مهمة صعبة أن تتولى العمل على تطوير المنظومة التربوية بما يتفق مع متطلبات التنمية وتحديات المستقبل، لأنها تحتاج إلى تفرغ ورؤية واضحة لمتطلبات التطوير ما يعكس تبعة المهمة الكبيرة والمعقدة وما بها من سلوكيات لا تتقبل الفكر التطويري، إضافة إلى وجود منظومة متشابكة ومعقدة من اللوائح والقواعد الحكومية التي أفرزتها ممارسات عقود ثلاثة مضت.

مقدمة تغريك بمتابعة ما وراء سطورها، وحديث ذو شجون لاسيما لو كان متعلقا بواقع المؤسسة التعليمية في الدولة وما يعترضها وتقييم منظومتها عبر أداء المؤسسة الرسمية وقياداتها والعمل المؤسسي والبيئة المدرسية إلى العلاقة مع المؤسسات الحكومية الأخرى، ورؤية 2020 .

وما صاحبها من جدل واسع، وغير ذلك من محاور تربوية مهمة جسدها قلم الدكتور علي عبد العزيز الشرهان وزير التربية والتعليم السابق في كتابه «قيادة العمل التربوي ـ النجاحات والإخفاقات والرؤية المستقبلية» والذي تنشر «البيان» تفاصيله.

في منظومة التعليم المستقبلية يرى الدكتور الشرهان أن العالم سيشهد في الألفية الثالثة تحولاً مهماً وجذرياً في مجال التعليم، إذ يمكن أن تصنف المجتمعات الناجحة وفق ما تمتلك وما تقدمه من موارد متعددة لتعلم أفرادها عبر مؤسسات ومدارس توفر تعليماً مستمراً مدى الحياة، وهذا يأتي بحسب قوله في سياق التحديات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية المتوقعة.

ومدى قدرة هذه المجتمعات على التعامل مع هذه التحديات واللحاق بمستجدات العلوم والتقنية، مشيرا إلى أن اقتصاد الألفية الثالثة سيتحول لاقتصاد الكتروني وآخر رقمي، لا يعتمدان على الخصائص التقليدية للإنتاج مثل المواد الخام ومواقع الإنتاج.

بل هو اقتصاد يعتمد على مساحة واسعة محركها الرئيسي البنية العالمية للشبكات الالكترونية التي توفر انتقال رؤوس الأموال عبر هذه الشركات في ثوان معدودة، وهذا الاقتصاد العالمي المفتوح يدار من قبل موارد بشرية ذات كفاءة تعليمية عالية ومقدرات معرفية وذهنية متقدمة في ظل منظومة من الإبداعات والابتكارات والاستجابة السريعة والمستجدات العالمية.

عالمنا العربي بشكل عام ودولة الإمارات على وجه الخصوص سيواجهان التحديات نفسها، إضافة إلى التحديات الأخرى المتمثلة في انتشار الأمية والقلة السكانية كما الحال في الإمارات. إذاً قادة التعليم في عالمنا العربي عليهم مسؤولية تطوير التعليم والانتهاء من الأمية التي تشكل المعوق الرئيسي للتعامل مع تحديات الألفية الثالثة.

وهنا يجب التأكيد على حقيقة أن الأمية التي نعيشها في عالمنا العربي هي أمية عدم القدرة على القراءة والكتابة وأمية مخرجات التعليم غير القادرة على التعامل مع عالم المعرفة والمعلوماتية.

أما في دولة الإمارات فنحن في حاجة إلى تعليم يوفر لنا قادة المستقبل، كوننا لا نستطيع أن نوفر الكوادر الفنية والتقنية لاقتصاد الألفية الثالثة في ظل القلة السكانية.

ونحن أيضا في حاجة إلى مواطن صالح دائم التعلم، تتوفر فيه صفات الحداثة للتنمية، ومرونة التعامل مع المستجدات المقبلة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو اجتماعية.

نقلة نوعية

وأشار الدكتور الشرهان إلى أن التعليم النظامي السائد في مدارسنا اليوم لم يعد قادرا على الاستجابة لتلك التحديات السريعة التي ستفرضها الألفية الثالثة، كونه تعليما مصمما لنوعية محددة من المخرجات التي لا تستطيع أن تتجاوز المعلومة المحفوظة والمعطلة،.

فالتعليم لا يقتصر على إعداد الطلاب ليأخذوا موقعهم في اقتصاد متغير، بل يتعدى ذلك إلى توسعة مداركهم وتنشيط خيالهم وإثارة فضولهم ومساعدتهم على تعلم كيف يفكرون، وإعدادهم لممارسة أدوارهم كمواطنين وتزويدهم بالمهارات والمعرفة ليعيشوا حياة حافلة بالنجاح، مستعرضا تجارب تطوير التعليم في عدد من دول العالم.

وعن مسؤولية تعليم المستقبل قال الوزير السابق: نحن في حاجة إلى بناء مجتمع دائم التعلم، وهذا البناء لا يأتي الأمن خلال تفكيك النظم التقليدية وتبني نظم تعليمية قادرة على التكيف مع متطلبات المرحلة المقبلة التي تتميز بالحركة السريعة في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وهذا لا يأتي إلا من خلال إعادة صياغة نظامنا التعليمي، وإعادة صياغة الدور المركزي للحكومة في إدارة التعليم، وتوفير مشاركة واسعة من المجتمع في تحمل مسؤولية التعليم، لأن مخرجات التعليم في مجتمع دائم التعلم لن تكون مسؤولية الحكومة فقط ولكنها مسؤولية المجتمع بكامله، فالأسرة لابد أن تشارك بفعالية في تحديد نوعية هذه المخرجات وفعالياتها.

والجامعات التي تستقبل هذه المخرجات وتعتبر احى أهم مدخلاتها، عليها أيضاً أن تساهم في صياغة نوعيتها والتأكد من قدرتها على مواكبة مستجدات التطوير في هذه الجامعات، والفعاليات الاقتصادية التي تستقبل هذه المخرجات وتعتمد عليها في عمليات الإنتاج المستقبلية عليها أيضاً أن تشارك في تحديد خصائصها والمهارات التي تريد أن تراها عند هذه المخرجات.

والمجتمع ككل بجانب الحكومة في حاجة إلى المشاركة في ضمان وجود مخرجات تعلم قادرة على تولي مسؤولية قيادة المجتمع، وأن تكون نماذج جديرة بالمواطنة الصالحة وقادرة على تحصين المجتمع من المتغيرات الدولية.

العمل الوظيفي

ويشير الدكتور الشرهان إلى أن المنظومة التعليمية التي ننشدها في الألفية الثالثة هي التي يكون محور اهتمامها المدرسة ،بحيث يتم صياغة رسالتها وتنظيمها بالشكل الذي يتيح لها أن تكون الخط الأول للتعليم المطور.

وهذا يعني أن يتم البدء في إعادة تنظيم مدارسنا وتحديد مسؤوليتها لتنطلق إلى آفاق مطورة تحقق لنا أهداف التعليم المستقبلي، وان تكون البيئة الحقيقية لإعداد موارد بشرية مسلحة بالقيم والمهارات الإبداعية.

ويستطرد قائلاً: المدارس في واقعها الحالي ما هي إلا موقع يتم فيه تحقيق العمل الوظيفي الذي تحدده وزارة التربية، ومسؤولية المدارس محصورة في تنظيم نقل المنهج إلى المتعلمين وقياس درجة إتقان هذا النقل وفق المساحة الزمنية والطرائق والنظم المحددة لها، والمدارس بالتالي ليست مسؤولة عن الفشل.

ولكن المسؤول الأول هو المتعلم، طالما أن هذه المدارس تقوم بمهامها الوظيفية كما حدد لها ،إذ ان هذه المسؤولية الوظيفية هي مسؤولية المنظومة المصنعية التي تعمل وفق خطوط الإنتاج المعدة سلفا وضمن توقعات مواصفات الإنتاج وبالتالي فهي وسيلة إنتاج محددة مسبقا والعاملون فيها موظفون يؤدون دورهم كما هو محدد لهم.

أي انهم موظفون حكوميون يتلقون راتباً شهرياً مضموناً مقابل عملهم، أيا كان هذا العمل طالما انهم التزموا الحضور وقدموا الواجبات الوظيفية التي حددت لهم.

في خاتمة الكتاب يشير الدكتور الشرهان إلى أن التعليم يمثل الحجر الأساسي في تنمية وتقدم الشعوب، وعندما بدأت الدول المتقدمة في التحول إلى عالم التصنيع، ركزت وبشكل مباشر على التعليم لتهيئة الموارد البشرية التي قادت حركة التصنيع، ولكن في ظل التسارع الاقتصادي العالمي.

وتغير وسائل الإنتاج وظهور الاقتصاد الرقمي الذي يعتمد على التقنية والمعلوماتية، اتجهت تلك الدول إلى تطوير منظومة التعليم لديها لكي توفر احتياجاتها من الكوادر البشرية القادرة على التعامل مع المستجدات المعلوماتية.

فيما بدأت الدول المتقدمة في تخصيص الجزء الكبير من مواردها المالية للإنفاق على التعليم والسعي نحو تقنين هذا الإنفاق وتفعيل الوحدة المسؤولة عن التعليم وهي المدرسة.

المسيرة التنموية

ولفت إلى أننا نعلم مدى تأثير التعليم على المسيرة التنموية التي خاضها العديد من الدول المتقدمة، ولعل أكثر الأمثلة وضوحا اليابان وألمانيا، الدولتان اللتان دمرتهما الحروب، وقامتا بعد الحرب العالمية الثانية بالتركيز على التعليم وتنمية مواردها البشرية التي قادتهما لتصبحا من الدول الاقتصادية المؤثرة عالميا.

والولايات المتحدة الأميركية أيضا بدأت الاهتمام بالتعليم ووجدت فيه الحل بعدما أدركت أنها بدأت تفقد التأثير على السوق العالمية ومستجدات التكنولوجيا الذي سبقتها إليه دول أخرى مثل الاتحاد السوفييتي سابقا، عندما وصلت إلى الفضاء وحققت نجاحات هائلة فيه.

إذاً التعليم هو المفتاح الحقيقي للتنمية كونه المصدر الحقيقي للموارد البشرية التي تقود إلى التنمية، وهو المحرك الأساسي للتطور الشامل والمستديم نحو مجتمع المعرفة ومجتمع دائم التعلم.

ولعل الاختبار الحقيقي لتقدم الدول في الألفية الثالثة هي مقدرتها على توفي تعليم مجتمعاتها وتحويلها الى مجتمعات المعرفة ومجتمعات دائمة التعلم، لأن الاقتصاد العالمي يتجه نحو اعتماد الموارد البشرية المدربة تدريبا جيدا، لأنه اقتصاد قائم على المعرفة وليس على المواد الأولية.

الدكتور الشرهان أكد على أن التعليم السائد في عالمنا العربي لا يلبي متطلبات التحول نحو اقتصاد الألفية الثالثة ، ناهيك عن النسبة الهائلة للأمية التي تجتاح البلدان العربية والتي تشكل العبء الحقيقي على مجتمعاتنا .

ولفت إلى أن التعليم التقليدي الذي يمارس في مدارسنا والذي لا يخفف إلا الحد الأدنى من أمية القراءة والكتابة، ويكرس الممارسة المصنعية التي تعتمد على تهيئة المتعلمين ليكونوا حفظة لمعلومات جاهزة لا تؤدي إلى مخرجات تكون قادرة على قيادة المجتمع نحو الألفية الثالثة، بل نحتاج إلى تعليم محرر من البيروقراطية والمركزية الحكومية، تعليم يركز بالدرجة الأولى على تفعيل عقل المتعلم.

ويفتح له آفاقا واسعة من أساليب التعلم ، في ظل منظومة توفر له حرية توظيف قدراته التعليمية وتحفز لديه التعلم المستمر وتتيح له الفرصة لأن يكون مواطنا صالحا يعرف واجباته وحقوقه ويحترم الآخرين كما يحترم نفسه.

اتجاهات تقليدية

التعليم في دولة الإمارات مر بمراحل عديدة من التوسع والتحديث، لكنه ظل حبيس الاتجاهات التقليدية إلى أن أدركت الحكومة التي شكلت في عام 1997 أن التعليم يشكل محورا أساسيا للتنمية الوطنية، وأنه لابد من الانتقال فيه من الاهتمام بالكم إلى الكيف باعتباره يمثل المدخل الحقيقي لتنمية المستقبل، ودخول تحديات الألفية الثالثة.

وأضاف: تم وضع خطة استراتيجية لتطوير التعليم وفق أهداف استراتيجية يكون مردودها العام في عام 2020، وتم التركيز فيها على نقل الممارسة التعليمية من الممارسة التقليدية إلى الممارسة النشطة إلى تستهدف المتعلم.

ولقد أفرزت برامج التطبيق العديد من النجاحات والإخفاقات من بين أهمها الاعتماد الكلي على الإنفاق الحكومي الذي أثقل بالطلب المتزايد على التعليم، والبيروقراطية المركزية التي حالت دون إطلاق المبادرات الجديدة، والمشاركة الفاعلة من المجتمع في تحمل أعباء التعليم.

واستخلص الدكتور الشرهان أخيرا من التجربة التطويرية في الإمارات هو التصور الذي خرج به من الكتاب لمستقبل التعليم وكيفية تنظيمه ليتوافق مع متطلبات المرحلة المقبلة، ويكون محور الاهتمام في المدرسة باعتبارها تمثل الخط الأول للتعليم النشط والفاعل الذي يستهدف المتعلم.

وأن يتم فيه أيضا تحرير التعليم من المركزية الحكومية وتنظيم الأدوار المجتمعية المختلفة للمساهمة في تمويل التعليم وإدارته باعتبار التعليم مسؤولية مجتمعية وليس حكومية فقط.

عرض وتقديم: يحيى عطية