اقتطعه أو ظلم فيه الآخرين.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه وماله فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه حيث لا يكون دينار ولا درهم فإن كان له عمل صالح أخذ له منه بقدر مظلمته وإلا أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه».
وعن ميمون بن مهران في قوله تبارك وتعالى: (ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون) (إبراهيم: 42) قال: «تعزية المظلوم ووعيد للظالم».
فأي إثم به ذاك ظالم أعظم من هذا الوعيد فهو سبحانه يمهل ولا يهمل وإن أخذه أليم شديد.
وقال ميمون بن مهران: «الظالم والمعين على الظلم والمحب له سواء» والظلم يحجب صاحبه من دخول الجنة حتى يرد ظلامة الناس ويستسمح منهم فلا ينبغي للمسلم أن يتهاون في حقوق الناس ولو نظرة فيها تنقيص أو لطمة فيها إهانة قد فعلها بغير حق فكل ذلك عند الله عظيم ويحول بينه وبين فاعله من الأجر وتنصب عليه لعنات الله عز وجل.
«عن عبدالله بن محمد بن عقيل أن جابر بن عبدالله الأنصاري حدثه قال: بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه منه فاعتقبت بعيراً وشددت عليه رحلي وسرت إليه شهراً حتى أتيت الشام.
فإذا هو عبدالله بن أنيس الأنصاري فأرسلت إليه أن جابراً على الباب فمضى إليه الرسول فخرج إلي فاعتنقني واعتنقته فقلت: حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه منه فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه.
فقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الله العباد أو قال الناس وأومأ بيده إلى الشام عراة غرلاً بهما قلت: ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء قال: فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة» قلنا: وكيف وإنما يأتون عراة غرلاً وبهما؟ قال: بالحسنات والسيئات».
ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن المظالم ترد إلى أهلها يوم القيامة بأخذ الحسنات من الظالم حتى تنتهي فيهلك وعندما لا يكفي المظلوم حقه تؤخذ من سيئات المظلوم فترد على الظالم.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخلص المؤمنون يوم القيامة عن النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار لفيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى إلى منزله من منزله كان في الدنيا فكان يقال ما يشبه بهم إلا أهل جمعة حين انصرفوا من جمعتهم».
فهذا وصف لحال الظالمين والمظلومين يوم القيامة وهو دعوة لكل مسلم أن يخلص رقبته أن يأتي اليوم الذي يندم فيه لما يرى من هول الموقف.
وعن طلحة بن عمرو (فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم) (الذاريات: 59) قال: عذاباً مثل عذاب أصحابهم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه لا أعلمه إلا رفعه قال: «أسرعوا بجنائزكم فإن كانت صالحة عجلتموها إلى الخير وإن كانت ظالمة استرحتم منها ووضعتموها عن رقابكم».
فالظالم يوم يموت يستريح منه الناس لما للظالم من آثار السخط والعقاب الذي يحل على الظالم ويتسبب في أذية الآخرين.
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصرة المظلوم وكل من يتخلف عن ذلك إنما يعرض نفسه لمخالفة الله ورسوله ويكون عند الله من الآثمين. «عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر المظلوم».
وعن أنس بن مالك قال: أبو وهب ولا أعلمه إلا ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قيل: يا رسول الله ينصره مظلوماً فكيف ينصره ظالماً؟ قال: يمنعه من الظلم فذاك نصره إياه».
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً إن كان ظالماً فلينهه فإنه له نصرة وإن كان مظلوماً فلينصره».
فالظلم ظلمات يوم القيامة يحجب المرء عن رضا الله عز وجل وعن النعيم الذي أعده الله عز وجل للصالحين من عباده: عن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم».
والظلمة يوم القيامة يرافقها العذاب والظلمات كما قال الإمام النووي: عبارة عن الإنكار والعقوبات.
فعلى الذين تحدثهم أنفسهم بظلم الناس وإيذائهم أن يضعوا بحسابهم أن الله عز وجل لهم بالمرصاد وأنه يمهلهم ومهما مكر الظالم فإن الله عز وجل سيوقعه في شر مكره ومهما كاد فسيرميه الله عز وجل في مكايده وربما حفر حفرة لغيره فكان هو ضحيتها وربما نصب شركاً لغيره فوقع فيه.
رجاء علي