في حصة الكيمياء بالصف الثالث الثانوي قال المعلم: «إن التفاعل الاندماجي هو الأفيد لإنتاج عنصر ثقيل». معلومة علمية مهمة، هكذا استقبلتها عقول الطلاب عدا «فهمان» الجالس في آخر الصف، فقد كانت تعني بالنسبة له شيئاً آخر.

لذلك تفاعلت معها كل حواسه ودخلت دماغه من كل اتجاه. حللها بالطريقة التي تروق له وكرَّرها مرات ومرات حتى لا تهرب منه واستخلص منها كلمة «اندماج» ورمى بما بقي من الكلام، ثم مال بجسمه النحيل نحو زميله المجاور وقال: «لأول مرة هذا المعلم يصدق معنا ويحكي كلاماً مفيداً للبشرية».

ضحك صديقه باستغراب لما بدر من فهمان وهو الطالب الذي لا نصيب له من العلم. سأله:

ـ ماذا تقصد بذلك؟

ـ أقصد الاندماج، هو نفسه ولا شيء غيره.

ـ لكن أنا لم أفهم شيئاً من كلامك.

ـ من فضلك لا تستعجل، ففي القريب العاجل ستعرف كل شيء يا جار.

اعتدل فهمان في جلسته وأخرج هاتفه الجوال برغبة الاتصال بـ «الربع» ليحكي لهم عن حكاية الاندماج المدهش، لكنه سرعان ما تراجع خشية أن يثير ذلك غضب المعلم فيبلغ الإدارة التي تدّخر له إنذارات عدة كان آخرها التهديد بالفصل النهائي من المدرسة إن بدر منه عمل يعكِّر صفو الأنشطة.

لم يحتمل فهمان الانتظار داخل الصف لأكثر من ذلك، فانتهز فرصة انشغال المعلم بالكتابة على السبورة، فهمّ بالمغادرة لكن المعلم شعر بذلك فحذَّره:

ـ من فضلك يا فهمان انتبه لأن المعلومات التي سأقولها خلال الدرس ستكون بالغة التعقيد.

ضحك فهمان وقال:

ـ كلامك صحيح يا أستاذ، هذا درس مفيد وأنا شخصياً استفدت منه.

ـ كيف تقول إنك استفدت ونحن لم ندخل بعد في مضمون المادة؟

ـ لا، لا يا أستاذ، الفكرة وصلت والاندماج مهم وهذا يكفي.

بدا المعلم مذهولاً لكلام فهمان، لكنه آثر ألا يضيع وقت الحصة مع طالب يعلم أنه خارج المعمعة الأكاديمية برمتها، فعاد يكتب على السبورة، بينما انتهز فهمان الفرصة وغادر الصف مسرعاً إلى الصفوف التي يتواجد فيها أصدقاؤه، فقرع أبوابها واستأذنهم بالخروج.

لم تمض سوى لحظات حتى تمكن من لم مجموعة من الطلاب في الساحة المجاورة لغرفة المعمل ووقف هو وسطهم ثم قال:

أيها الشباب.. أيها الربع، التقطت أذن الطلاب المتواجدين داخل الصفوف تلك الكلمات المثيرة للانتباه فاندفعوا مغادرين مقاعدهم إلى حيث يتواجد فهمان، كبرت الشلة وتوسعت دائرتها إلى الحد الذي لم يستطع بعض الطلاب معه رؤية فهمان، فأحضر بعضهم مقاعد من الصفوف القريبة وصعدوا عليها.

لم يقف عمال النظافة مكتوفي الأيدي مما يجري حولهم فقد ساقهم حب الاستطلاع إلى جمهرة الطلاب ووقفوا على مقربة منهم وسأل أحدهم طالباً كان قريباً منه: شو في؟

ـ فهمان يبغي يقول شيء.

ـ هو في مريظ «مريض».

ـ مب مريض يبغي يقول كلام مهم هل فهمت؟!

ـ زين، زين.

كان فهمان مزهواً بالطلاب وهم ينظرون إليه، قال: أيها الشباب.. أيها الربع ثم سكت، لم يعجب ذلك أحد الطلاب، كان واقفاً في الصفوف الأخيرة فصرخ:

ـ يا فهمان ذبحتنا قول وخلصنا،اتسم تدخل بعض الطلاب لتهدئة زميلهم مؤكدين له أن فهمان لديه أمر مهم وفيه نفع للبشرية، وبالتالي يتوجب منحه الفرصة كاملة ليوضح ذلك الأمر.

أحد الطلاب قال: يا شباب المستقبل، في مثل هذه المواقف المهمة من تاريخ أمتنا يكون الهدوء ضرورياً حتى لا يحدث اندماج «يلخبط» الأفكار.

ضحك الطلاب عدا فهمان الذي ابتسم ابتسامة خفيفة، فكلمة اندماج أعادته إلى عالم الفكرة. استجمع قواه وشعر بنشوة النجاح فقال بصوت قوي:

ـ أيها الشباب أيها الربع أريد أن أحدثكم اليوم عن شيء مهم لحياتكم وهو الاندماج الذي....

وقبل أن يكمل حديثه رأى الطلاب مدير المدرسة برفقة الأخصائي متجهاً نحوهم وهما في حالة غضب فهربوا جميعاً إلى صفوفهم. بيد أن فهمان رفض الاستسلام فغادر الصف مرة أخرى ونجح في اقناع ثلاثة من أصدقائه بالتوجه معه إلى مقهى شعبي للشيشة يطل على البحر.

وفور جلوسهم تحدث إليهم فهمان عن فكرة الاندماج التي نطق بها معلم الكيمياء لكن أحد أصدقائه قاطعه:

ـ هل جئت بنا هنا لكي تحدثنا عن المدرسة والدروس أرجوك خلصنا من هذه الحكاية «البايخة».

ـ يا رجل، لا تعصب، الأمر بسيط وليس له علاقة بالمدرسة وإنما كل ما هنالك هو الاندماج،، نعم الاندماج ثم الاندماج ولا شيء غيره.

أقولك شيء يا فهمان بصراحة تراك مسختها أكثر من اللزوم، شو فيك طايح في الاندماج أو الاندماج هو الطايح فيك لا أدري!!

ـ آه يا جماعة الخير لو عرفتم فكرة الاندماج.. استعدوا لأخبركم عنها. بالفعل استعد الأصدقاء الثلاثة جيداً وهيأوا أنفسهم بما يكفي لسماع فكرة استنزفت كل وقتهم وأخرجتهم من مدرستهم قبل نهاية الدوام الدراسي.

قال أحدهم:

ـ اسمع يا فهمان قبل أن تحكي إذا الأمر له علاقة بدرس في الكيمياء فأنا سأنسحب الآن.

ـ صدقوني لو كان كذلك فأنا سأكون أول المنسحبين.

أخرج فهمان هاتفه الجوال وبدأ يتلاعب به وسط استغراب أصدقائه فظهرت على الشاشة صورة فتاة نال وجهها حظاً وافراً من الجمال، ثم طلب من أصدقائه النظر إليها، لكن أحدهم قال:

ـ لست وحدك الذي تخزن فتاة جميلة في هاتفك، بل هواتفنا التي تراها أمامك بداخلها مدارس بنات مع معلماتهن.

ـ أنا لا أقصد استفزازكم، بل أريد أن أصل بكم إلى فكرة الاندماج.

ـ الله يسامحك وما علاقة الفتاة بالاندماج.

ـ الحمد لله أنك سألت والإجابة يا صديقي هي أن هذه الفتاة ستكون المادة التي أطبق عليها الاندماج.

ـ بصراحة لم أفهم شيئاً يا فهمان مما تقول:

تحرك فهمان بمقعده إلى الخلف واحتسى جرعة ماء من الزجاجة التي تركها لهم عامل المقهى على الطاولة ثم انبرى قائلاً:

ـ طبعاً يا شباب هذه الصورة هي لفتاة تعرفت عليها في مركز تجاري وهي موظفة وتطمح في الزواج لكن أنا لي فيها مآرب أخرى.

سأل أحدهم:

وما هي مآربك يا فهمان، هل تتزوجها؟!

ـ سامحوني لن أعلمكم بالأمر إلا في الوقت المناسب.

انصرف الشباب الثلاثة عن المقهى وتعابير وجوههم توحي بأنهم غير راضين عن صديقهم فهمان، بل إن أحدهم قال له:

ـ نتمنى لك اندماجاً سعيداً.

توجه فهمان إلى أحد محلات الحاسوب وطلب من العامل أن يساعده في دمج صورة الفتاة مع صورة أخرى خاصة به بحيث تبدو لمن يراها أنهما زوجان في لقطة عاطفية، ارتاب العامل في الأمر، لكن فهمان أقنعه بأن تلك المرأة هي زوجته، لم تمض دقائق معدودة حتى تم كل شيء بالنحو الذي يريده هو.

وقبل أن يغادر المحل اتصل بالفتاة وأخبرها بأن لديه مفاجأة سارة لها سوف تصلها عبر رسالة فكان مفاجأة مزعجة، واتصلت به على الفور وطلبت منه التخلص من الصور، فأدرك فهمان أن الاندماج حقق النتيجة المطلوبة فساومها بأن يتم ذلك مقابل مبلغ من المال. صمت فهمان أياماً بعدما قبض المبلغ، فاعتقدت الفتاة أنه صدق في تنفيذ وعده، لكن فهمان حينئذ كان مشغولاً بدمج صورة الفتاة في لقطات مثيرة مختلفة وبين الفينة والأخرى كان يرسل لها اللقطة التي ترعبها وتجبرها على توريد المبلغ النقدي في حسابه.

وذات مرة بلغ به أمر الابتزاز أن هددها بإرسال ما لديه من الصور إلى أسرتها أو يوزعها بين أصدقائه ان هي رفضت شراء سيارة من الوكالة له، فأذعنت لتهديده وتوجهت لأحد المصارف الذي مول لها قيمة السيارة.

عيل صبر الفتاة على ابتزاز فهمان وخطر لها استشارة صديقاتها لكنها سرعان ما تراجعت خشية أن يتسرب الأمر ويصل أسرتها. فكرت في أمور كثيرة للتخلص منه لكنها رأت في ذلك خدعة شيطانية فأهملتها.

بعد أكثر من أسبوع لم تسمع صوته الذي تكرهه عاد فهمان للاتصال بها:

ـ شنو أحوالك، عندي لك مفاجأة جديدة لا تخطر على البال.

ردت عليه بصوت مخنوق:

ـ أرجوك أنا تعبت وبلغ بي الأمر حد التفكير في الموت.

ـ لا لا أرجوك الأمر ليس مثلما كان في السابق بل شيء بسيط.

ـ قول ما هو

ـ أريد منك الخروج معي إلى البر. انتابها شعور بالغضب حتى كادت أن تسمعه كلمات نابية لكنها سرعان ما تداركت الموقف فهي تعلم أنه يحكم سيطرته عليها بما يخزن في هاتفه من صورها، فقالت لنفسها:

ـ صحيح هو وقح وما يستحي ويا ربي تنتقم منه.

فجأة سمعت دوياً هائلاً عبر الهاتف فنادت عليه لكن فهمان لم يرد فخطر لها أن شيئاً ما قد حدث فغادرت مقر عملها في سيارتها واتجهت مسرعة إلى الشارع الذي كان يحدثها منه، رأت جمهرة من الناس يحيطون بسيارته وبعضهم يسعى لإخراجه منها بينما عمود الإنارة الذي اصطدم به يصعب من مهمتهم، لم تكترث هي لوجود الرجال فتسللت بينهم.

ولم يبخلوا بفتح الطريق أمامها لتصل إلى السيارة وتدخل رأسها بالشباك الخلفي دون ان تعبأ بالزجاج المتهشم فقد كان جل اهتمامها ينصب بإلحاح على البحث عن هاتف فهمان.

وبعدما عثرت عليها وسط المقاعد سليماً أخفته في حقيقتها ثم غاصت بجسمها أكثر حتى بدت أقرب إلى السائق فهمان الذي كان يئن تحت وطأة حصار الأبواب والمقود بينما وجهه ينزف دماً فقالت له وهي تغلي غضباً:

ـ قبل أن تفارق الحياة اطلب منك ان تضيف لمعلوماتك أن الابتزاز يؤدي أيضاً إلى هذا النوع من الاندماج القاتل.

سليمان الماحي