إذا كانت هذه السلسلة من الموضوعات تهدف إلى التوعية بأهمية تعزيز زواج المواطنين من مواطنات، فإنه ينبغي ألا يفهم منها أنها تسعى إلى تقديم صورة كئيبة بشأن الزواج من أجنبيات، فالأمر ليس شرا خالصا والعكس. فالأجنبيات شئنا أم أبينا يعشن بيننا سواء في البيت كشغالة أم في مركز التسوق الذي نرتاده أم في المدرسة أو حيثما توجهنا.
وعلى ذلك فإن الأمر يتطلب رؤى أكثر جذرية لا تمثل قضية الزواج من أجنبيات بالنسبة لها سوى جزئية يمكن أن تعتبر مجرد قطرة في بحر.. والمهم في النهاية هو العزيمة الصادقة لمحاربة المظاهر السلبية التي نتصور وقوعها نتيجة الزواج من أجنبيات أيا كان مصدر هذه المظاهر.
الدكتور رياض جبار خضير أخصائي نفسي بمستشفى ابراهيم بن عبيدالله برأس الخيمة يشخص ظاهرة الزواج من أجنبيات وآثارها من واقع اختصاصه فيقول، ان الزواج من نفس البيئة الاجتماعية والثقافية يؤدي إلى توافق أكبر بين الأزواج بعكس الزواج الناتج بين بيئتين مختلفتين، فكلما تشابهت وتقاربت الثقافات والعادات والتقاليد كلما كان التفاهم أسهل.
فقدان الهوية
ويضيف، لقد تعاملت مع الكثير من الحالات والمرضى الذين مروا على بيئات مختلفة فنتيجة للزواج من أجنبيات واكتشفنا أن الأبناء يعانون من فقدان الهوية مؤكداً أن معظم زيجات العرب من أجنبيات فاشلة. ويوضح الدكتور رياض أنه إذا كان الدافع من الزواج هو الحب فربما يستمر لكن إذا كانت هناك دوافع مادية أو جسدية وغيرها فإن هذا الزواج مهدد بالفشل.
البحث عن الهوية من مرحلة المراهقة
ويتحدث الاخصائي النفسي بمستشفى ابراهيم بن عبيدالله برأس الخيمة عن الآثار السلبية على الأبناء قائلاً: إن أبناء الأجنبيات يبدأون في فترة المراهقة البحث عن هويتهم حيث يشعرون حينها بنقص الذات وعدم الاستقرار النفسي.
وهذا ما ينعكس سلباً على تحصيلهم الدراسي بحكم احساسهم بأزمة الثقة في النفس أمام الآخرين لدرجة أن تؤثر هذه العوامل على علاقة الأبناء بأهلهم وأسرهم ويمكن أن تصل الأمور إلى أن يلوم الأبناء آباءهم على زواجهم من أمهاتهم الأجنبيات حتى وإن لم يجهروا بذلك فإنهم يبطنونه في داخلهم.
خلل واضح
وانتقد الدكتور رياض جبار وجود العادات التي تدفع بالكثير من المواطنين إلى الزواج من أجنبيات ومنها غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج والمظاهر المصاحبة له كالإيجارات المرتفعة لصالات الأفراح وغيرها.
وقال إن هذه المظاهر السلبية تساهم أيضاً في ارتفاع نسبة العنوسة ما يتسبب في حدوث خلل واضح في المجتمع. أما حسن عيسى اختصاصي نفسي تربوي بمنطقة رأس الخيمة التعليمية فيقول في هذا الجانب ان الهدف الأساسي من الزواج من أجنبيات للكثيرين.
هو الاستمتاع بالنسبة للرجل والمال بالنسبة للمرأة الأجنبية، خاصة في ظل الفارق الكبير في السن بين الزوجين وهو الأمر الشائع في أغلب الحالات، فلا يوجد تفكير ودراسة في ماهية الآثار السلبية المستقبلية على الأبناء نتيجة الزواج من أجنبيات.
آثار نفسية وسلوكية
ويوضح أن هناك آثاراً نفسية على الأبناء وأخرى سلوكية، وتتضمن الآثار النفسية الخوف والقلق وضعف الثقة بالنفس، أما الآثار السلوكية فتتمثل في التصرفات العدوانية لأبناء الأجنبيات لاحساسهم بأنهم منبوذون من المجتمع.
وتتحول التصرفات العدوانية أحياناً إلى أعمال تخريبية تطال الممتلكات العامة. كما ينجرف بعض أبناء الأجنبيات إلى المخدرات والشذوذ والعادات السيئة علاوة على حالات التخلف العقلي الناجمة من الزواج غير المتكافئ.
لغة التواصل معدومة
وهناك افرازات سلبية أخرى يتحدث عنها حسن عيسى تتمثل في صعوبة التفاهم والتواصل مع الأمهات الأجنبيات في متابعة حالات أبنائهن في المدارس خاصة عند وفاة الآباء، ويقول: إن لغة التواصل تكون معدومة بحكم اللغة والتي ينعدم معها أيضاً الانتماء للوطن.
زيجات فاشلة
ويذكر الاختصاصي النفسي التربوي حسن عيسى أن ابن الأجنبية يتولد لديه شعور بالنقص عندما يكبر ويتقدم للزواج مصطدماً بالرفض بسبب أصل أمه لذلك من الطبيعي أن نرى أغلب الزيجات من أجنبيات فاشلة.
دجل وشعوذة
ويتطرق حسن إلى أمور أخرى لا تقل أهمية ناتجة عن إفرازات الزواج من أجنبيات وهي أن الأبناء يتعلمون عادات سيئة تدخل بعضها من نطاق الدجل والشعوذة كتعليق التمائم والتعويذات على أجسادهم داخل الفصول الدراسية.
بلا شخصية
وأشار حسن عيسى إلى منطقة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها وهي أن الأب المواطن يخجل من مراجعة إدارة المنطقة التعليمية أو المدرسة أحياناً لأن أم أبنائه أجنبية كما أن معظم المتزوجين من أجنبيات يعانون من ضعف الشخصية فعندما يراجعنا الأب الكبير في السن مع زوجته الأجنبية الصغيرة نجد أن الزوجة هي التي تتحدث وتسيطر على الزوج الذي يكتفي بالصمت والموافقة على كل شيء.
ويؤكد الاختصاصي النفسي التربوي بمنطقة رأس الخيمة التعليمية ان الطفل يدور في حلقة مفقودة إذا كانت أمه أجنبية حيث تتداخل عليه اللغات ما يدفعه إلى الانزواء مفضلاً عدم التحدث مع أي شخص وهذا يعطي انطباعاً عنه بأنه معاق سمعياً.
مثال واقعي
وعن مدى تأثير الجانب النفسي للزواج من أجنبيات على سلوك وتصرفات الأبناء دراسياً يضرب لنا حسن عيسى مثالاً من واقع الحياة فيقول: مرت علي حالة مشابهة لهذا الواقع لطالبة كانت متفوقة دراسياً وأمها أجنبية.
حيث بدأت زميلاتها في الفصل والمدرسة بمعايرتها بأصل أمها وينادونها ببنت الفلانية لدرجة أن الطالبة المجتهدة لم تعد تتحمل ما تسمعه فانعكس ذلك سلباً على تحصيلها ومستواها الدراسي فانعزلت وانطوت على نفسها بعد أن كانت أفضل طالبة في فصلها.
أعراض جسدية
ويلفت حسن عيسى الانتباه إلى أن الأعراض النفسية ربما تتحول إلى أمراض وأعراض جسدية جلدية خاصة في مرحلة المراهقة حيث تنشط بعض الأمراض التي تصيب الجلد وتتأثر بحالة الشخص النفسية.
وأضاف ان هناك حالات عديدة تواجهنا في المدارس حيث نجد صعوبة بالغة في متابعتها حيث يكون التفاهم مفقوداً مع الأمهات الأجنبيات للاطمئنان على مستويات أبنائهن المواطنين، فكيف ستتحقق نتائج ايجابية إذا كانت الأم آسيوية والأب متوفى فيما نجد الأبناء متأثرين بلغة وعادات أمهم.
تدني اللغة العربية
وانتقلنا إلى الجانب الميداني التربوي لنرى أثار ظاهرة الزواج من أجنبيات من منظور تربوي سلوكي على أرض الواقع واستطلعنا رأي أحمد عبدالله الرديمي الاختصاصي الاجتماعي بمدرسة طنب للتعليم الثانوي والذي تحدث عن سلبيات هذه الظاهرة وانعكاساتها على الطلاب ولخصها في النقاط التالية .
وهي ضعف وتدني مستوى اللغة العربية لدى الكثير من الطلاب ممن امهاتهم من الجنسيات الآسيوية والأجنبية وهذا ما ظهر واضحا في المدارس ما يمثل مشكلة كبيرة تؤثر على الهوية الوطنية والانتماء.
كما أن هناك ضعفا تعاني منه العلاقات الأسرية بسبب كبر سن الأب وعدم مقدرته على متابعة التحصيل العلمي لأبنائه ما يؤدي إلى تسربهم من المدرسة، فضلا عن ان أبناء الأجنبيات يتعلمون عادات سيئة دخيلة على المجتمع الإماراتي من خلال التأثر بثقافة الأم، وكذلك فإن هذه الفئة تجد صعوبة في الاندماج مع أقرانهم لاحساسها بالنقص.
حلول ومقترحات
ووضع الاختصاصي الاجتماعي أحمد الرديمي حلولا ومقترحات لمحاربة ظاهرة الزواج من أجنبيات منها تسهيل أمور الزواج بتيسير المهور والتقليل من التكاليف ووضع ضوابط وتشريعات صارمة للحد من الإقبال على الزواج من أجنبيات ومعالجة مشاكل كبار السن ممن توفيت زوجاتهم عن طريق توفير البيئة المناسبة لهم للاقتران بنساء مواطنات سواء كُنّ أرامل أو مطلقات بشرط أن يكون هناك تقارب في السن. كما طالب الرديمي بفتح المجال لتعدد الزوجات مع وضع الضوابط المناسبة والملائمة.
وحث وسائل الإعلام المختلفة على معالجة هذه الظواهر وتوعية المواطنين بآثارها السلبية. من جهته أشار الدكتور هيثم شبايه أخصائي أمراض المخ والأعصاب والطب النفسي في مستشفى دار الشفاء بأبوظبي إلى ان تحرك المجتمع الإماراتي خلال السنوات الأخيرة إلى مجتمع منفتح على جميع الثقافات .
واحتضانه لجميع الجنسيات، أسهما بشكل كبير وواضح في انتشار ظاهرة الزواج من الأجنبيات. وإلى جانب ذلك فإن الفتاة الإماراتية بشكل عام، نظرا لطبيعة نشأتها وتكوينها الاجتماعي والنفسي لديها قدر كبير من عزة النفس والتي قد تصل إلى نوع من الكبرياء يحول بينها وبين تحقيق مطالب الزوج.
وفضلا عن هذا وذاك فإن التمادي في غلاء المهور وارتفاع تكاليف المعيشة واشتراطات الأهالي فيما يتعلق بمتطلبات الزواج تقف في الجانب الآخر لتعزيز هذه الظاهرة. ويؤكد الدكتور شبايه ان فئة كبيرة من الشباب المواطنين حاليا لا يملكون سوى رواتبهم.
والبعض منهم أنهكته البورصة بتقلباتها المستمرة فنرى العديد منهم من يختصر الطريق ويقدم على الاقتران بالأجنبية التي لا تكلفه شيئا وفي نفس الوقت تلبي جميع غاياته وطلباته ورغباته وقد يكون هذا الزواج عرفيا يعفيه من كل المسؤوليات، لينأى بنفسه عن اشتراطات ومسؤوليات الزواج من مواطنة.
ويؤكد انه لاحظ من خلال احتكاكه بالشباب والأهالي المواطنين أنه تكون لديهم أفكار جديدة ووعي بالمشكلة، وأصبح العديد من الشباب يدرك ان الزواج من مواطنة يعني استقرار الأسرة وان الزواج من أجنبيات يعني في النهاية الفشل وضياع الأسرة والأبناء ويرجع الدكتور هيثم أسباب فشل الزواج من أجنبيات إلى عدة عوامل منها اختلاف التقاليد والطباع والفكر والتربية وأسلوب التعامل وربما العقائد بين الزوج المواطن والزوجة الأجنبية.
حيث يدرك الشاب المواطن بعد فترة من الزواج ان تلك الزوجة تخرج عن الأطر والتقاليد والعادات التي نشأ وتربى عليها وبالتالي يكون الانفصال والطلاق هما نهاية المطاف. ويشير إلى ان زواج المواطن من فتاة عربية يختلف بطبيعة الحال عن الزواج من فتاة أجنبية لأن طبيعة المرأة العربية تكون قريبة من المواطن من حيث التقاليد والعادات وأسلوب التفكير.
وثمن الدكتور شباية منحة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله لصندوق الزواج، مؤكدا ان مثل هذه المبادرة سيكون لها الأثر الكبير في تخفيف ظاهرة الزواج من الأجنبيات.
تحقيق ـ وليد الشحي ـ مصطفى خليفة:
