جاء الإسلام يدعو الى مكارم الأخلاق التي تربي في الإنسان أنبل الفضائل، وأكرم الشمائل، وأجل الصفات، وترتقي به في مدارج الكمال إلى أسمى مكان وتنشيء من وراء ذلك كله أمة عظيمة مثالية تجري الفضيلة في قلوب أبنائها مجرى الدم في العروق، فلا تعيش إلا بها، ولا تحيا إلا لها، ولا ترى لوجودها معنى إلا اذا مكنت لها في الأرض، ومدت الى العالم كله يد الهداية لترتقي به الى أوج الصلاح والعفاف.
إن الله تبارك وتعالى جعل بقاء الأمم ونماءها في التحلي بمكارم الأخلاق، وجعل هلاكها ودمارها في التخلي عنها، سنة ثابتة لا تختلف باختلاف الأمم، ولا تتبدل بتبدل الأجيال.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ومن أجل ذلك كانت دعوات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم تحث على الأخلاق الفاضلة التي بها صلاح الأفراد وبقاء الأمم.
والأخلاق التي جاء بها الإسلام تمتاز بمزايا كثيرة منها انها بعد الإيمان بالله تعد المهمة الكبرى التي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تحقيقها.
قال تعالى: «هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين» سورة الجمعة الآية 2.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه البزار.
وفي حديث سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام ملك الحبشة بيان لجهاد النبوة في تتميم مكارم الأخلاق التي ضل العرب عن كثير منها بكفرهم وانحرافهم عن شريعة سيدنا إبراهيم عليه السلام.
يقول سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: «أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا الى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار.
والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وان نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ فعدد عليه أمور الإسلام ـ فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا» رواه ابن خزيمة في صحيحه وابن اسحاق.
أرأيتم كيف نقل النبي صلى الله عليه وسلم العرب من الغي الى الرشاد؟ أرأيتم أثر العقيدة الصحيحة والأخلاق القويمة في إخراج العرب من الظلمات الى النور؟!
د. قطب عبدالحميد قطب