إن أمة تمتلك مقومات الوحدة وكانت كذلك عبر تاريخ طويل لم تولد فيه تكتلات العالم المعاصر، عليها أن تعيد النظر في حساباتها وأن تراجع نفسها، وأن تتخذ من منطق التوحد أساساً لمقاصدها الكبرى، وأهدافها العليا فنحن أمة لها تاريخ مشترك وآمال متقاربة، وأهداف واحدة مع مرتكزات وحدة الأصل ووحدة العقيدة ووحدة اللغة، ووحدة المصير مما يجعل همنا واحداً ألماً وأملاً، واقعاً ومستقبلاً، فهل آن لنا أن نتحد، ونذيب صور الخلاف أياً كانت أبعادها أو ملامحها وقسماتها التي يمكن تجاهلها والتغلب عليها وتذويب ما بقى منها.
إننا لا بد وأن نعيش اللحظة وأن نتفاعل مع معطيات المرحلة آخذين العظة والعبرة من كل ما نشهده في العالم الكبير من تجاوز التفكك إلى صناعة التكتلات، وإذا كان العالم الأوروبي متعدد اللغات ومتعدد الأديان قد التقى على كلمة سواء من خلال الاتحاد الأوربي أو غيره.
وإذا كانت قوة الولايات المتحدة الأميركية كامنة في فكرة التوحد ذاتها، فقد بات من الضروري معاودة النظر في مسايرة نجاح تكتلات العالم دون تبعية لأي منها ـ بالضرورة ـ في عصر لا يقبل التبعية إلا الضعفاء، وما أخطر الاستسلام للضعف أو الخضوع للآخر.
إن الأمة الإسلامية تملك رصيداً ضخماً من الإمكانيات والقدرات، جديرة بأن تعيد للحضارة الإسلامية مجدها التليد، ولكن متى وجدت إلى القلوب والنفوس سبيلاً، وثمة وسائل عديدة يمكن من خلالها الوصول ـ بمشيئة الله ـ إلى هذه الوحدة التي نتمناها جميعاً، ويمكن إبراز هذه الوسائل فيما يلي:
أولاً: الوحدة الفكرية والثقافية:
فإنه من أجل أن تتحقق الوحدة الإسلامية لا بد من قيام وتحقيق الوحدة الفكرية والثقافية لدى الشعوب الإسلامية، وهذه الوحدة ليست محالة ولا بعيدة المنال ولكنها موجودة ولها أصولها الثابتة.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «إنه لا تتحقق الوحدة الإسلامية الجامعة إلا بتوجيه النفس الإسلامية إلى اتجاه واحد، وإن الوحدة الثقافية تتضمن وحدة التفكير بين الأقاليم الإسلامية، وفى الحقيقة أن أصل هذه الوحدة ثابت في الجملة، ولكنه موثق بأفكار غربية عند بعض المثقفين في الأقاليم الإسلامية على مقدار تأثرهم بأفكار الغرب، إذ يخلطونها بالعقائد، وإنه يجب أن نقرر أنه لا يوجد وحدة بين آحاد أهل دين أو أهل مذهب اقتصادي أو اجتماعي كما يوجد بين عامة المسلمين وإخوانهم المؤمنين بشريعة القرآن».
وإن السبب في ذلك الاتحاد الفكري أو تقاربه هو وحدة المصدر، وهى نصوص القرآن وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ثمة اختلاف في طريق روايتها لا في أصلها.
إن وجود أصل الوحدة في الثقافة الإسلامية أمر ثابت لا مجال للريب فيه، فنواة الوحدة الثقافية الإسلامية والنفسية ثابت في كل البلاد الإسلامية مهما تختلف فيها الطوائف والمذاهب، إنما الأمر الذي نريده هو العمل على إنماء هذه الوحدة، وإيجاد مجتمع فكرى موحد يبنى دعائم الإسلام ويقف حاجزاً دون النزعات المنحرفة التي يحاول الأجنبي وصنائعه أن تتغلغل في نفوس المسلمين.
ثانياً: توحيد أجهزة الدعوة
إن الناظر إلى حال الدعوة الإسلامية في العصر الحديث يلاحظ وجود جماعات كثيرة حملت لواء الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن هذه الجماعات قد اختلفت فيما بينها من حيث المبادئ والأسلوب، والمنهج في نشر الدعوة مما أدى إلى ظهور سلبيات في مجال الدعوة وضياع الوقت في نقد كل جماعة للأخرى والتقليل من شأنها، مما جعل أعداء الإسلام يستغلون هذا الخلاف في ضرب الجماعات الإسلامية بعضها ببعض، مما يؤثر على وحدة الأمة.
وقد حاول البعض جمع هذه التيارات تحت لواء وقيادة واحدة ولكن دون جدوى، وهذا لا يمكن بالطبع لأن من سنن الله في خلقه الاختلاف «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم».
وللداعية الإسلامي الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) رأي يرى فيه بأنه لا يخاف من تعدد الجماعات الإسلامية على الحركة الإسلامية، إن كان لهذا التعدد أصل عملي، فلا مانع من أن تتعدد الجماعات كما تتعدد الأحزاب، ولكن على شريطة أن يكون لكل جماعة ميدان جهاد محترم تعمل فيه، فلو أن جماعة اشتغلت بالتشريع.
وجماعة أخرى اشتغلت بالتربية، وجماعة اشتغلت بتربية الطفولة، وأخرى اشتغلت بالعناية بالأسرة، أي لو أن الجماعات تعددت تعدداً نوعياً وبدأت تخدم الإسلام من شتى جوانبه، إنما الذي أخافه أن كل جماعة تتخيل الإسلام على نحو معين وفق تفكير قاصر أو اتجاه أعمى.
وهذا الفكر بالنسبة للجماعات سواء قلت أو كثرت هو خطر على الإسلام، أي أنه لو أن هناك جماعة واحدة هي الموجودة على الصعيد الإسلامي، ولكنها لا تعي الإسلام إلا جلبابا قصيراً، ونقابا يحجب وجه المرأة فقط.
فهذا أخطر على الإسلام وتهديد لمستقبله في الأرض، أما إذا تعددت الجماعات كما قلت، كان الحكم الصائب والفهم السديد هما اللذان يسيطران عليها، فلا مانع، لأن تعدد الجماعات والآراء جائز في الإسلام.
ومن هنا: فإن التعدد بمعنى التخصص فهذا مطلوب ومفيد، ولا يتم ذلك إلا تحت قيادة توجه وتنظم كما يرى الأستاذ حوى حين قال: «ولجعل العمل الإسلامي يتكامل فإن وجود طبقة مهمتهم التقريب بين التيارات واجب من واجبات العصر».
وبالطبع الجهة المرشحة لهذه القيادة هي الأزهر الشريف نظراً لمكانته ومكانة علمائه وتاريخه في مجال الدعوة إلى الله بصورة صحيحة. وتقوم هذه الوحدة أساساً على وجود الخلافة الإسلامية، ومن الثابت أن هذه الخلافة ليست مجرد نظرية سياسية أو أمنية، فقد وقعت منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قضى عليها كمال أتاتورك وحزبه، وقد قال جمهور العلماء بوجوبها، إذ لا تخلو منها مصلحة الأمة الإسلامية، بل هي أحد مصادر قوتها وعزتها ووحدتها.
وإذا كانت الأمة الإسلامية بوضعها الراهن الآن مبعثرة مفككة فنحن لا ننكر هذا الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة حيث مزقت إلى أكثر من سبعين وطنا وجنسا حتى إن الحدود الفاصلة بين البلاد الإسلامية أحكم إغلاقاً من الحدود الفاصلة بينها وبين بعض دول أوروبا، من أجل هذا يجب على حكام المسلمين اليوم أن يتجهوا إلى عمل عالمي يجمع شتات العالم الإسلامي حتى يستطيع الوقوف في وجه المؤامرات العالمية.
و كل ما نأمل من حكام المسلمين هو الالتقاء والاتفاق على الخطوط العريضة للتأليف بين الجموع بحيث يتفق الجميع على أيديولوجية واحدة ينطلقون من خلالها في كل توجهاتهم الداخلية والخارجية، والظروف بعد ذلك كفيلة بتحقيق الوحدة الكاملة في صورة خلافة على مناهج النبوة كما بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت أنظمة الحكم الحالية تمثل جبرية الملك والحكم.
فإن الخلافة على مناهج النبوة آتية لا ريب فيها، لأن ما بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم، لا بد أن يتحقق، فشرف لحكام المسلمين اليوم أن يقوموا بواجباتهم في العمل العالمي المشترك ولو في صورة منظمة إسلامية عالمية تجمع كل الأجناس وتخضع لسلطان شخص واحد وتكون رئاستها بالتناوب بين حكام المسلمين وعلى الجميع أن يأتمروا بأمره. وتقوم هذه المنظمة الإسلامية على دعامتين:
الأولى: دستور محلى لكل دولة مسلمة تقرره في ضوء ظروفها وأحوالها ولكنه ينطلق من الإسلام.
الثانية: دستور عالمي شامل مهمته تنظيم التعاون بين دول العالم الإسلامي يقوم على تنظيم:
ـ الشؤون الخارجية والدفاعية عن العالم الإسلامي.
ـ الشؤون الاقتصادية وتحقيق التكامل بين دول العالم الإسلامي وحماية اقتصاد المسلمين من الابتزاز والقرصنة.
وهذا ما يعترف به «ت ـ ب ـ إيرفنج» الأستاذ بجامعة ننسى الأميركية حين يقول: «إنكم لن تستطيعوا أن تنافسوا الدول الكبرى علميا أو ثقافيا أو اقتصادياً أو سياسيا أو عسكرياً ولكنكم تستطيعوا أن تجعلوا تلك الدول تجثو على ركبها أمامكم بالإسلام، أفيقوا من غفلتكم لقيمة هذا النور الذي تحملون، والذي تتعطش إليه أرواح الناس في مختلف جنبات الأرض، تعلموا الإسلام وطبقوه، واحملوه لغيركم من البشر تنفتح أمامكم الدنيا، ويدن لكم كل ذي سلطان، أعطوني أربعين شابا ممن يفهمون هذا الدين فهما عميقا، ويطبقونه على حياتهم تطبيقا دقيقا وأنا أفتح بهم الأميركتين»، فهل يمكن لقادة العالم الإسلامي أن يعوا هذا الكلام ويقدروه حق قدره؟!
رابعاً: الوحدة الاقتصادية:
إن إقامة نظام اقتصادي موحد بين الشعوب الإسلامية بقصد التقريب بينها أصبح ضرورة لا مفر منها في الوقت الحاضر. يقول الإمام محمد أبو زهرة: «إن الارتباط الاقتصادي جزء جوهري من الوحدة الإسلامية، لأن قوى الأمم في هذا العصر تقوم على الاقتصاد، فأميركا مثلا قوتها قائمة على الاقتصاد وإن مواردها أعظم الموارد، ومصانعها أعظم المصانع، والاقتصاد أداة من أدوات الحرب بل هو أقوى عدة.
وهو في كثير من الأحيان يبعث الحروب، وليست الحروب الآن أكثرها إلا تنازعاً على ينابيع الثروة في الأرض فحيثما كانت هذه الينابيع اشرأبت إليها الأعناق، وتحركت المطامع نحوها، وكان التكالب للوصول إليها والاحتفاظ بها، والمغالبة المستمرة في خفاء وإعلان الاستيلاء على ركائز الأرض ومعادنها».
لذا من الضروري اليوم إقامة نظام اقتصادي موحد بين الشعوب الإسلامية، فالعالم الإسلامي يملك من المقومات البشرية ما يزيد عل ربع سكان العالم موزعين على ما يقرب من سبعين دولة يمثلون أكبر تجمع بشرى يرتبط بعقيدة واحدة وعبادة واحدة وتاريخ واحد، «فالإسلام يملك قوة عجيبة على تجميع الأجناس المختلفة تحت راية واحدة، وله من الطاقة الروحية ما يدفع المؤمن به إلى الدفاع عن أرضه وثرواته مسترخصا في سبيل ذلك كل شيء حتى روحه».
كما انهم يملكون أكثر من ربع مساحة اليابسة متصلة بعضها ببعض، أضف إلى هذا المقومات الجغرافية ثم تأتى بعد ذلك المقومات المالية والاقتصادية ولو أن أغنياء المسلمين أقرضوا فقراءهم لكفوهم مذلة السؤال من الغرب، بالإضافة إلى الثروات الزراعية والحيوية، ومصادر الطاقة الهائلة والثروات التعدينية التي لم تقدر تقديراً نهائياً بعد.
وإذا نظرنا إلى تلك الموارد بنظرة متعمقة من خلال مخطط رئيسي قومي على مستوى كل دولة ثم على مستوى ثنائي ثم مستويات مجمعة تراعى البدائل والإمكانيات والاستغلال الأمثل والأجود والأرخص من منظور شامل وتكاملي، فإن ذلك يمكن أن يهيئ لعالمنا الإسلامي مجالا أرحب وقاعدة أكبر وأعظم للإنتاج الوفير المتنامي وبالجودة والتكلفة والتناسقية التي تحقق الاكتفاء، وفى كثير من الأحيان فرص للمنافسة والتصدير، ومن ثم ما نصل إليه من نهضة وتنمية وتبوؤ المكانة اللائقة بإمكانيات هذا العالم العريق.
ومن ثم بالإمكان التكامل في مجالات إنتاج وتصدير وتبادل وتعظيم الإنتاج الزراعي النباتي والحيواني والتعدين والبتروكيماويات والصناعات الثقيلة والخفيفة وخلافه من خلال منهجية وفلسفة ئزدح ءة شد شزء ومن تنافس أو تعارض أو مصالح أنانية إلى تكامل وتعاون لصالح الجميع على المستوى القومي والإسلامي.
د. محمد محمد عيسى