الأمة الإسلامية تمر بمرحلة حرجة من تاريخها الأمر الذي دفع الكثيرين للمطالبة بوجود دعاة مسلمين قادرين على التصدي والمواجهة لكل التيارات الغربية التي تسخر كل أسلحتها من أجل تشويه صورة الإسلام والمسلمين بوجه عام سواء أولئك الذين يتخذون المساجد ومنابرها طريقًا لهم أو أولئك الذين يتخذون القنوات الفضائية وأشرطة الكاسيت طريقًا آخر لهم..

وما بين هذا الطريق وذاك يبقي المسلم حائرًا حول أيهم أصح طريقًا لذلك طرحنا السؤال على علماء ومتخصصين حول ماهية ومواصفات الداعية العصري ليكون انعكاس إرائه بالإيجاب وليس بالسلب على الأمة الإسلامية؟!

يقول د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر: ما أحوجنا إلى الداعية الذي يحذو حذو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، وما أحوجنا الى المسجد الجامع الذي يجمع ولا يفرق ويقوي ولا يضعف..

اننا في حاجة الى منهج للدعوة والتعليم ليعمق إيمان الأمة الإسلامية بعقيدة الإسلام وحقيقته ويفضح أباطيل خصوم الإسلام، ولابد أن تتكاتف الجهود بين الدعاة والجهات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية لتعميق العقيدة الإسلامية السمحة في أبناء الأمة من خلال كافة القنوات التي تساعد على ذلك.

أما د. حسن الشافعي الأستاذ بكلية دار العلوم فيشير الى أن الدعوة أمرها متاح للجميع ولكن الدعوة بمعنى النهي عن المنكر والأمر بالمعروف لها شروطها الخاصة التي وضعتها الشريعة الإسلامية ومن أهم هذه الشروط: «العلم والصبر والرفق بأمور الدعوة».

ويدعو د. الشافعي «الى منع غير المؤهلين لأمور الدعوة عن ممارستها عن طريق الإرشاد والتنبيه والتذكير بالأخطاء التي يقعون فيها حتي يمكن إيقاف سبيل الدعاة غير المؤهلين سواء كانوا على المنابر وفي الفضائيات خاصة أن هناك دعوة من أجل إنشاء جهاز رقابي على الدعوة الإسلامية يمكن من خلاله قانونًا إيقاف غير المؤهلين في أمور الدعوة خاصة أن هناك البعض يظهر في الفضائيات ويقومون ببعض الفتاوى الخاطئة باسم الدعوة.

أما د. طلعت عفيف عميد كلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة فيرى أن مسألة الدعوة الى الله من أفضل الآمال ولكن هناك ضوابط لهذه الدعوة حتى يكون الداعية مؤهلا للقيام بها وهذه الضوابط تأتي انطلاقًا من قوله تعالي (قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحن الله وما أنا من المشركين).

إذًا الآية الكريمة حددت ضوابط الدعوة وهي البصيرة بالعلم والمعرفة، هذا ما يخص الدعوة وأما فيما يتعلق بمسألة خلط الدعوة بالإفتاء فهذا أمر مختلف تمامًا لأن أمور الفتوي لا تجوز إلا لأصحاب العلم والتخصص وأهل القدرة والتصدي للأمورالفقهية التي تخص الناس.

ثمار الدعوة ويؤكد د. محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري أن الدعوة ليست وظيفة أو مهنة - كما هي عليه اليوم - بل هي رسالة، وأعباؤها ليست سهلة هينة بل هي كفاح وجهاد وطموح من أجل هدف غال..

إن أسس الدعوة الإسلامية تكمن في قول الحق سبحانه وتعالي (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) حيث أوضح المفسرون أن هذه الآية وضعت ثلاثة أسس للدعوة الصحيحة في مقدمتها الحكمة فلابد أن يكون الداعية واعياً فاهماً عالماً بأفضل الطرق المؤدية الى غرضه.

كما يلزم أن يكون على دراية بقواعد الدعوة بالنسبة لكل نمط من أنماط المدعوين. ويوضح د. زقزوق أن الحكمة هي الحجة البالغة والأدلة الدافعة التي تنير طريق الحق وتبدد ظلمات الباطل، فالحكمة أسلوب إقناع العلماء والحكماء والطبقة المستنيرة، لذا فقد وردت كلمة الحكمة في أكثر من موضع في كتاب الله بمعان كثيرة، حيث وردت بمعنى الوعظ والتذكير.

ويعتبر د. زقزوق الموعظة هي العلاج الوحيد لصلاح العالم، والحياة الحقيقية للأمم لا تكون إلا بمقدار انتفاعهم بالموعظة، بل الموعظة لا تؤتي ثمارها إلا اذا توافرت عدة أمور فيها ما يتصل بالداعية وأخرى بالمدعوين وما يتصل بالدعوة نفسها وإذا اكتملت هذه الأمور تحقق الموعظة عملها في الفرد والجماعة والأمة.

وتأتي المجادلة بالتي هي أحسن - كأهم أسس للدعوة الإسلامية، لأنها أسلوب الدعوة مع الجاحدين والمعاندين وهي أهم أساليب نجاح الدعوة، فيما تؤدي الى محاولة التغلب على التهريج والصخب وإظهار الخشونة والتجريح الذي يؤدي الى نتائج عكسية تماماً.

ربط الدين بالحياة وعن منهج الدعوة والأولويات التي ينبغي أن يركز عليها الداعية يقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف الأسبق: هي مراعاة التبسيط في العرض انطلاقا من أن الإسلام دين الفطرة، والوعي بأهمية استخدام الوسائل الجماهيرية في عرض الدعوة، وضرورة ألا يستخدم الدعاة الأسلوب الوعظي المباشر فهذا الأسلوب وإن كان يحقق نتائج جيدة في مجتمع أو منطقة معينة، فإنه لم يعد الأسلوب الأمثل اليوم.

وينبغي مراعاة التركيز على الأحداث المعاصرة في عرض الأمثلة مما يحقق التفاعل بين الدين وأحداث الحياة، حيث لا يقتصر الحديث عن الماضي والتاريخ فقط ويجب أن يستجيب خطّاب الدعوة الى القضايا المعاصرة التي تشغل الإنسانية كلها بوجه عام وذلك بعرض حلول ومعالجات لها من منظور إسلامي، مؤكدا، أن السماحة والقدوة الحسنة هي أساس الدعوة الإسلامية.

ودليلي ذلك الأعرابي الذي جاء يطلب شيئا من رسول الله ثم قال له الرسول صلى الله عليه وسلم «أأحسنت اليك يا إعرابي»؟ فقال الإعرابي «لا ولا أجملت» فغضب المسلمون وقاموا اليه فأشار اليهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن كفوا ثم قام ودخل منزله، وأرسل اليه وزاده شيئا ثم قال «أأحسنت اليك» قال نعم فجزاك الله به من أهل وعشيرة خيراً.

فقال له الرسول«أنت قلت ما قلت» في نفس أصحابي من ذلك شيء فإن أحببت فقل بين أيديهم حتى يذهب ما في صدورهم عليك، فالدعوة هي روح الإسلام وحقيقة الإيمان وسر حياة الإنسان، لقد أوجب القرآن الدعوة على كل مسلم ومسلمة في عدة مواضع من سوره وآياته.

وأذكر منها قوله تعالي (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون). ولقد حذر القرآن الكريم من التقصير في الدعوة الى الله في أماكن أخري منها قوله تعالي (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة).

وعن مواصفات الداعية العصري يقول المفكر الإسلامي د. عبدالصبور شاهين: إننا لسنا بحاجة الى مساجد كثيرة بقدر ما نحن في حاجة الى علماء اكفاء يؤدون رسالتهم والدور الواجب عليهم في هذه المساجد، لأن المسجد معنى وليس مبنى ونحن في حاجة الى الداعية المتفتح على علوم العصر والمتفتح الفاهم لأمور الدين كي يربط الماضي بالحاضر ويهيئ المسلمين للمستقبل المشرق وهؤلاء الدعاة قليلون.

وخاصة الدعاة الجدد الذين هم في حاجة الى صقل للفكر واستزادة للمعلومات ومعرفته بقضايا العصر وما يستجد على الساحة الإسلامية فالدعاة في الوقت الحالي إما أن يكون اشتغالهم بالدنيا حائلاً بينهم وبين الاستزادة من علوم الحياة، وإما أن يكونوا عاجزين بمواهبهم الشخصية عن تحصيل المعارف المختلفة.

وبالنسبة للصنف الأول فإنهم لم يستزيدوا من ثقافات أخرى وابتعدوا عن الواقع فيصبحون موظفين ضيقي الأفق فهم لم ينفتحوا على الحياة ولم يبحثوا في واقع الناس، ونحن بحاجة الى دعاة يفقهون الحياة كما فقهوا الدين ولم يعد ممكنا الفصل بين فقه الدين وفقه الواقع.

ويشير د. شاهين الى أن الدعاة في هذا الوقت بخاصة لا ينبغي أن نلقي عليهم اللوم لأن الداعية لا يملك إلا الكلمة والأوضاع التي تعيشها الأمم لا تنشئها الكلمات، وإنما ينشئها الفعل والقوة، والذي يملك الفعل يستطيع أن يقول فيطاع، أما جهود الداعية المحصورة في القول فقط فلا تستطيع وحدها أن تغير شيئاً، والكلام كثير وبضاعة الكلام رائجة في عالمنا سواء كانت بضاعة تدعو الى الخير أو بضاعة تدعو الى الشر.

وبطبيعة الحال فإن بضاعة الشر لم تترك الطريق ممهداً أمام بضاعة الخير، لكني أتصور دائما أن هناك شرطاً لنجاح الداعي يغيب عن الدعاة هو المتمثل في صدقهم الذاتي فالدعوة ليست وظيفة وإنما هي رسالة، وحينما تكون الدعوة رسالة فلا يكون هناك تناقض بين واقع الداعية من ناحية وبين الرسالة وما يدعو الناس اليه من ناحية أخرى فحياة الداعية تحدد دعوته.

وإذا افتقد الناس صدق الشخصية في الداعية وفي أحواله وحياته البعيدة عن المسجد والبعيدة عن الخطابه والدعوة، فانهم لن يصدقوه فيما يقول، وهذه هي المشكلة التي يواجهها الدعاة.

القاهرة: من وكالة الصحافة العربية