بلغ مخاض الحل السلمي لأزمة إقليم دارفور السوداني ذروته أمس بتمديد المهلة المتاحة 24 ساعة للتوقيع على اتفاق سلام اقترحه الوسطاء وسارعت الحكومة إلى إعلان استعدادها للتوقيع عليه من طرف واحد اليوم في خطوة ضاعفت من ضغوط الوسطاء على المتمردين الذين رفضوا مشروع الاتفاق وقللوا من شأن تمديد المهلة 48 ساعة ما دفع الاتحاد الإفريقي إلى الإعلان صراحة عن خيبة الأمل من موقفهم.
وفيما رافق دخول الموقف التفاوضي في متاهة غامضة تصعيد عسكري على الميدان بهجوم شنته ميليشيا الجنجويد الموالية للحكومة باتت الآمال في إنقاذ الموقف معلقة على مبعوث أميركي رفيع توجه على عجل إلى مقر المفاوضات في العاصمة النيجيرية أبوجا.
وأعلنت الحكومة السودانية على لسان رئيس وفدها لمفاوضات السلام في دارفور مجذوب الخليفة أنها ستوقع اليوم مبدئيا ومن جانب واحد على مشروع الاتفاق الذي قدمه الاتحاد الإفريقي لإحلال السلام بدارفور، وذلك قبل يوم من انتهاء المهلة النهائية التي منحها الاتحاد للفرقاء بالنزاع للتوصل إلى اتفاق.
و حمل الخليفة حركتي التمرد مسؤولية الإخفاق بالتوصل لسلام بدارفور لغاية الآن، متهما المتمردين بالتجمد خلف مواقفهم المتعلقة بالقضايا الأمنية والسياسية.
ونفى الناطق باسم وزارة الخارجية السودانية جمال إبراهيم في تصريحات أن يكون قرار الحكومة مبنيا على رغبتها بإبراء ذمتها من أي فشل متوقع لمفاوضات السلام، وأكد أن مهلة ال48 ساعة التي أعلن عنها أمس(بقي منها 24 ساعة)، أعطيت للمتمردين، وليس للحكومة لأنها أعلنت موافقتها على التوقيع على الاتفاق رغم تحفظها على العديد من بنوده.
وقال إبراهيم إن توقيع الحكومة اليوم مبدئيا، وليس نهائيا، أي أنها ستنظر في أي تعديلات يقرها الاتحاد الإفريقي بناء على طلب المتمردين.
وفي المقابل قللت حركتا التمرد في دارفور من أهمية المهلة التي منحت لأطراف النزاع للتوصل إلى اتفاق سلام، محملين الخرطوم مسؤولية فشل المفاوضات إذا لم تستجب لمطالبهم.وقال المتحدث باسم (حركة تحرير السودان) سيف الدين هارون، إن تمديد المهلة لا يعني لهم أي شيء، مؤكدا أن اقتراح السلام الذي قدمه الاتحاد الإفريقي والذي كان من المفترض أن يبت فيه أمس لم يلب مطالب المتمردين المهمة.
من جانبه أكد الناطق باسم حركة العدل والمساواة أحمد حسين ، أن قرار الحركة بالتوقيع على الاتفاق أو عدمه، يعتمد على التنازلات التي ستقدمها الحكومة. ومضى حسين يتهم الخرطوم بعدم احترامها للاتفاقيات، (لذلك فإننا بحاجة إلى ضمانات مضمونة، وأكيدة من الحكومة والمجتمع الدولي).
واعتبر حسين أن الاتفاق لا يتطرق بشكل مرض إلى آلية التنفيذ وإلى مطالب المتمردين بأن يكون نائب الرئيس من دارفور وإلى منح الإقليم المزيد من الاستقلالية.ونقلت وكالة أسوشيتدبرس عن حسين قوله إنه يتحدث أيضا باسم جماعة حركة تحرير السودان أيضا.
وكانت واشنطن قد طلبت على لسان سفيرها في الخرطوم كاميرون هيوم الذي حضر جلسة المباحثات الموسعة أمس في أبوجا، تمديد المفاوضات لمدة يومين خوفا من فشل مفاوضات الساعات الأخيرة في ظل رفض المتمردين لمسودة الاتفاق الإفريقية.
وقال وسيط الاتحاد الإفريقي سالم أحمد سالم إن قرار التمديد اتخذ لإفساح المجال أمام مزيد من المشاورات بين الأطراف، وأضاف «الاتفاق في مكتبي، يمكن لأي طرف أن يأتي لتوقيعه، العالم لن يغفر لنا إذا غادرنا هذا المكان بدون اتفاق سلام».
وفي وقت لاحق عبر سالم عن خيبة أمله للموقف الذي اتخذته حركات التمرد في الإقليم في هذه المفاوضات. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية(بي بي سي ) ان هذه الحركات جاءت إلى محادثات أبوجا بمواقف مسبقة، وهي بكل بساطة تكرر مطالبها.
وفي إطار جهود اللحظات الأخيرة لإنقاذ محادثات السلام من الفشل ، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في بيان أمس ان المسؤول الثاني في الوزارة روبرت زوليك مساعد وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس توجه أمس إلى ابوجا .وأوضح البيان ان زوليك «سيحاول دعم الوساطة التي يقوم بها الاتحاد الإفريقي لإيجاد حلول للمسائل التي لا تزال عالقة والتوصل إلى اتفاق سلام في دارفور».
وأضافت الخارجية الأميركية ان «الطرفين حققا تقدما في الأيام الماضية لكن بعض المسائل الجوهرية لا تزال عالقة». ورغم الآمال التي يبعثها وصول زوليك الذي أوكلته رايس بملف دارفور والذي سبق ان قام بعدة رحلات إلى المنطقة ، أثارت مغادرة علي عثمان محمد طه نائب الرئيس السوداني ابوجا صباح أمس تشاؤم المراقبين.
وكان طه قد وصل قبل ثلاثة أسابيع وعقد اجتماعات مباشرة مع قادة المتمردين وهو ما انعش الآمال في التوصل إلى اتفاق.وقال دبلوماسي يشارك عن كثب في المحادثات ان طه غادر لان اجتماعاته الاخيرة مع قادة المتمردين أعطته انطباعا بأنهم ليسوا مستعدين لإجراء محادثات حقيقية.
وقال الدبلوماسي الذي وصف حالته المزاجية بأنها «محبطة» ان «اجتماعاته (طه) مع حركات التمرد أمس كانت سيئة للغاية. كانت ..بصراحة.. مهينة جدا للحكومة».
وقال المصدر الدبلوماسي «اعتقد ان الفرص ضئيلة للغاية.. لا اعتقد ان الحركات تدرك انها تضيع فرصة كبيرة..الشيء الوحيد المتبقي لميني هو ان يدرك ان اللعبة انتهت». وكان يشير إلى ميني اركوا ميناوي زعيم الفصيل الرئيسي لحركة جيش تحرير السودان المتمردة المنقسمة.
وفي تطور ميداني ملفت أفاد مصدر مقرب من مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين ان هجوما شنته ميليشيات الجنجويد فجر أمس على مدينتين بشرق تشاد أدى إلى سقوط أربعة قتلى وستة جرحى.ووقع الهجوم بين مدينة غوز بييدا وبلدة كوكو على بعد اقل من مئة كلم من الحدود السودانية.
وبحسب هذا المصدر الإنساني، فان حوالي «150 من الفرسان المسلحين باللباس العسكري أو المدني» هاجموا البلدتين الصغيرتين فجرا ما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة آخرين.
وتتكرر في شرق تشاد هجمات ميليشيات الجنجويد المتحالفة مع القوات السودانية ضد المتمردين في دارفور بغرب السودان. وقد لجأ أكثر من 200 ألف سوداني إلى هذه المنطقة منذ بدء الحرب الأهلية في دارفور في فبراير 2003.ولم تعلق السلطات التشادية فورا على هذا الهجوم الجديد. (وكالات)