عندما جاءت من بلادها من الجزء الجنوبي من القرن الإفريقي كانت «س» تحلم بوظيفة تؤمن لها ولأسرتها الحياة الكريمة، بعد وصولها إلى البلاد بعدة أشهر حصلت «س» على وظيفة في أحد مكاتب تأجير السيارات كان المرتب الذي تتقاضاه بسيطاً فلا يكاد يكفي لإطعامها بعد أن تدفع أجرة الغرفة التي تسكون فيها وأجرة المواصلات من وإلى عملها.
كانت «س» تشعر بعدم الرضا من مرتبها ومن حياتها فقد كانت تشعر بوحدة قاتلة فليس لها أصدقاء أو معارف، في أحد الأيام جلست تفكر في مصيرها وفي الضغوط النفسية التي تتعرض لها نتيجة لابتعادها عن أسرتها ولظروفها المادية القاسية.
البحث عن حل
فكرت «س» في الاستقالة والعودة إلى بلادها لكن بعد تفكير طويل وجدت ان هذا التصرف سيكون تصرفاً خاطئاً لذا قررت أن تجد حلاً لمشكلة غربتها وذلك بإحضار صديقتها «ج» لتعيش معها وتساعدها على كسر حدة الغربة التي تقتلها وأيضاً لتقاسمها أجرة الغرفة التي تعيش فيها .
وفعلاً تمكنت من خلال المكتب الذي تعمل فيه ان تخرج تأشيرة لصديقتها «ج» وتحضرها إلى الدولة عندما وصلت «ج» إلى البلاد استقبلتها «س» استقبالاً رائعاً وكأنها نزلت عليها من السماء.
حيث اسكنتها في الغرفة معها، بدأت «ج» تبحث من عمل ولكن بحثها لم يدم طويلاً فبعد أخذ ورد تم تعيينها في نفس مكتب تأجير السيارات الذي تعمل فيه «س»، كانت «ج» فتاة جميلة جداً .
ورغم بشرتها السمراء إلا أن جسمها الرشيق وابتسامتها التي لا تفارق وجهها وعيناها الواسعتين وأنفها الدقيق وشعرها الأسود كأنه شلال من الليل جعل منها لوحة جميلة للغاية يعجب بها كل من يراها في أنها أصبحت .
كما يقولون «قدوم سعد» على المكتب الذي تعمل فيه، فقد كثرت زبائنه والزبون الذي يأتي مرة ويرى «ج» يعود مرة ثانية وثالثة من اجل ان يحظى بحديث معها والاستمتاع بابتسامتها ، لاحظ صاحب المكتب تدفق الزبائن على مكتبه.
وعرف ان ذلك بسبب وجود «ج» فما كان منه إلا أن زاد مرتبها خلال عام ثلاث مرات مما جعل الغيرة تدب في نفوس كل من يعمل في المكتب خاصة صديقتها «س».
المواجهة
في أحد الأيام طلبت «س» من صديقتها «ج» مبلغاً من المال حتى تتمكن من ارساله إلى أهلها واعدة اياها بأنها ستعيده إليها متى توفر لديها ذلك إلا أن «ج» رفضت إعطاءها المبلغ بحجة أنه ليس متوفراً معها.
إلا أن «س» كانت تعرف جيداً ان «ج» تملك المبلغ وأكثر منه مما جعلها توجه كلمات نابية إلى «ج» وتصفها بالأنانية وأنكارها للجميل، فما كان من «ج» إلا أن تركت الغرفة التي تعيش فيها مع «س» حيث اخذت ملابسها وانتقلت إلى شقة خاصة بها، هذا التصرف جعل «س» تستشيط غضباً.
فخروج «ج» من الغرفة سيجعل «س» تدفع الأجرة كاملة، وأكثر ما كان يضايق «س» هو شعورها بالغدر من تصرف «ج» فهي تشعر بأنها هي السبب في النعيم الذي تعيش فيه «ج» لأنها هي التي أحضرتها إلى هنا ووفرت لها الوظيفة والسكن .
ومع ذلك فإن «ج» لا تقدر كل هذه التضحيات وتركتها وذهبت لتعيش في شقة بعيدة عنها ومما زاد من ضيق «س» وعصبيتها انها عرفت بأن «ج» لها صداقات خاصة وان هذه الصداقات تدر عليها أموالاً كثيرة، حاولت «س» ان تسترضي «ج» لعلها تحظى ببعض تلك الصداقات.
ويعود عليها بالنفع إلا أن هذا الأول تلاشى، فالمقارنة بين «ج» و«س» مقارنة غير عادلة فمقابل ما تتمتع به «ج» من جمال وخفة ظل ورشاقة جسم كانت «س» ضخمة الجثة ثقيلة الحركة أما ملامحها فقد كانت غير دقيقة مما يجعل الإنسان ينفر منها لمجرد رؤيتها.
نهاية الطريق
كل يوم كان يمر كانت الغيرة تقتل قلب «س» خاصة وان صاحب المكتب جعل «ج» هي المسؤولة عن كافة أعماله وأعطى أوامره بأن ينفذ الجميع أوامرها، حاولت «س» ان تكسب ثقة «ج» من جديد إلا أنها لم تتمكن من ذلك رغم ان العلاقة الظاهرية كانت شبه طبيعية إلا أن ما في القلب كان غير ذلك.
في هذه الأثناء كانت «س» تخطط لأخذ مبلغ من المال من «ج» وعدم إرجاعه لها مبررة ذلك بأنه من حقها القانون لأنها هي صاحبة الفضل عليها، في إحدى المرات جاءت «س» إلى «ج» وهي مبتسمة قبلتها على خديها قائلة لها إنها تعرفت على صراف ممتاز.
ويمكن أن يعطيها سعراً عالياً مقابل العملة التي ستحولها إلى بلادها واقترحت على «ج» ان تتعامل مع الصراف متى أرادت أن تحول فلوساً إلى أهلها.
بعد أسبوع من ذلك قالت «ج» بأنها تريد أن ترسل إلى أهلها مبلغاً من المال وطلبت من «س» أن تذهب معها لتعرفها على الصراف وافقت «س» على الفور لكنها قالت لها انها تريد هي الأخرى أن ترسل فلوساً إلى أهلها.
وأن الفلوس في غرفتها بعد انتهاء الدوام ذهبت «س» و«ج» إلى غرفة «س» عندما وصلت إلى الغرفة توجهت «س» إلى المطبخ لتعد لها ولصديقتها الشاي، في هذه الأثناء استلقت «ج» على فراش كان على أرض الغرفة.
وبدون مقدمات صعدت «س» على السرير المجاور للفراش ورمت بكل ثقلها على صدر «ج» وقبل أن تفيق «ج» من الصدمة كانت «س» قد صعدت مرة ثانية على السرير ورمت بجسدها الثقيل على صدر «ج».
وهكذا فعلت في المرة الثالثة وعندما بدأت الدماء تخرج من أنف وفم «ج» تأكدت «س» بأنها قادرة على أن تصل إلى هدفها وفعلتها وقامت بتفتيش «ج» حيث وجدت مبلغاً كبيراً من المال لم تكن تتوقعه فما كان منها إلا أن أخذته ثم خرجت من الغرفة وأغلقت بابها وانطلقت بسيارة أجرة إلى مدينة ثانية.
بعد أسبوع من الحادث اتصل حارس البناية بالشرطة يبلغ عن خروج رائحة كريهة من حجرة «س» وعندما تم فتح الباب تفاجأ الجميع بجثة متعفنة من خلال التفتيش الأولي تم التعرف على صاحبة الجثة فقد كانت بطاقة العمل وأوراق أخرى لا تزال في حقيبة يدها التي كانت بجانبها.
وقد تبين من الفحص المبدئي بأن جناية القتل كانت سببها السرقة حيث أخذت جميع فلوسها وهاتفها النقال، بدأت الأجهزة الأمنية تحرياتها وكانت كل الشكوك تحوم حول «س» صاحبة الغرفة.
الجانية في مركز الشرطة
كانت كل الشبهات تحوم حول «س» وقد استمر البحث عنها طويلاً، لكن أحداً لم يعثر عليها، فليس لها عنوان سوى المكتب الذي تعمل فيه وغرفتها، بعد اختفاء دام أكثر من شهرين قدرت «س» أن تعود إلى غرفتها لأخذ جواز سفرها وتغادر الى بلادها.
في ساعة متأخرة من الليل تسلقت «س» إلى غرفتها وما كادت تفتحها حتى تم إلقاء القبض عليها، في التحقيق حاولت «س» ان تنكر أي صلة لها بالجريمة إلا أن هروبها واختفاءها عن سكنها وعملها كلها أمور كانت في غير صالحها، وأخيراً اعترفت وقالت ان الغيرة هي التي دفعتها لتقتل صديقة عمرها.
إعداد: أحمد سلطان