أكد المفكر الإسلامي د. عبد الحليم عويس أن الأمة الإسلامية تمتلك تُراثاً ضخماً لا تدانيه فيه أمة من الأمم، ويجب عليها حتى تستعيد مكانتها أن تقرأ تاريخها الطويل بأناة وتدبر، وتحاول الاستفادة من كل ما يصلح لعصرنا، ورفض د. عويس ما يردده البعض بأن هناك تناقضاً بين العقل والنقل، مؤكداً أن الوحي أساس للعقل السليم.

وهذا العقل ابن شرعي للنقل، كما أكد أن الحضارة الإسلامية حضارة رائدة، موضحاً أنها حضارة تدعو إلى خير الإنسانية ورقيها الديني والدنيوي. وقال د. عبد الحليم إن الأمة الإسلامية تعيش صحوة بين شبابها..

وطالب هؤلاء الشباب بألا يتراجعوا عن حماسهم، وأن يلتزموا بفهم النصوص الشرعية فهماً سليماً وأن يبتعدوا عن الغلو في الدين، لأن الدين الإسلامي دين السماحة..

وتطرق د. عويس إلى قضايا أخرى في هذا الحوار الذي أجرته وكالة الصحافة العربية. رغم أن تاريخ المسلمين حافل بالأمجاد والانتصارات إلا أن واقعهم يدعو للأسى، فكيف يمكن استلهام الماضي والاستفادة منه في استعادة المسلمين لقوتهم مرة أخرى ؟

الأمة الإسلامية صاحبة تاريخ طويل وحافل بالانتصارات والأمجاد، فلها تراث فكري وثقافي ضخم لا نظير له في الأمم السابقة، أو الحالية في العلوم التطبيقية، أو الإنسانية.

حيث تقدمنا على شعوب الأرض في هذه العلوم وابتكرنا نظريات عملية لم تعرفها البشرية واكتشف علماؤنا الأفذاذ العديد من الاختراعات التي خدمت العالم، وحتى يمكننا مواصلة عطاء الأجداد علينا أن نقرأ هذا التاريخ الطويل، وتلك المعالم الحضارية المشرقة بأناة وتؤده وروية وتدبر.

وأن نحاول أن نأخذ من كل ذلك ما يتلاءم مع عصرنا الحالي وتقاليدنا وأعرافنا وديننا الحنيف تحقيقاً للمواءمة بين الأصالة والمعاصرة في فكرنا الحالي، لأنه لا يمكن أن نتقدم دون الاعتماد على عنصري المعادلة المتمثلة في التراث والمعاصرة مع العلم، بأن عملية التخلي عن أحدهما تعنى التخلف والرجوع إلى الوراء .

وشيوع الجهل وعدم المعرفة مع ضرورة التنبه إلى أن هناك فريقاً يُحاول الترويج لمقولة خاطئة مفادها ضرورة التخلي عن التراث العربي بحجة أنه سبب أزمتنا الحضارية الراهنة وهو منطق عجيب وغريب إذ كيف نترك شُريان حياتنا المتمثل في حضارتنا العربية الراسخة وتاريخها العطر بسهولة اعتماداً على منطق العصرية واتباع المنهج الغربي في التفكير ؟..

الأمر الذي يحتم علينا أن نفطن إلى نوايا هؤلاء وإلى فساد رأيهم وعدم صوابه، لأن جميع الأمم تحاول إحياء تراثها إذا كان لها تراث. الإسلام والعلمانية - انطلاقاً من قضية التراث والمعاصرة هل ترون أن هناك تعارضاً بين العقل والنقل، وإلى أي الفريقين ترى أنه الواجب اتباعه ؟ كلا الفريقين على صواب، ففى الإسلام يستحيل تعارض النقل والعقل، فليس.

كما يزعم البعض أن النقل أولاً ويزعم آخرون أن النقل ثانياً، فالقضية ليست هكذا، لأن العقل الرشيد ابن شرعي للوحي الصحيح، ومن أبرز مهام الوحي تكوين العقل بعيداً عن كل صور الضغط والتوجيه التي تمنح العقل أن يرى الصورة كاملة.

وأن يضع الأمور في نصابها وأن ينتهي إلى الحكمة الراشدة، والرأي الدقيق المحيط السديد، فالبناء الإسلامي منذ قيامه وهو يتكئ على تشابك خيوط الوحي والعقل معاً، فإذا كان الأساسي .

وحياً فإن طبيعة الوحي لم تكن من مواد مناقضة للعقل أو عسيرة الاستيعاب بالنسبة له وليس في القرآن الكريم، ولا في سنة الرسول الصحيحة ما يتناقض مع العقل الصحيح. وعلى هذا فإن علاقة الوحي بالعقل لم تكن مطروحة في عصر الرسالة، لأن الصحابة.

وهم أصحاب عقول نقية صافية لم يكتشفوا تناقضاً بين حقائق الإسلام والفطرة والعقل والمبادئ البسيطة التي تعارف عليها الوعي الإنساني، ولقد كان الصحابة مشغولين بتغيير أنفسهم، وتغيير العالم، ولم يكونوا مشغولين بفلسفة الأشياء، وفلسفة العالم وإغراق أنفسهم في متاهات جدلية شبيهة بمتاهات عصور السفسطة الجدلية.

فالإسلام واجه البشرية منذ البداية بالإمكانية العقلية الكاملة للإبداع وكان حادث الإسراء والمعراج بداية لتأكيد هذا الأساس، وبالتالي فلم يظهر في عصور القوة الإسلامية ذلك التعارض الوهمي بين ما هو وحي، وما هو عقل، ولم يطرح استفهام حول أسبقية الوحي أو العقل، ومع أن الوحي كان السابق بيقين منذ علم الله آدم الأسماء كلها.

إلا أنه في الإسلام بخاصة فلم يوجد تعارض للوحي مع العقل أبداً. ولقد حسم الإسلام الخصومة المصطنعة بين الدين والعقل وحرر الإنسان من أزمة الصدام بين الدين والعلم، ولهذا فالإسلام ليس في حاجة إلى العلمانية، مثل: أوروبا ولا مكان لها في الإسلام.

والزعم الشائع في تاريخ الفكر الإنساني بأن هناك صراعاً مُستمراً وتناقضاً أبدياً بين الدين والعقل، أو بين الدين والعلم لا ينطبق بحال من الأحوال على الدين الإسلامي، فكلاهما الدين والعقل يشكلان في الإسلام وحدة واحدة تتشابك أنسجتها تشابكاً مُحكماً. الصراع القائم في أرجاء الكون مُستهدفاً الإسلام يفرض علينا تساؤلاً.. هل الواقع الإسلامي في أزمة ويحتاج لتغيير وما مدى إمكانية هذا التغيير ؟

حينما نتحدث عن تغيير الواقع الإسلامي لابد من طرح فقه هذا الواقع، وتشخيص علله وأمراضه بالضرورة، فبعض المفكرين حين يرصد الواقع الإسلامي يتحدث عن كثرة إمكانات المسلمين المادية في مقابل ضعفهم الاقتصادي.

واعتمادهم على الاستيراد والاكتفاء بالاستهلاك بدلاً من الإنتاج، ويتحدث عن الخضوع الإعلامي، والفكري للقوى الأخرى في مقابل القيم الفكرية والإمكانات العقلية التي تملكها الأمة الإسلامية..

وكل هذا في رأيي قد يكون مطلوباً في مجال الإصلاح السياسي الاقتصادي العابر، ولكن الحقيقة أن كل هذه العلل، والأمراض إنما هي أعراض ونتائج تقف وراءها أسباب عميقة لتصل بالجوهر، وبتكوين العقل المسلم والنفس المسلمة والوجدان المسلم بعد دخول الإنسان المسلم إلى عصور التخلف والانفصال عن حقائق الإسلام في المجال الاجتماعي.

فمن وجهة النظر الحضارية والإسلامية لا مناص من الوقوف العميق المتأني عند مستوى الجوهر، وهو مستوى الأعماق التي زُيفت وحُرفت واختلطت فيها العناصر وأصبح مركبها متناقضاً ولا يسمح بالفاعلية والانسجام، ولهذا المستوى يأتي الخطاب الرباني في القرآن الكريم «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»..

إذن فنقطة البداية الصحيحة في تغيير واقع المسلمين تنحدر عند مستوى فقه المسلم لدوره، كما أراده امنه وفقهه لسنن التغيير والنهضة في المستوى الاجتماعي والكوني. وفى الفقه الحضاري القرآني والنبوي زاد وفير لمن أراد أن يذكر، وأن ينسجم مع سنن الله في التغيير وبناء النفوس والعقول والحضارات..

إذن لا سبيل لعلاج الخلل عندنا، وتصحيح المسار إلا بالعودة إلى نقطة البداية وإعطاء سنن الله في التغيير الفردي والاجتماعي والحضاري حقها من الوعي والرشد والعلم والعمل. مغالطات يهودية - تباينت ردود الفعل في الفترة الأخيرة حول مصطلح صراع الحضارات، فما رأي سيادتكم في هذا المصطلح، وأين الحضارة الإسلامية ودورها في هذا الصراع ؟

الحضارة الإسلامية هي حضارة ذات مسؤولية تاريخية باقية، قال تعالى «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس» وبناء الحضارة الإسلامية القائم على أسس التصور الإسلامية سيجعل الإنسان المسلم قادراً دائماً على أن يحدد خلاياه، وأن ينبعث من جديد بروح جديدة.

وكأنه ولد من جديد، ومن خلال الكثير يمكن أن تشعل الفكرة الإسلامية التي هي زيت الحضارة الإسلامية، ويشتعل فتيل الحضارة الإنسانية المنطفئة في الإنسان المسلم.

وأعتقد أن القرآن الكريم وسنة رسوله قادران دوماً على أن يمكنا المسلم في أي مرحلة من المراحل التاريخية من العودة إلى داخل الحضارة، ذلك لأنهما يقدمان له باستمرار غذاء متجدداً متجاوباً مع نظرته الثابتة من جانب، ومع أي مرحلة من مراحل الرقي العقلي التي يستطيع الوصول إليها من جانب آخر.

كما أن هذا المصطلح صراع الحضارات وتلك المغالطات هي من نسج علماء اليهود الذين يعيشون في الولايات المتحدة، والذين لا هم لهم إلا محاربة الإسلام والقضاء عليه بكل الحيل الممكنة ناهيك عن أن الحضارة الغربية رغم تعاظمها المادي والتقني والعلمي الرهيب إلا أن السوس بدأ ينخر في أوصالها.

فمن الحقائق المؤكدة أن أعلى نسبة للانتحار توجد في الغرب وأن الشباب هناك يعاني من الاحباطات والقلق والتوتر النفسي والوجداني، كل ذلك لعدم وجود الوازع الديني والجوانب الروحية في هذه الحضارة المادية التي تخلت عن الدين والقيم والمثل العليا، ومن ثم حدث لها ما تراه حالياً. يبقى على المسلمين.

وعلمائنا أن يظهروا حقيقة حضارتنا الروحية التي تهتم بالعلم والبحث والمعرفة ونشر الهداية بين الناس، عند ذلك سيصحح الغرب مغالطاته بشأننا، وسيفهم الإسلام عن قرب من خلال الدراسة المتأنية.

وعندها يعرف أنه لا يوجد صراع مع حضارة تدعو إلى خير الإنسانية ورقيها الديني والدنيوي. الصحوة الإسلامية - ينظر البعض للصحوة المنتشرة بين شباب العالم الإسلامي الآن على أنها طوق النجاة فما هو رأيكم وهل من مأخذ عليها ؟

الصحوة الإسلامية بعثها اهتمام الشباب بالعودة إلى الكتاب والسنة وإحياء تراثنا، ومحاولة التمثل، والاقتداء بالنصوص الشرعية، والدعوة إلى إتباع ما في القرآن الكريم والسنة المطهرة بيسر وسهولة ودون شطط أو غلو، لأن ديننا السمح يدعونا قائلاً في قوله تعالى «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»..

والصحوة الإسلامية تسير إلى الأمام رغم وجود بعض المآخذ عليها، والتي تدور حول عدم فهم بعض النصوص من قبل الشباب فضلاً عن الحماسة المفرطة وغلبة العاطفة على الفهم.

وهي أمور ندعو أن يقينا منها كما ندعوه سبحانه أن يبصر أبناءنا إلى حقيقة ديننا الإسلامي السمح بعيداً عن الغلو والتشدد، والتي هي صفات غير إسلامية !! - هل يصاحب تلك الصحوة الإسلامية تطبيق الشريعة الإسلامية.. وما هو تفسيركم لعدم تطبيقها في بعض بلدان العالم الإسلامي؟

الأمة الإسلامية لا تعتبر أمة إسلامية إذا لم يكن جوهرها تطبيق الشريعة الإسلامية.. ومهما التزمنا نحن المؤمنين بهذا الدين العظيم بالتسامح والدعوة الحكيمة، وبإقامة الجسور بيننا وبين كل الناس، فإننا لا نستطيع أن ننكر أو نخفي أننا نسعى ونتمنى تطبيق شريعة فهي حلمنا وهدفنا، والذين يتخيلون الأمة الإسلامية أنها لا تسعى لتطبيق الشريعة إنما يخدعون أنفسهم.

وأمنهم فليس هناك أمة إسلامية بدون شريعة إسلامية وتطبيق الشريعة سوف يضع قطار المسلمين فوق القضبان الصحيحة ليتجهوا الوجهة الصحيحة في التاريخ، وسوف يقدمون النموذج الإنساني والأخلاقي للحياة.

ومن الطبيعي أن يحارب أعداء الإسلام تطبيق الشريعة وصياغة الحياة وفق مبادئها، وأعتقد أن من يقاومون تطبيق الشريعة لا يمكن أن يكونوا مسلمين إذا كانوا واعين بما يفعلون .

ـ وعلينا أن نعلم أن الدعوة إلى تطبيق الشريعة مع الصحوة الإسلامية لم تتواكب عبثاً أو مصادفة، فالذي يعي المستوى الأخلاقي الذي أعذرت إليه الأمة الإسلامية سوف يدرك كم كان ضرورياً لدى كل المخلصين أن تكون المطالبة بتطبيق الشريعة لعلاج الأعذار الأخلاقية عملاً من أوجب الضرورات، فبعد أن أفلست كل النظريات المستوردة،.

والقوانين الوضعية في عصرنا الحديث وأصبح المسلمون بل والبشرية كلها على شفا جرف هار بالفعل، في ظل انتشار كل الموبقات من قتل واغتصاب والسرقة ورشوة وتجارة مخدرات وربا وخمور أفلا يحق للمسلمين في كل قطر إسلامي العمل على تطبيق الشريعة ؟

القاهرة:وكالة الصحافة العربية :