في اختراق يبشر بقرب انتهاء مأساة دارفور وقعت «حركة تحرير السودان» وهي كبرى حركات التمرد مساء أمس على اتفاق سلام مع حكومة الخرطوم التي وافقت بدورها على تعديلات جديدة في الاتفاق الذي يتضمن حسب مصادر أميركية نزع سلاح الجنجويد ودمج مقاتلي المتمردين في الجيش السوداني وتقاسم السلطة وتعويض ضحايا الحرب الأهلية، على أمل أن تنضم باقي الفصائل إلى الاتفاق في وقت حذرت الأمم المتحدة مجدداً من كارثة إنسانية وشيكة في الإقليم بسبب توقف عمليات الإغاثة.

ووقع مجذوب الخليفة رئيس فريق التفاوض الحكومي وميني اركوا ميناوي الذي يتزعم فصيلاً بجيش تحرير السودان الاتفاق في العاصمة النيجيرية أبوجا بعد أيام من المفاوضات المكثفة والضغط الدولي.

واشاد الرئيس النيجيري اولوسيجون اوباسانجو بميناوي ووصفه بأنه ليس مجرد قائد عسكري بل زعيم سياسي. وقال وسط تصفيق الدبلوماسيين المجتمعين في مقر الرئاسة النيجيري «القيادة تظهر عندما يتعين اتخاذ قرارات صعبة».

وأضاف «ما لم تكن هناك الروح الصحيحة والموقف السليم لن تساوي هذه الوثيقة الورق الذي كتبت عليه. الروح التي قادت إلى التوقيع يتعين أن تقود التنفيذ». وقالت كل من الحكومة وجيش تحرير السودان إنهما يوقعان الوثيقة رغم تحفظات تتعلق باقتسام السلطة والأمن من أجل إنهاء المعاناة في دارفور.

لكن لم يتضح ما إذا كان الاتفاق الذي وقع بعد عامين من المحادثات بوساطة الاتحاد الإفريقي سيتحول إلى سلام على الارض في دارفور. ورفض فصيل منافس من جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة الاتفاق.

ويقول مراقبون ان ميناوي يحظى بتأييد وسط مقاتلي جيش تحرير السودان أكبر من عبد الواحد محمد النور زعيم الفصيل المنافس وأن حركة العدل والمساواة هامشية فيما يتعلق بالقوات على الارض.

وقال دبلوماسي غربي شارك في اعداد الاتفاق «بكل صراحة لا تمثل جماعة العدل والمساواة أهمية لكن عبد الواحد يمثل أهمية، وهناك بنود ضمن الاتفاق تضطر الجماعات المسلحة غير الموقعة على الالتزام به». وقال اوباسانجو إن المجتمع الدولي سيواصل مناشدته لمن رفضوا التوقيع لينضموا إلى الاتفاق.

وفي نص المحادثات التي جرت صباح أمس قدمها الاتحاد الإفريقي إلى «رويترز» قال ميناوي «إنني أقبل الوثيقة مع بعض التحفظات في ما يتعلق باقتسام السلطة».

ونقل الموقع الالكتروني لهيئة الإذاعة البريطانية أن مسودة خطة السلام تضمنت نزع سلاح ميليشيات الجنجويد الموالية للحكومة، ودمج مقاتلي المتمردين في الجيش وتخصيص مبلغ 300 مليون دولار كدفعة وحيدة للإقليم، مع تحويل 200 مليون دولار بعد ذلك كل عام للمنطقة، مع تقديم تعويضات لضحايا الحرب، إضافة إلى تقاسم السلطة، فيما كان البند الذي تحفظ عليه المتمردون يتمثل أساساً في عدد مقاعد البرلمان المخصصة للمتمردين.

من جهته، رفض رئيس الوفد المفاوض في «حركة العدل والمساواة» في أبوجا أحمد تقد التوقيع قائلا «إن حركته لا تزال ترفض توقيع اتفاق السلام حول دارفور بوساطة إفريقية»،.

وأضاف «لقد سمعت الحديث عن توقيع حركة التحرير، لكننا لن نشارك، هذا الأمر لا يغير شيئا في موقفنا»، ولم يفصح الفصيل المعارض الثالث الذي يشكل أقلية في «حركة تحرير السودان» بزعامة المنشق عبد الواحد نور عن موقفه. لكن مراسل «الجزيرة» في أبوجا أكد أن هناك مساعي مستمرة لإقناع نور بالتنازل عن موقفه.

وأعلن مساعد وزيرة الخارجية الأميركية روبرت زوليك للصحافيين في أبوجا أن اتفاق السلام يلزم الخرطوم نزع سلاح الجنجويد.

وقال زوليك «وظيفة هذا الاتفاق هي إلزام الحكومة (السودانية) اتخاذ إجراء يتمنى كثيرون في العالم أن تتخذه، أي نزع سلاح الجنجويد وتعطيل حركتهم.

وأوضح زوليك أن هذا الاتفاق يمنح الحركات المتمردة فرصة «لبدء عملية اندماج» مقاتليها في قوات الأمن السودانية، لافتا إلى أن «من مصلحة الناس على الأرض المشاركة في هذا الجهد» وشدد على أن «الاتفاق يوفر أيضا فرصاً سياسية، وعلى الناس أن يقرروا تالياً هل يريدون المشاركة فيه أم لا».

وأضاف زوليك أن الوساطة كانت صعبة وقاسية، وأن عدد المقاعد المخصصة للمتمردين في البرلمان السوداني كانت إحدى النقاط الشائكة التي احتاجت وقتاً طويلاً وعملاً شاقاً.

وفي هذه الأثناء، جدد الأمين العام المساعد للشؤون الإنسانية يان إيغلاند، تحذيراته من كارثة إنسانية وشيكة في الإقليم ما لم يتحرك المجتمع الدولي فوراً لحماية السكان وضمان حل سياسي ينهي دائرة العنف. وكتب في مقال نشرته «وول ستريت جورنال» عشية زيارته إلى السودان «إذا ما أردنا تفادي فقدان الكثير من الأرواح فنحن نحتاج لاتخاذ إجراءات سريعة، من قبل الحكومة السودانية والمتمردين ومجلس الأمن والدول المانحة».

وأضاف «إن التقدم الذي تم تحقيقه على صعيد المساعدات الإنسانية في دارفور خلال العامين الماضيين مهدد الآن بعد اندلاع النزاع مجدداً في الإقليم، وعرقلة الجهود من قبل الحكومة السودانية وعدم الحصول على تمويل كافٍ من الدول المانحة».

ولفت إلى أن «الوضع عاد إلى ما كان عليه سابقاً من إبادة جماعية فالميليشيات التابعة للحكومة تجوب المناطق الريفية وتنشر الرعب بين السكان وتقوم بقتل الأشخاص وسرقة الماشية بينما تتواصل هجمات المتمردين ضد المدنيين والعاملين في حقل الإغاثة».

وكشف عن «أن تمويل عمليات الإغاثة توقف وأن دعم الدول الأوروبية والخليجية قد تدنى كثيراً»، موضحاً أن «الأمم المتحدة تحتاج إلى 650 مليون دولار هذه السنة للقيام بعمليات إنسانية في دارفور».

ويتوجه اليوم إيغلاند إلى الخرطوم ومنها إلى دارفور، حيث سيبقى هناك ليومين، ينتقل بعدها إلى تشاد في زيارة تستمر يوماً واحداً (وكالات)