دخلت برفقة زميلي المصور بيتاً في منطقة المعمورة برأس الخيمة تسكنه مجموعة من العمالة الآسيوية التي اتخذت منه مقراً لممارسة مهنة غسل الملابس.
وداخل البيت يمكن مشاهدةالعديد من المناظر السيئة المزعجة التي جعلت منها بيئة مشبعة بالتلوث فالمياه القذرة التي تتدفق من عمليات غسل الملابس تملأ الحوش وتشكل بحيرات راكدة تتعذر معها الحركة، وأكوام الملابس الرجالية والنسائية ملقاة على الأرض. وفوق الحبال الممتدة لمسافات بعيدة تعرض عشرات الملابس ومفارش الأسرة والأغطية لحرارة الشمس بقصد تجفيفها. وبالرغم من البيئة الكريهة داخل البيت فان شهية كاميرا زميلي المصور لم تتوقف عن تصوير العديد من اللقطات المثيرة للانتباه.ورغم ان أعداد المحلات المسوح لها بالعمل كمغاسل عامة للملابس يتجاوز 500 مصبغة فإنه من المؤكد ان هناك العديد من البيوت الخاصة تحولت إلى مغاسل تعمل في الخفاء.
ويقول علي احمد رباع: صحيح أن المغاسل التي يطلق عليها في الترخيص التجاري أمس «المصبغة» عملها تنظيف الملابس من أوساخها لكنها في ذات الوقت تكون وسيلة لنشر الأمراض بين الناس.
وبالطبع فان ما يقوله رباع لم يأت من فراغ بل هو كلام واقعي ووراءه أدلة دامغة لعل أهم تلك الأدلة شكوى العيادات المتخصصة في الأمراض الجلدية من انتشار الأمراض بصورة مزعجة.
حديث الأرقام
ووفقاً لتقرير صادر من المنطقة الطبية العام الماضي فان عدد المترددين على عيادات الجلدية تضاعف بحيث وصل إلى الألف أو أكثر مقارنة بـ 500 مراجع عام 2004. ويشير الأطباء إلى أنه ضمن الاحتمالات التي تقف وراء زيادة الأمراض الجلدية هو اختلاط الملابس أثناء غسلها في المصبغة.
ويقول أحد الأطباء لم يشأ ذكر اسمه: في واقع الأمر أننا ننظر إلى محلات غسل الملابس بكثير من الانزعاج حيث تعتبر وكراً تنطلق منه عدوى الأمراض وبخاصة الجلدية المزعجة.
ويضيف: من السهولة بمكان الوصول إلى حقائق ملفتة للانتباه تؤكد خطورة الاهمال في غسل الملابس اذا ما قمنا بتتبع الأمراض الجلدية المشتركة بين الناس حيث سنكشف أنهم زبائن لمحل واحد لغسل الملابس.
كيف يحدث ذلك؟
الإجابة ببساطة هي ان الأسر أو الأفراد حين يأتون بملابسهم المتسخة إلى المحلات لتقوم بغسلها لا ينتهي بها الأمر عند تلك المحلات بل يأتي عمال ينقلونها على ظهر دراجات هوائية إلى بيوت عمالية لتتم هناك عملية غسلها. ويرى سعيد محمد علي أن ما يحدث في بيوت العمال من خلط لملابس الأسر يعتبر كارثة بعينها.
الغسيل بالأرجل
ويقول: ذات مرة رأيت العمال وهم يجمعون الملابس في مكان واحد ويصبون غليها الماء والصابون في حين قفز فوقها اثنان من العمال وبدآ في الضغط عليها بأرجلهما في مسعى منهما لتخليصها من أوساخها.
وتلك ليست الطريقة الوحيدة المستخدمة لغسل الملابس داخل بيوت العمال، بل في أحايين اخرى يتم وضع الملابس في أوان واسعة ويجلس إلى جوارها نفر من العمال ثم يقومون بغسلها اعتماداً على أياديهم.
وإذا كانت عملية غسل الملابس تتم بالأرجل أو الأيادي فان من شأن ذلك ان يساهم في تلوث الملابس بالأمراض. ويتساءل سعيد: ما المانع بأن يكون العامل الذي يستخدم يديه أو رجليه يعاني من أمراض جلدية معدية؟ بالتأكيد فان ذلك سؤال منطقي خاصة اذا ما علمنا بأن عملية غسل الملابس يشارك فيها أشخاص لا علاقة لهم بالمهنة.
سرقة الملابس
ويقول راشد حسن: في مثل هذه الحالة يكون العامل بمنأى عن المراقبة الصحية ولذلك يتوقع منه كل شيء سيئ، وفي واقع الأمر فان الشيء السيئ المحتمل إلى جانب الأمراض يتمثل في سرقة الملابس ذاتها. وبحسب راشد فانه ما من مرة أرسل فيها ملابس أسرته إلى «الدوبي» إلا وجاءت ناقصة.
ويضيف: بالتأكيد فانه لأمر مزعج حقاً لكن ماذا نفعل: هل نذهب إلى الشرطة ونبلغها بضياع ثوب الحرمة أو البنات أو دشداشة للأطفال. في الحقيقة إننا نفضل السكوت على إثارة قضية من هذا القبيل.
وتحدث ناصر سعيد احمد عن تجربته الشخصية مع محلات غسل الملابس موضحاً انه عانى منها كثيراً. ويقول: ذات مرة أصابتني حساسية بالجلد ازعجتني حيث لم تتوقف يداي عن حك جسمي الأمر الذي اضطرني لمقابلة الطبيب.
حيث أثبتت الفحوصات ان ذلك بسبب الصابون الذي يستخدم في غسل الملابس حيث كان يحتوي على كمية من مادة كيميائية من خصائصها إثارة حساسية الجلد ومن المحتمل ان تؤدي لأمراض أخرى سيئة.
ويؤكد ناصر على أهمية تشديد الرقابة على محلات غسل الملابس لطالما ان نشاطها على صلة وثيقة بصحة الناس وسلامة المجتمع من الأمراض.
لكن ناصر ذاته يرى بأن تعاون المجتمع في هذه القضية ضروري جداً لفضح تصرفات العاملين في محلات غسل الملابس.
ويقول: من وجهة نظري فان المطلوب من أفراد المجتمع مشاركة نشطة وليس الوقوف كمتفرجين ينتظرون السلطات الصحية ان تفعل كل شيء والمشاركة التي اعنيها هي مراقبة بيوت العمال التي يشتبه في قيامها كوكر لغسل الملابس والإبلاغ عنها لجهات الاختصاص.
خطر صحي
ويذكر ناصر ان السماح لبيوت العمال بأن تكون مقراً لأداء مهام غسل ملابس الأسر يعني ترك المجتمع بأسره بما يضم من المواطنين والمقيمين في مواجهة خطر صحي حقيقي. فمن خلال الملابس التي يرسلها أصحابها (للمصبغة) يمكن نشر أمراض فتاكة بل مدمرة للمجتمع.
وكغيره من الناس المهمومين بقضية محلات غسل الملابس فان احمد المنصوري يؤكد على أهمية فرض رقابة صحية صارمة على تلك المحلات.
ويقول: من باب الوقاية خير من العلاج فان المطلوب من المسؤولين بالقطاع الصحي زيارة محلات غسل الملابس باستمرار وإلزام العاملين فيها بالمزيد من الفحوص الطبية وفرض أشد العقوبات على من يغسل الملابس في بيوت العمال.
ويضيف المنصوري: مما لا شك فيه فانه إذا لم نأخذ الحيطة والحذر بشأن مشكلة مغاسل الملابس فإن العواقب ستكون وخيمة. لكن من بين الناس من يرفض فكرة إرسال الملابس لغسلها في المصبغة خوفاً من أن تكون سبباً في نقل الأمراض.
ويوضح علي أحمد راشد ان الأسر التي تغسل ملابسها خارج مساكنها تتحمل ما ينجم عن ذلك من متاعب ؟؟.
ويقول: لا أرى سبباً منطقياً بأن ترسل الأسر أو الأفراد ملابسهم إلى المصبغة لطالما تتوفر في المنزل الغسالات الكهربائية وخادمات المنازل اللاتي يعملن على تشغيلها.
الصحة والبيئة
من جانبها لا تدخر إدارة الصحة والبيئة جهداً في مراقبة محلات غسل الملابس حيث يتم إرسال المفتشين إليها بصورة مستمرة لمتابعة التزامها بالنظم والشروط الصحية، والمخالفون منهم تفرض عليهم عقوبات رادعة تتراوح بين الغرامة وتعطيل المحل المخالف.
وفي الفترة الأخيرة ألزمت الإدارة أصحاب محلات غسل الملابس بضوابط تحظر غسل الملابس خارج المحل المرخص له بالعمل على ان تتم عملية الغسل في أحواض من السيراميك.
وتقول المصادر: انه يحظر خلط ملابس الأسر مع بعضها البعض أثناء عملية الغسل أو الكي. كما ان نظافة المكان من الشروط الواجب توفرها لعمل محلات غسل الملابس.
رقابة دورية
أما سيف سالم الشامسي نائب مدير عام بلدية عجمان فأكد علي وجود الرقابة الدورية علي محلات غسيل وكي الملابس في الإمارة مشيراً إلى أن البلدية وضعت حزمة من الاشتراطات الصحية على هذه المحلات.
موضحاً بأن الشروط يجب توفرها قبل منح الترخيص النهائي إضافة إلى متابعة بقية الاشتراطات الصحية من قبل مفتشي الصحة من أجل التأكد من أن هذه المحلات تعمل في ظروف صحية وبيئة لا تنقل الأمراض بين الجمهور الذي يتعامل مع هذه المغاسل.
وأوضح الشامسي بأن أبرز الشروط المطلوبة لعمل هذه المحلات هي أن يكون المحل ذا شقين، الأول خاص بمنطقة الغسيل والثاني الواجهة للمحل التي تحمل الاسم التجاري ونوعية النشاط.
مشيراً إلى أن البلدية ألزمت أصحاب هذه المحلات بتجهيز أرفف داخل المحل ووضع حاويات لحفظ الملابس التي تجمع بغرض الغسيل، كما يتوجب على العاملين في هذه المحلات أن يحملوا بطاقة صحية صادرة من البلدية تفيد خلوهم من الأمراض السارية إضافة لإلزامهم بشروط الصحة العامة وارتداء زى أبيض خلال العمل.
كما تلزم البلدية أصحاب المغاسل بوضع طاولات ذات فراش صحي وطلاء الأسقف والجدران بطلاء زيتي يسهل عملية التنظيف.
وحول مدى التزام أصحاب المحلات بالاشتراطات الصحية أكد الشامسي استمرار الرقابة على هذه المحلات عن طريق التفتيش الدوري والتأكد من الالتزام بالاشتراطات الصحية.
كما أشار إلى أن البلدية تلزم أصحاب المغاسل باستخدام المنظفات المصرح بها وذات الجودة العالية إضافة إلى وضع ملابس كل شخص في كيس محدد. وأكد الشامسي بأنه يتم مخالفة أصحاب المحلات غير الملتزمة بالشروط الصحية.
تحقيق ـ سليمان الماحي وأسامة أحمد:

