يعاب دائما على مؤسسات التعليم عندنا وبقية البلدان العربية اتخاذها قرارات مهمة بطريقة فجائية تكون أقرب للصدمة على نفوس العاملين فيها لاسيما في ظل هيمنة نمط المركزية الشديدة، فيما يتم في أحسن الأحوال طرح بعض القضايا على المجتمع التربوي بعد أن تم حسمها خلف الأبواب المغلقة في مكاتب المسؤولين من باب ذر الرماد في العيون.
ولعلنا الآن أمام قيادة واعدة جديدة في وزارة التربية والتعليم يأمل المجتمع وليس التربوي فقط أن تتجاوز اخفاقات المراحل المنقضية، وتجسد قاعدة أن التعليم شأن مجتمعي في كل قراراتها، وأن تتصف بالكثير من الحكمة عند اتخاذها لقرارات تطال أطرافا كثيرة كالقضية المطروحة على الساحة التربوية والمتعلقة بتمديد السنة الدراسية.
ما لاحظناه عند تحليلنا لطريقة تفاعل الوزارة معها أنها تجاهلت شريحة مهمة للغاية هي أولياء الأمور، وحتى على صعيد النظام التربوي، قامت المؤسسة الرسمية بالتعامل مع «الميدان التربوي» بطريقة إدارية بمعنى أنها أرسلت تعاميم سريعة لطلب الرأي دون ان تعطي القضية حقها من النقاش تجسيدا لمبدأ الشفافية والشراكة والرأي الآخر وغيرهم من «مانشيتات «الاستهلاك الإعلامي التي تطلقها بين الحين والآخر.
فرق ثلاثة معنية نلخص بآرائها ما يجري على الصعيد التربوي بشأن قرار التمديد من باب التزامنا بواجبنا في عرض الرأي والرأي الآخر، الفريق الأول يعارض بشدة اتخاذ قرار من هذا النوع لسبب بسيط يكمن في عامل الطقس والمناخ.
وكثرة التزامات العاملين في المدارس والمقيدين بالمناهج المكثفة والامتحانات والتصحيح، مؤكداً على أن هذه الظواهر لا توجد في مدارس العالم المتقدمة مثلما هي موجودة في مدارسنا، فيما يؤيد الفريق الآخر القرار بشدة وتمثله أقلية من المسؤولين لديهم قناعاتهم به.
والفريق الأخير رأيه وسط يؤيد تطبيق القرار تطبيقا مشروطا بمعنى أن يتم تهيئة مدارسنا من حيث المبنى والمكيفات ومختلف وسائل حسن سير العملية التعليمية وتقليص جرعات الاختبارات المدرسية اليومية لكي تكون الهيئات التعليمية مهيئة نفسيا وتربويا لتقبل قرار من هذا النوع.
أصداء وآراء شخصت علة القرار وأثره ميدانيا حملتهما السطور التالية:
يقول جعفر الفردان مدير مدرسة السعيدية للتعليم الأساسي: يأتي قرار تمديد السنة الدراسية المفروض ضارباً كل الرؤى والاستراتيجيات التي تطرحها وزارة التربية والتعليم بأن ـ الميدان التربوي ـ هو الرافد والشريك الأهم ورأيه يعد معبرا عن الواقع وضاربا أيضا مختلف المحاولات التي تؤكد على أن الإدارات المدرسية لها من الصلاحيات المفوضة الشيء الكثير.
وما تم إقراره من وزير التربية والتعليم ينسف كل ذلك، مشيراً إلى أن المدارس ما هي إلا محطة تمرر من خلالها القرارات وتفرض دون الالتفات للخبرات الإدارية المتراكمة التي تمتلكها ودائما ما تأتي القرارات علوية دون الاستئناس بخبرات الميدان، الأمر الذي يجعل المدرسة تفقد مصداقيتها ولو بين ذاتها.
واستطرد قائلا: عندما يكون رأي الميدان مهمشا بهذه الطريقة والقرارات فوقية لدرجة أن دعاوى الشراكة والتفاعل والرأي الآخر التي تطرحها الوزارة بين الحين والآخر مجرد كلمات للاستهلاك الإعلامي، فما الفائدة من وجود الإدارات المدرسية قبل دوام الطلبة بأكثر من أسبوعين.
نعم نحترم قرار الوزارة بأن يكون دوام المعلمين الجد قبل فترة من انطلاقة السنة الجديدة لكنه لم يلفت إلى أنهم سيخضعون لدورات مكثفة في طرائق التدريس والإدارة الصفية وكيفية التعامل مع طالب المرحلة والوسائل التعليمية وآلية توظيفها واستخدام البرمجيات والتكنولوجيا في الحصة الدراسية وغيرها من الدورات التدريبية التي تصقل المهارات والخبرات.
واقع صعب
ولفت الفردان إلى أن ما يحز في النفس أن مدارس الدولة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالطقس والمناخ، فلا المدارس مهيأة لاستقبال المعلمين والطلبة خلال شهر أغسطس الذي يعد من أشد الأشهر حرارة ورطوبة ومدارسنا لا تمتلك القاعات والمسارح وغرف الأنشطة والمظلات، مشيراً إلى أن الواقع صعب للغاية، وأغلب المكيفات في المدارس غير فاعلة والحافلات غير مكيفة .
ولا توجد صالات رياضية يمكن للطلبة ممارسة أنشطتهم الرياضية والفنية والثقافية فيها، مؤكداً على أن الوزارة بقراراتها الارتجالية تلك تنسف مختلف خططها التي تشرك فيها الميدان التربوي والمجتمع المحلي وأولياء الأمور بل وتسفه آراءهم وتتعامل مع الجميع بالفوقية دون الالتفات للرأي الصادق النابع من المعاناة التي يعيشها أهل الميدان.
فيما تبني الوزارة بهذا القرار جسرا من عدم الثقة بينها وبين المؤسسات المختلفة ورعاياها من الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور وتحتكر حتى التفكير وتنأى عن الحلول المقدمة من أهل الخبرة والدراية الذين يعايشون الواقع بتفاصيله يومياً.
ويعتقد مدير السعيدية للتعليم الأساسي أن هناك مخارج أخرى كانت أولى بالالتفات إليها إذا ما أردنا إطالة السنة الدراسية، متسائلا: هل تعلم وزارة التربية أن إجازة الربيع هذه السنة بلغت مدتها ثلاثة وعشرين يوما للطلبة، معتبرا ذلك مخرجا من بين المخارج البديلة عوضا عن قرار إطالة السنة الدراسية.
مخرجات القرار
ويرى الدكتور محمد أحمد معراوي موجه اللغة العربية بتعليمية دبي أن الأنظار تتجه إلى جانبين: آلية اتخاذ قرار تربوي بهذا المستوى، ومضمون القرار وآثاره في كل الاتجاهات، وعن الجانب الأول، فإن القرارات التربوية الحكيمة تتخذ بتأن، ضمن إطار التخطيط طويل الأمد.
وكانت سرعة تداول الفكرة مع المؤسسات التربوية توحي بأنه سينفذ في يوم صدوره، وبتقديره فإن وزير التربية والتعليم أعطى فرصة كافية لدراسة ردود الفعل قبل أن يحين موعد التنفيذ مما يجعل للآراء قيمة وفاعلية.
أما الجانب الثاني، المضمون وآثاره، فإطالة السنة الدراسية بحسب رأيه إطالة مدروسة وعلى ضوء التجارب المتقدمة تعطي مخرجات ايجابية يعتمد عليها مستقبل الجيل، موضحا أن نجاح أي قرار والوصول إلى الأهداف المرجوة منه تعتمد على حشد تأييد وإقناع المتعاملين بالقرار، أولياء الأمور بين رغباتهم في السفر طلبا للراحة من متاعب مناخ الصيف مع أبنائهم.
وكسب خبرات السفر في مجالات البلدان المتقدمة لهم ولأبنائهم، وبين التفكير الجدي بمصالح الأبناء وإعدادهم بخاصة ان خبرات الأبناء من السياحة والانتجاع في معظم الحالات لا تتم تحت إشراف الأسرة. وأما المعلم، فإن المواطن لا يشكل له القرار حافزا للثبات في مهنة التعليم، بل يضاف إلى جملة الدوافع التي تغريه بالخروج منها إلى عالم المال والأعمال.
وكذلك الوافد من الدول الشقيقة وإن كانت أسبابه مختلفة، فهو يستغل إجازة الصيف ليصلح ما أفسد الدهر في غيابه، سواء كانت أسرته معه في الإمارات وتقضى شؤونه في بلده دون رأيه، أو كانت أسرته في بلده لينمو سلوك أبنائه بعيدا عن ناظريه.
وأشار الدكتور معراوي إلى أن خضوع المعلم الوافد للقرار لا يكفي لإنجاحه ما لم تتوفر له القناعة بأهداف القرار ومخرجاته، والطالب نفسه ليس في السن الذي يشعر فيه بمصالحه البعيدة المدى على حساب رغباته الآنية.
ولا يمتلك القدرة على التجريد والتصور ليصل إلى ذلك وبالتالي شعوره بأن المدرسة ليست البيئة الملبية لرغباته كفيل بأن يعرقل بشدة الوصول إلى أهداف القرار، خاصة إذا طرح السؤال:
هل نستغل الأيام الدراسية استغلالا فعالا وجديا؟ وهل تمثل المدرسة المناخ الملائم لنمو طاقات المتعلم وتهذيب سلوكياته؟ وهل يلقى المتعلم الإشراف المناسب خارج أسوار المدرسة؟ وهل المدرسة اليوم تقدم للمتعلم صورة مصغرة من الحياة لتدريبه على مواجهتها؟
وهل يقوم تعاون مناسب بين المدرسة والمؤسسات المهمة بنشاطات وفعاليات الشباب؟ وأين يكسب الناشئ الخبرات الصحيحة؟، مشيرا إلى أن الإجابات قد تقنع مختلف الفئات بتعديل مواقفهم ومشاعرهم من القرار، والأهم من ذلك أن النجاح يتوقف على توحيد الاتجاهات وتلاقيها على توحيد الاتجاهات وتلاقيها على أمر واضح من المبتدى وحتى آخر غاية.
دون ضغوط
ولا يعتقد عبد الرحمن محمد خادم ولي أمر أن الطالب يتعلم فقط في المدرسة بل يكون في حالة تعلم أينما كان وذهب، مرتئياً أن حاجة المتعلم في هذه الأيام للتلاحم الأسري والتعلم من خلال الاعتماد على النفس أثناء السفر وتعلم مهارات القيادة والمحادثة والتعامل مع الآخرين، لهذا تعتبر العطلة الصيفية وقتا مهما يتعلم فيه الطالب مهارات بعيدا عن السبورة وإدراج الدراسة.
وأشار على سبيل المثال إلى أن أغلب الأسر تقوم بتسجيل أبنائها في دورات الحاسوب واللغة ودورات تدريبية خاصة ببعض المهارات كالسباحة وتعلم وتجويد القرآن والخط وغيره لهذا أهتم كثيرا بتنمية معلومات ومهارات أبنائي خلال العطلة الصيفية واستثمار أوقات فراغهم في الصالح الذي ينفعهم إما من خلال السفر أو من خلال الدورات التدريبية التي تشبع رغباتهم وميولهم.
وهي مهارات لا تستطيع أن تقدمها المدرسة التي تعتمد على المنهاج وبعض الأنشطة والرحلات، مطالبا بإبقاء الوضع على ما هو عليه، مشيرا إلى أن أولياء الأمور يعيشون على نار طوال السنة الدراسية من حيث المتابعات الدراسية والامتحانات المتلاحقة، موضحا حاجتهم للبقاء مع أبنائهم دون ضغوط في راحة واستجمام.
وفي السياق نفسه يعتقد أحمد راشد الحواي ولي أمر أن محاولة وزارة التربية والتعليم بتمديد السنة الدراسية لن تكون ذات جدوى تذكر لأن الطقس في الإمارات صعب جدا والمدارس غير مهيأة لاستقبال الطلاب لأن بها نواقص كثيرة مثل المكيفات والباصات غير مكيفة والساحات هي الأخرى غير مظللة ولا توجد صالات رياضية.
مؤكدا حاجة أولياء الامور للتواجد الأسري مع أبنائهم المشغولين طوال السنة الدراسية ونحتاج للسفر معهم للخارج اما للعلاج أو الترفيه عنهم حتى يواصلوا عافيتهم ونشاطهم للسنة التي تليها، لهذا نطالب وزارة التربية والتعليم ونناشد الوزير بعودة الإجازة كما كانت.
إمكانات الميدان
محمد عبد الكريم مدرس تربية فنية بالأحمدية التأسيسية قال: إذا كانت الوزارة أقرت تعديلات التقويم الدراسي الجديد لتتناسب مع الدراسات للمناهج الأوروبية في حجم ومدة الدراسة، فهل أقرت الإمكانات التي تناسب الميدان التربوي من حيث المبنى المدرسي ومدى ملاءمته لاحتياجات المتعلمين وتطورهم.
وهل نظرت إلى المناهج وأجرت دراسة ميدانية تؤكد ملاءمة المدة الزمنية لحجم المناهج؟ علما بأن أكثر المناهج تكون قد قاربت على الانتهاء مع منتصف أبريل، فهل ذلك يتناسب وطول السنة الدراسية.
ناهيك عن طبيعة المناخ داخل الدولة خلال شهري مايو ويونيو والحرارة المرتفعة التي تؤثر سلبا على قدرة الطالب الاستيعابية للمواد الدراسية، إلى جانب ما تعاني منه المدارس من سوء حالة المكيفات والحافلات التي تقوم بنقل الطلبة.
ويضيف عبد الكريم: إذا كانت الدراسة التي تمت تحتم إطالة السنة الدراسية بمقدار حصة يوميا لكي تتناسب والدراسة الموضوعة على أن يتم ذلك عبر دراسة ميدانية تقوم بها الوزارة وتستطلع فيها رأي الميدان التربوي من معلمين وطلاب وأولياء أمور وهيئات إدارية.
إضافة إلى استطلاع رأي المناطق التعليمية والموجهين على أن تكون تلك الدراسة أحد المعايير التي على ضوئها يتم اتخاذ هذه القرارات ن ولا مانع من أن يتم التنسيق بين الوزارة والمجالس المشكلة للتعليم بالمناطق التعليمية للاسترشاد بآرائهم.
وعاد عبد الكريم ليسلط الضوء مرة أخرى على هموم الميدان ثانية مشيراً إلى مشاكله الكثيرة، ذاكرا منها: التسرب والعنف بين الطلاب ومعلميهم وغيرها من الظواهر، متسائلا : هل نظرت التربية إلى تلك الظواهر ووضعت لها حلولا مع التقويم الدراسي الجديد لاسيما ان المدارس تعاني نقصا في إعداد الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين.
وإذا كانت أهم مشاكل الوزارة هي السنة الدراسية ( قصرت أم طالت ) أو ليس الأولى بحسب رأيه أن تولي أهمية أخرى للطلبة والمعلمين والإدارات المدرسية وما يتعلق بهم من مشكلات حرصاً منها على أدائهم لعملهم في جو صحي ومناخ آمن والنظر في اللوائح الطلابية وكيفية تهيئة الجو النفسي المستقر للمتعلمين.
والنظر بعين الاعتبار لمكانة المعلم وضرورة المحافظة عليها والسعي لزيادة مواردهم بدلا من اندفاعهم نحو إعطاء الدروس الخصوصية، إضافة إلى الإدارات المدرسية وما تعانيه من قرارات فوقية.
تحقيق: يحيى عطية