عقدت الجلسة الرابعة تحت إدارة الإعلامي العربي المرموق حمدي قنديل تحت عنوان: «تطوير إدارة المؤسسات الإعلامية» وتحدث فيها كل من: رئيسة تحرير صحيفة «اميرتس توداي» د. هيام عبدالحميد، والباحث الإعلامي د. عبدالرزاق المضرب،
وأستاذ الإعلام في جامعة الشارقة د. السيد بخيت، ود. إبراهيم الحوسني، الذين قدموا أوراقاً بحثية في «إدارة المؤسسات الإعلامية وإعداد الكادر الإعلامي»، و«ترسيخ أخلاقيات مهنة الصحافة»، و«تنمية الموارد البشرية وتوطينها».
وقالت د. هيام عبدالحميد في دراستها إن هناك اهتماما في إدارة المؤسسات الصحافية بالبحوث المرتبطة بها، إذ شهدت فترة التسعينات نموا متزايدا في عدد الأبحاث والدراسات التي تتناول موضوع إدارة المؤسسات الصحافية وممارساتها، وهو ما يعود إلى كبر حجم المؤسسات الصحافية واتساع ممتلكاتها ما نتج عنه تركيبة إدارية معقدة،
فضلاً عن تزايد المنافسة من قبل الوسائل الإعلامية التقليدية (راديو وتلفزيون وفيديو) وغير التقليدية إضافة إلى منافسة الصحف والمجلات الأخرى، وشددت على أن «الشواهد دلت على أن الصحف ذات التقنيات الإدارية الفعالة والمهارات في التجديد والابتكار هي التي تحظى بنصيب أوفر من النجاح والصمود والقدرة على التحدي».
وبينت الدراسة التي أعدتها رئيسة تحرير صحيفة «اميرتس توداي» أن تراجع عائدات الإعلانات في قطاع الصحافة المقروءة مع مطلع التسعينات دفع بالقائمين على المؤسسات الإعلامية إلى التوجه إلى إجراء البحوث والدراسات للوقوف على أسباب هذا التراجع والبحث عن السبل التي تضمن للصحف أداء فاعلا وعودة قوية إلى الأسواق وتحقيق العائد المادي،
موضحة أن السنوات الماضية شهدت اختلافاً طرأ على نوعية القراء في ظل تغير الاحتياجات الإعلامية والترفيهية لفئات الجمهور الذي لم يعد يكتفي بالشكل والمضمون التقليدي للصحيفة بل صار ينتظر خدمة أعمق ومشاركة أكبر للصحف في الحياة اليومية التي يعيشها، «فأخذ الخوف من تآكل جمهور الصحف يدفع القائمين عليها إلى البحث عن التجديد والابتكار في الإخراج والمضمون والشكل بهدف تلبية احتياجات كل فئة من القراء».
وركزت على أن إدارة المؤسسات الصحافية تختلف عن إدارة المؤسسات التجارية العادية في «طبيعة وخصوصية المنتج الصحافي»، فعمل هذه المؤسسات قائم على نشاط إبداعي فكري، وهو ما اعتبرت أنه يثير إشكالية تواجه بعض الإدارات في إدارة خدمة عامة ذات طابع ثقافي وفكري وفقا لقوانين الربح المادي.
وبدت متحمسة لفكرة تثقيف العاملين في المجال الصحافي «مؤسساتياً وإدارياً» بقولها في الدراسة إنه «مثلما يطلب من العاملين في المؤسسات الاقتصادية استيعاب الدور الاقتصادي والمالي لمؤسساتهم صار مطلوبا من الصحافي أن يستوعب الدور الاقتصادي والمالي للصحيفة، معتبرة أن ذلك «أصبح من مكونات الثقافة المهنية الصحافية إذا ما كان الهدف هو إنتاج صحيفة ذات جودة عالية وتسويق ناجح».
وشددت على أن بقاء أي مشروع صحافي واستمرار أي مطبوعة صحافية مرهون بردود أفعال القراء أولا باعتبارهم المستهلك رقم 1، وركزت على عدم صحة أن يكون الاهتمام بالعائد المادي على حساب الكلمة والحقيقة والحيادية.
وقالت إن عدم التوافق لدى بعض القيادات الصحافية بين ضرورات الربح وبين أخلاقيات المهنة قد يسوق الصحيفة إلى تدهور في الأداء من جراء اللهاث وراء الكسب المادي وإرضاء المعلن أو رجال الأعمال والتجارة.
وأفردت د. هيام مساحة واسعة لـ «أهمية إدخال وزيادة العناصر الإعلامية المحلية ووضع استراتيجيات واضحة المعالم لكيفية القيام بعملية التوطين بشكل مدروس وعدم ترك هذه القضية رهنا لرغبات بعض القيادات ورفض وعدم اقتناع أخرى». وقالت إن «هناك حاجة اليوم إلى الصحافي المعاصر والى أستاذ الصحافة المعاصر والى الإداري الصحافي المعاصر».
مواثيق الأخلاق المهنية
وبعد ذلك، قدم د. عبدالرزاق المضرب ورقة بحثية تناول فيها «أخلاقيات مهنة الإعلام» حاول فيها التفريق بين مفهومي الأخلاق والسياسة رغم تداخلهما واتصالهما ببعضهما. وتطرق إلى مواثيق شرف من المجتمع الغربي محاولا إبراز مواقفها من قضايا أخلاقية شائكة مثل موضوع تضارب المصالح، ومبدأ الحرية، والقيم الخالدة، واستقلالية المحرر، وقضايا التنوع والتمييز العرقي والمصداقية.
وتحدث المضرب عن أخلاقيات الإعلام في دراسة مقارنة بين مواثيق الأخلاق المهنية، ورأى أن هناك ثلاثة أسباب تقف وراء الإخفاق الأخلاقي للإعلام في بلدان العالم المختلفة، وقال إن المسبب الأول يكمن في السياسة الاقتصادية للرأسمالية، وأن السبب الثاني يتعلق بتوظيف السلطات السياسية في كثير من بلدان العالم الثالث، وحتى في الغرب، لكثير من الصحف في الدفاع عن مصالحها وتضليل الرأي العام.
وشدد المضرب بعد تعداد عدد من التجارب العربية والغربية في إعداد مواثيق الشرف الإعلامية على أن «السلوك الأخلاقي داخل أجهزة الإعلام لن يتسق ومحتوى مواثيقها الأخلاقية إلا إذا أدرك الصحافيون والإعلاميون أن الشروط الأساسية كالأمانة والعدل والصالح العام ليست بهذا الوضوح وليست علامات سهلة الفهم نحو التصرف الصحيح».
وأضاف أن أهم الموضوعات التي تتناولها تلك المواثيق ، تضارب المصالح، والذي يتضمن قضايا تتراوح بين قبول الهدايا ورحلات السفر المجانية، وحتى التدخل في سياسات التحرير، واستغرب عدم وجود ميثاق أخلاقي حتى الآن للصحافيين أو الإعلاميين الإماراتيين، وشكا من رد أحد القائمين على إدارة إحدى المؤسسات الإعلامية عليه حينما سأله عن ميثاق الشرف الذي تسير على هداه مؤسسته بالقول إنه من أسرار المهنة.
الواقع المهني والتعليمي لأخلاقيات الإعلام
ثم عرض أستاذ الإعلام في جامعة الشارقة د. السيد بخيت للواقع المهني والتعليمي لأخلاقيات الإعلام في دولة الإمارات فقال إن هذا الأمر يحتل أهمية بارزة في المناقشات التي تعني بتحسين المضمون والممارسات الأخلاقية في وسائل الإعلام، وطرح مصفوفة أخلاقية ومهنية جديدة للعمل الإعلامي،
في ظل تراجع مصداقية وسائل الإعلام، وكمحاولة لكشف تأثير ثورة المعلومات على طبيعة العمل الإعلامي وممارساته. كما تثار في مقابل قضية القوانين الصحافية، كوسيلة لتجنب قيام السلطات المعنية بإصدار قوانين قد تؤثر على حرية الإعلام.
وكشفت الدراسة التي قدمها المحاضر عن عدد من العوامل التي تقود إلى الممارسات الإيجابية، مثل: طبيعة الاستقرار السياسي والاقتصادي في الدولة، وتوافر هامش حرية للصحافيين، وتوافر الإمكانات المادية للمؤسسات الصحافية، وتنوع الخبرات..
فيما رأى أن عدم وجود مواثيق شرف تضبط العمل الإعلامي، وعدم اضطلاع جهات عديدة بأدوارها في توجيه وضبط الممارسات الأخلاقية، وتدخل العامل التجاري والإعلاني في العمل الصحافي، من العوامل التي تؤدي إلى ممارسات سلبية.
وبين د. بخيت أن إجراءه الدراسة جاء في وقت تشهد فيه صحافة دولة الإمارات بعض الانتقادات الخاصة بتلقي بعض الصحافيين لرشى، واتهامات بعدم النزاهة المهنية، وبنشر أخبار كاذبة وغير موضوعية،
وبالترويح لبعض الأخبار المثيرة. وتطرق إلى العديد من التحولات في الأوضاع العامة المتعلقة بوضعية الإعلام وسياساته، وإلغاء وزارة الإعلام، والتفكير في إعادة النظر في قانون المطبوعات، فضلاً عن ان أبعاد المنافسة الصحافية وصلت حد الهجوم المباشر،
وتعرض بعض الصحافيين لمضايقات، وركز على عدم وجود جهات ترصد وتقيم الممارسات الأخلاقية المتبعة في صحافة الدولة. وقال إن «المجتمع الإعلامي في دولة الإمارات يضم العديد من الصحافيين من جنسيات إعلامية متباينة في الثقافات والولاءات والاهتمامات والرؤى الحاكمة للممارسات الأخلاقية في العمل الإعلامي وهو ما يعني أن صحافة المجتمع تطرح قضية أخلاقيات العمل الإعلامي في شكل مغاير عن غيرها، وبما يجعلها تستحق الدراسة والتحليل».
أما د. إبراهيم الحوسني فشدد على ديمومة التدريب وإعداد الكوادر الإعلامية المواطنة، ودعا إلى جسر الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، ورأى وجود حاجة ملحة للتنسيق بين طرفي هذه العملية.
وأشار الحوسني إلى أن هناك من يقول انه لا توجد فجوة حقيقية، فالسوق عندنا في الإمارات صار يتلهف لخريجي الإعلام. بل وكان حتى موعد قريب يأخذ من غير خريجي الإعلام ويدربهم، في الجزيرة والعربية
وغيرها من المحطات والصحف والمجلات، ليصبحوا صحافيين. لذلك فإن أكثر الصحافيين في الإمارات هم من غير خريجي الإعلام، بل وبعضهم يحمل الشهادة الثانوية. ولهذا فقد كان السوق تواقاً للخريجين الذين على الأقل لديهم المعرفة الأولية بما يجري في مجالات الإعلام المختلفة.
وقال انه من خلال التجربة العملية في الميدان الأكاديمي لمدة ست سنوات حتى الآن فإن من الملاحظ ان الطالب العربي يأتي مفتقداً وإلى حد كبير، لروح التركيز والاستيعاب الدقيق، والقدرة على التعبير عن الذات بحرية، وتركيز، وصدق، وجرأة، إلا إذا كان قد درب نفسه من خارج المنهاج التعليمي في التعليم الديني مثلاً.
ويأتي كذلك مفتقداً لروح التنظيم الممنوع والمحرم، إلا بمستويات دنيا جداً، واعتبر ان هذا الأمر لا يساهم في خلق شخصية مبدعة قادرة على الابتكار والخروج عن المألوف، إلا بأعداد محدودة جداً، وضمن نطاق تخصصات محددة جداً، خاصة في المجال التطبيقي.