لقد خلق الله تعالى الإنسان وزوده بكامل قواه الفطرية ليدير بها شؤون حياته سواء أكانت هذه الحياة الخاصة منها أم العامة ولولا هذه القوة لضل من ضل من البشر عن إصلاح نفسه أولا وتقديم ما ينفع من الخير والصلاح للآخرين من أبناء ملته الحنفية أو البشرية جمعاء فالعقل نعمة من الواهب جل وعلا وهبها الإنسان لكي يتفكر في هذا الوجود.
وما فيه من مخلوقات فهو مأمور بذلك «قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ» (يونس ـ 101)، فالمنهج الإسلامي الرصين يدعو دوما.
وأبدا إلى إعمال العقل فقد كان بارزا ومبتكرا إبان ازدهار الحضارة الإسلامية فهو أي المنهج الإسلامي لا يحتكر أي عملية تفكير للعقل في كل مجالات الحياة فحرية التفكير والإبداع حرية مطلقة عند المسلمين لا حدود لها إلا ما كان مخالفا للتشريع الرباني والتعدي على الفطرة السوية أيضا فهنا يقف العقل.
ولا يتجاوز حدوده والحرية العقلية هذه قد قيدت ببعض الضوابط التي من شأنها أن تضبط السلوك الإنساني بحيث لا تؤدي هذه الحرية إلى التدخل فيما وراء قدرة العقل كالتدخل في علم الغيب ومعرفة كنه الذات الإلهية ودراسة ما وراء الطبيعة.
فبطبيعة الحال قد يؤدي هذا إلى الإشراك بالله تعالى، وكذلك التلاعب بالجينات البشرية فكل هذه الأشياء وغيرها التي لا تؤدي إلى توظيف العقل السليم بما يخدم المصلحة البشرية عموما. فالتوجيهات الربانية قد حثت الإنسان على التعرف على هذا الكون والاستفادة منه فكل شيء فيه مسخر له.
ومن المعلوم أن إقحام العقل في بعض الاكتشافات الخطيرة التي دمرت المجتمعات فكان له الأثر العكسي على الحياة المعاصرة فقد أصبح الانحلال الأخلاقي من خصوصيات بعض المجتمعات المتلبسة بزي الحضارة الراقية فجر عليهم دمارا متعدد الجوانب في مجتمعاتهم كالقلق النفسي والتفكك الأسري والجنون وجنوح الأحداث وسائر الإمراض المختلف كالزهري .
ومرض نقص المناعة، فهم في ضنك دائم، فالحرية العقلية في ظل الحضارة الإسلامية قد أتاحت المجال واسعا أمام المسلمين وغيرهم للتفكر في الكون وسبر أغواره واستخراج خبايا الأرض بكنوزها المتعددة التي تعمل على رقي الحضارة البشرية وتطورها وتحقيق النهضة العلمية فالعقل وسيلة من وسائل البناء والحوار والدفاع عن حقوق الآخرين ووسيلة أيضا لتحرير البشرية من الظلم المتفشي.
ونظرة سريعة إلى عقلاء البشرية من غير المسلمين في العصور الغابرة نجد أنهم قد استخدموا التفكير في كل شيء سواء أكان نافعا للبشرية أم ضارا بها وهاموا بالعقل في مجالات عسيرة .
ومع هذا لم يستفيدوا بأنوار العقل فحجروا على حرية التفكير وأشاعوا الاضطهاد لكل من ينكر مقولات الكنيسة ومصادرة رأى كل من يخالف فكر الكنيسة ففي الدولة المسيحية نرى شيوع الاضطهاد لاسيما في العصور الوسطى وبداية عصر النهضة (فبين الحين والحين يصرخ رجل حر أو أكثر باستنكار التعدد في الألوهية.
ويعلن ضيقه بثالوث الأب والابن وروح القدس فالكنيسة تكون أسرع من البرق في إخفات هذا الصوت وإخفاء معالمه ومصرع المصلح الأسباني سرفتيوس (دليل على صدق ما نقول، فان هذا الرجل ما إن جهر برأيه في خطل التثليث حتى اقتيد إلى السجن، ثم قدم للمحكمة، فقرر القضاء العادل إعدامه حرقا سنة 1553 م.
وتبادل رجال الدين والدنيا التهاني عقب إحراقه !!)(1) فالفرق كبير بيننا وبين مخالفينا في الاعتقاد فكيف تبني عقلية تريد الحرية في التفكير في مجالات الحياة المختلفة الفلسفة والاعتقاد،وأنت تصادر حريتها الفكرية.