قال الشيخ: أردناه حواراً بين الحضارات وأرادوه صراعاً بين الحضارات، أردناه تعارفاً وتعاوناً على ما فيه الخير لسكان الأرض وأرادوه تعالياً وتصارعاً لخدمة مآربهم وملء جيوبهم، مددنا إليهم أيدينا بكل الحب ومدوا إلينا أيديهم بالخناجر والقنابل.

إن حادثة الإساءة إلى النبي الكريم هي خير ما يصور هذه الحقيقة ويكشف قناع العولمة الإنساني المزور، وهذا ما يجب أن يعترف به صناع الثقافة الليبرالية عندنا، ذلك أن الغرب يصر على أن النموذج الثقافي والمعرفي الكوني المعولم هو النموذج الغربي العلماني دون أي اعتراف بخصوصيات وهويات ومعارف وأديان وقيم أخرى.

وقد أكد صموئيل هنتنغتون على هذا المعنى الآن بعد أكثر من عشر سنين على صدور كتابه «صراع الحضارات» قائلاً: إن العالم الإسلامي اليوم متصادم مع الثقافة والحضارة العالمية لأنه لا يريد أن يكون في رعاية الغرب (البيان 9366).

وعندما يدور الحديث في المحافل الإسلامية عن الحوار والمشاركة مع الأديان الأخرى، تجد نفراً منا يغص متألماً وهو يؤكد أننا كثيراً ما أقبلنا كمسلمين عليهم بحسن النوايا وبالقلوب المحبة للخير المشترك وكثيراً ما قوبلنا بالغدر وبالالتفاف من ورائنا لنتلقى الطعنات في ظهورنا وخواصرنا.

هذا المنطق الذي لا يخلو من وجاهة يجب حصاره وتغييره لأن ديننا يطالبنا بالحوار والتعاون مع أهل الأرض جميعاً ومع أهل الديانات السماوية على وجه الخصوص، وهو تعاون لا يخلو من صعوبات وتضحيات ومتاعب يجلبها عدم صدق البعض والغدر والمكر اللذان يسيطران على البعض الآخر، ولكن الإسلام دين محبة وتضحية وتواصل وتعارف شاء المسلمون أم أبّوا، وعليهم دائماً أن يبحثوا عن الصادق الأمين ولو بين آلاف الكاذبين الغادرين.

إن أخطر ما يسم الجدال الدائر اليوم بعد حادثة الإساءة إلى النبي الكريم هو تصوير الصراع على أنه صراع بين الإسلام والمسيحية، فالثقافة السائدة في الغرب اليوم والتي يراد لها أن تكون ثقافة كونية ليست ثقافة دينية بأي حال وبأي لون، ومن أساء اليوم إلى حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً ما أساءوا إلى المسيح عليه الصلاة والسلام، وهنا يجب أن نشير إلى أنه بين ثمانمائة مليون كاثوليكي في العالم أجمع لا ينتظم في الذهاب إلى الكنائس إلا ما يربو قليلاً على عشرة ملايين شخص (البيان 9369) وأن آلة الإعلام وإنتاج الفكر والثقافة في الغرب وحتى لغة الحروب التي يصدرونها للقضاء على الممانعة في دول عربية وإسلامية هي آلة ولغة لا تحمل ظلاً من ظلال إنسانية الأديان.

قد يقول البعض ما فائدة حديث كهذا في وقت أسيء فيه إلى المسلمين في أغلى ما في حياتهم؟ ولماذا الدفاع عن الأديان الأخرى مع تواضع وقفتهم معنا في الجريمة التي نزلت بنا؟ الجواب نستقيه من حياة النبي الكريم نفسه والذي قدم رسالته في عمره كله على حياته، والذي لم يغضب يوماً لنفسه وإنما كان غضبه لله وعلى دين الله، كما نستقيه من قراءة متأنية للواقع وفهم موضوعي للصراع باعتباره صراعاً بين «التدين» وثقافته و«الإلحاد» وثقافته، لقد غضب المسلمون ومن حقهم أن يغضبوا لمن آذاهم في أحب الخلق إليهم، وبغض النظر عن مستوى هذا الغضب على الصعيد الشعبي والرسمي، صعيد النخب أو صعيد العامة، هل كان يناسب حجم الجريمة أو أكثر تواضعاً، فإن الغضب يجب أن يقف يوماً دون أن يعني ذلك تنازلاً عن حقوقنا في رد الإساءة التي وجهت إلى صدورنا باستمرار المقاطعة واللجوء إلى الهيئات الدولية لتقييم ما حدث ولمنعه أن يحدث مرة أخرى، لقد رأى العالم غضبتنا وحبنا لرسولنا الأعظم، وقد حان الوقت الآن أو بعد بقليل لنريهم كيف يكون تلاميذ محمد في مد يد الحب والتعارف والتعاون إلى كل من يحترم الإنسان لإنسانيته مهما كان دينه ومذهبه.

إن الأنظار ستتجه إلينا الآن أكثر من السابق، وعلينا كمثقفين وكعامة وكسكان في العالم الإسلامي وكأبناء جاليات إسلامية في الغرب أن نرقى إلى مستوى المسؤولية.... مسؤولية كيف ومن هم تلاميذ محمد وورثة محمد، وهذا يطرح موضوعاً أكثر أهمية وخطورة، هو ضرورة إعادة هيكلة التنمية في العالم الإسلامي، لأن تقييم أحوال المسلمين اليوم قد لا يشّرف نبينا الكريم الذي شرفه الله وأعطاه المقام المحمود.

إن هذا يعيد بلّورة مفهوم الجهاد في الإسلام بوصفه جهاداً في المصنع والمخبر، والمدرسة والجامعة، وفي الوزارات والمؤسسات، وفي البيوت والشوارع والمساجد، قبل أن يكون ركوباً للتيارات السياسية وحلماً لإقامة دولة إسلامية قبل وجود رعايا مسلمين في ثقافتهم وقيمهم وخياراتهم، أغلب الظن أن ما حدث في الدنمارك ثم في عواصم غربية أخرى من إساءة إلى النبي الكريم قد أشعل فتيل الصراع بين الإسلام والغرب مؤسساً لمرحلة قادمة يريدها عرابو العولمة من صناعة الكراهية.

وواجبنا نحن المسلمين، لأننا أتباع رجل عظيم كمحمد الذي طعنونا فيه، أن ننزع فتيل الصراع وأن نؤسس لصناعة المحبة والسلام، كاشفين صدورنا للعتاة الظالمين كما فعل الصحابة الذين استطاعوا نشر الإسلام خلال أقل من خمسين عاماً.